ريح القوقاز الهوجاء كان مقرراً ان تكتسحه ، ثلاثة عوامل أساسية تدفع ببوتين الى رئاسة الحكومة الروسية في 28 يوليو 1998 كان فلاديمير بوتين في مكتبه بالادارة الرئاسية عندما دوى جرس الهاتف كان المتحدث هو احد المسئولين في رئاسة الحكومة وقد طلب منه ان يذهب الى المطار لاستقبال سيرجي كيريينكو، رئيس الوزراء العائد من مقابلة مع الرئيس بوريس يلتسين الذي كان يمضي عطلة في احدى المناطق الروسية. لم يتفاءل الرئيس الروسي المقبل من ذلك اللقاء ولم يكن ينتظر منه شيئاً، لا سيما وانه كان قد اندمج بشكل ممتاز خلال عامين فقط بالفريق الرئاسي، واصبح احد الذين يثق بهم بوريس يلتسين، حيث كان قد تولى في مارس 1997 رئاسة الادارة المركزية لرقابة الادارة الرئاسية، اي بتعبير آخر كان مكلفاً بالتحقق من عدم ارتكاب مخالفات قانونية مما يتطلب في الوقت نفسه رقابة الجميع ويمكن القول انه قد قام بمهمته تلك بشكل بارع من موقعه كحقوقي وكمحترف في اجهزة الاستخبارات. وكدليل على اهميته المتزايدة تم تعيينه في مايو 1998 نائباً لرئيس الادارة الرئاسية المكلف بالعلاقات مع المناطق الروسية ويقول الوشاة انه جمع ملفات من خلال الوظائف المختلفة التي تولاها على من اعتقد ان ذلك قد يكون مفيداً، وخاصة على حكام المناطق وكان ايضاً على اتصال دائم مع اسرة الرئيس يلتسين، حيث كان هو الذي يشرف على تنظيم اسفار الرئيس واسرته الى مختلف انحاء روسيا. عصفوران وحجر اذا كان بوتين يزعم اليوم انه لم يكن ينتظر من سيرجي كيريينكو عندما ذهب الى استقباله في المطار اي شيء عن محتوى الحديث الذي ينتظرهما فإنه يمكن القول ان مثل هذا الزعم لم يكن دقيقاً كل الدقة اذ لا شك ان قربه من الرئيس يلتسين ومن حاشيته كان من المفترض ان يسمح له بمعرفة انه مدعو لاستلام مهام اعلى. عندما التقى كيريينكو ببوتين بادره قائلاً بمودة: - مرحبا، فلاديمير، ومبروك! - علام؟ - لقد تم توقيع المرسوم بتعيينك مديراً لجهاز الامن الروسي. قال بوتين، فيما بعد، ان تلك التسمية لم تجلب البهجة الى قلبه لانه لم يكن يريد ان يجتاز مرتين النهر نفسه مع ذلك كانت تلك الخطوة تندرج في اطار تدعيم عمل الحكومة عبر وجود مسئولين جدد ينالون ثقة الرئيس يلتسين ويكونون من ذوي الحساسية الليبرالية مما يؤمن حماية اضافية واساسية لحكومة كيريينكو الذي حقق عبر تلك التسمية هدفين ـ ضرب عصفورين بحجر واحد ـ فمن جهة كان بوتين «مدنياً» بعد استقالته من جهاز «الكي.جي.بي» وحيث انه للمرة الاولى منذ تعيين «اندروبوف» على رأس جهاز امن الدولة السوفييتية عام 1967 يتم تعيين «مدني» في هذا المنصب كما انه للمرة الاولى منذ عقود طويلة يستمد رئيس هذا الجهاز سلطاته من ارادة رئيس منتخب ورئيس وزرائه، حيث ان مهماته الرئيسية اي الجهاز غدت حماية الحكومة ضد محاولات هز استقرارها من قبل انصار تعزيز التوجه العسكري الصناعي المناوئ لليبرالية. وعلى الرغم من بعض مظاهر الازدهار الذي عرفه الاقتصاد الروسي فإن الظرف الدولي وانهيار اسعار النفط والأزمة المالية الآسيوية وانعكاساتها في مناطق العالم الاخرى كانت بمثابة مستجدات دفعت نحو أزمة حقيقية ايضاً هي الاخرى؟ ووجدت الحكومة نفسها مضطرة لتخفيض قيمة «الروبل» الروسي، وضمن هذا السياق تدخل الملياردير الروسي «بيريزوفسكي» لدى يلتسين كي يقيل كيريينكو ويعيد تشيرنوميردين على رأس حكومة جديدة كحل للأزمة اذ ان الشيوعيين على أهبة الاستيلاء على الحكم هكذا رضخ يلتسين وقرر التضحية «مؤقتاً» بالليبراليين ودعا تشيرنوميردين الى تأليف حكومة جديدة لم تر النور ابداً لان مجلس «الدوما» رفض الموافقة على هذا التعيين مرتين وكان الرفض لمرة ثالثة يعني حل هذا المجلس مباشرة كما ينص الدستور الروسي. لم يتم عرض ترشيح تشيرنوميردين للمرة الثالثة من اجل التصديق عليه من قبل مجلس «الدوما» حيث اعلن يلتسين عزوفه عن ذلك الترشيح وسمى رئيساً جديداً للحكومة وهو يفجيني بريماكوف، الذي وافق عليه مجلس « الدوما» من دون اي عناء اذ بدا بمثابة «المرشح الطبيعي للأغلبية الشيوعية والقومية المتطرفة» لقد حاول يلتسين بذلك ان ينقذ المكاسب الديمقراطية المحققة منذ سقوط الشيوعية في روسيا وكان على اقتناع بأنه طالما كان يحتفظ بسلطاته التي يمنحها له الدستور فإنه يستطيع ان يتدخل بفعالية على الساحة السياسية هذا على الرغم من ان العديدين اعتبروه «ميتاً» على الصعيد السياسي. عاشت روسيا في تلك الفترة جواً من التآمر والدسائس وتبادل الاتهامات وهكذا نشرت اجهزة امن الدولة التي كان يتولى رئاستها بوتين شريط «فيديو» بث التلفزيون الروسي بعض لقطاته، ويظهر فيه المدعي العام الروسي سكوراتوف في اوضاع شائنة مع محترفتين وكان سكوراتوف مقرباً من رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف، ذي الاطماع الرئاسية وكان لوجكوف قد حث سكوراتوف على محاكمة بعض افراد اسرة يلتسين بتهمة تقاضي رشاوى من شركة سويسرية. اظهر بوتين كفاءة عالية وفعالية واضحة في عمله كمدير لجهاز الامن، ونال ثقة يلتسين الذي عينه في 29 مارس 1999 اميناً لمجلس الامن الفيدرالي الروسي مما اعطاه حق الرقابة على جميع الاجهزة والمؤسسات في حقل اختصاصه وكان تعيينه في هذا المنصب ايضاً بمثابة اشارة باتجاه الدول الغربية التي كانت قد بدأت قبل ايام فقط ضرباتها الجوية ضد صربيا تحت غطاء الحلف الاطلسي حيث كان يلتسين قد اتخذ مواقف تنم عن ادانته للتدخل الغربي ولكن من دون اية ترجمة لها على ارض الواقع وذلك على عكس بريماكوف الذي لم يتردد عندما سمع خبر بداية عمليات قصف صربيا وكان في طريقه جواً الى واشنطن باتخاذ القرار القاضي بالغاء زيارته للولايات المتحدة وتغيير وجهة طائرته عائداً الى موسكو، ثم قام بزيارة بلجراد حيث نشرت له التلفزة صوراً من اللقاء الذي جمعه مع الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش. ضمن هذا الاطار بدا تعيين بوتين على رأس المجلس الامني للفيدرالية الروسية بمثابة محاولة لتطمين الغرب الذي لم يكن يجهل ان بوتين هو احد اعضاء مجموعة الليبراليين الذين اظهروا باستمرار تأييدهم للانفتاح على الغرب وقد كانت التصريحات الاولى التي اطلقها بوتين من موقعه الجديد تذهب باتجاه التهدئة مع الغرب حيال ما كان يجري آنذاك في البلقان حيث قال «من الواضح لأي عاقل ان حماية مصالح حلفائنا القريبين لنا بالعقيدة ـ الارثوذكسية ـ انما هي واجب علينا لكن حماية مصالحنا نحن ايضاً واجب علينا وينبغي ان لا تتورط روسيا في الحرب ولا يمكنها ان تقوم بعمل عسكري في الحالة الراهنة بشكل خاص وانه ليخامرني الاحساس بأنه يراد دفعنا لعمل ذلك، لكن لن يستطيع احد ان يدفعنا الى فعله». حسابات الملف الشيشاني من جهة اخرى كان احد الملفات الامنية المهمة التي تنتظر بوتين يخص المسألة الشيشانية حيث لم يستتب الامن والاستقرار بعد انتخاب مسخادوف للمنصب الرئاسي والانسحاب الكامل للقوات الروسية في يناير 1997 كان التوجه الحكومي بقيادة «بريماكوف» يميل نحو وضع نهاية للتوترات في الجمهورية الشيشانية عبر التفاوض مع القيادات الاسلامية وقد كلف سيرجي ستيباشين وزير الداخلية بمهمة التفاوض والوصول الى اتفاق واعتقد الوزير الروسي بعد زيارة له للجمهورية الشيشانية والتفاوض مع القوى الاسلامية وبقية الاطراف انه قد توصل فعلاً الى اتفاق لكن الاحداث التي انفجرت بعد فترة قصيرة، وتحديداً في مطلع مارس 1999 اظهرت ان الحقيقة شيء آخر عندما قام مقاتلون ملثمون باختطاف احد مساعدي ستيباتشين الرئيسيين في مطار جروزني وتدهور الوضع بعد ذلك حتى في الجمهوريات المجاورة. لقد بدا ان اسباب موجة العنف الجديدة كانت على قاعدة محاولة من شامل بساييف لارغام الكرملين على مقايضة استقلال الجمهورية الشيشانية مقابل الاستقرار في المنطقة وكان قد تم اختيار اللحظة بدقة متناهية فأسعار البترول كانت في ادنى مستوياتها بالاسواق العالمية اي 10 دولارات للبرميل في فبراير 1999. واعتقد المقاتلون الشيشانيون ان خط الانابيب في شمال القوقاز لم يعد مجدياً على الصعيد الاقتصادي وبالتالي لم يعد يشكل اي رهان حقيقي بالنسبة للروس لقد أخطأوا في تقديرهم فـ «قرار التدخل كان قد تم اتخاذه» حسب احد تصريحات ستيباتشين. لم تكن موسكو تفكر ابداً بالتخلي عن خط انابيب شمال القوقاز اذ انه بمعزل عن اسعار برميل النفط كان يمثل مصلحة استراتيجية كبيرة لكن هذا لا يمنع واقع ان الشركات الغربية التي كانت مكلفة باستثمار بترول أذربيجان طرحت تساؤلات جدية حول جدواه بالطبع كان البترول يمر عبر خط الانابيب الآخر عبر جورجيا ولكن كان من المستحيل زيادة الكمية المنقولة من دون اللجوء الى وسيلة اخرى هكذا تم الشروع بدراسة مشروع انشاء خط انابيب يمر عبر تركيا وصولاً الى البحر الابيض المتوسط وتحديداً ميناء جيهان. كانت الاجهزة السرية الروسية ترى ان اعمال الشيشانيين تصب في مصلحة الغربيين مما قد يؤدي الى خسارة روسيا لاحد مصادر الدخل الاساسية التي ستذهب فائدتها لمصلحة تركيا، احد بلدان الحلف الاطلسي كما ان اي تأخر في استثمار بترول اذربيجان كان يطيل من أمد الموقف المهيمن للبلدان المنتجة للنفط في الشرق الاوسط في مجال الطاقة. ضمن هذا السياق جرى اعداد خطة روسية للتدخل بمشاركة وزير الداخلية والدفاع وقائد الجيش ورئيس مجلس الامن الفيدرالي الروسي اي فلاديمير بوتين، لكن تأخر الشروع بتنفيذ الخطة بسبب تردد بريماكوف لأسباب تتعلق بالميزانية ولكن ايضاً بسبب رفض جورجيا مرور الجنود الروس عبر اراضيها لاغلاق الحدود الشيشانية بشكل كامل كما كانت تقتضي الخطة وقد عزز هذا الرفض من جانب جورجيا في ظل الرئيس ادوارد شفرنادزة شكوك الاجهزة السرية الروسية حول وجود تواطؤ غربي في الملف الشيشاني. في الوقت الذي كانت تجري الاستعدادات للتدخل في الجمهورية الشيشانية فاجأ الرئيس يلتسين الجميع باقالة رئيس الوزراء يفجيني بريماكوف في 12 مايو 1999 وعين مكانه سيرجي ستيباشين وزير الداخلية الذي كان يرى به يلتسين منذ اشهر رجل الموقف الذي يمكن ان يجمع حوله تحالفاً انتخابياً قادراً على منافسة الشيوعيين الجدد ولكن ايضاً منافسه يوري لوجكوف الذي كان يتقدم بخطى واثقة نحو الكرملين على رأس حركة «الوطن» التي كان قد اسسها. لم يكن ذلك التعيين الذي قرره يلتسين سوى «هدية مسمومة» في الواقع لستيباشين ولربما لو انه كان قد تأمل قليلاً بميزان القوى السياسية القائم في روسيا وبمدى التردد والتمزق الذي يعاني منه اولئك الذين يفترض انه سيعتمد عليهم فلربما كان قد رفض منصب رئاسة الحكومة فبعد الانهيار المالي لشهر اغسطس 1998 والمعارك السياسية التي سبقت تعيين بريماكوف كرئيس للحكومة وجد بوريس يلتسين نفسه محروماً من اشكال الدعم السياسي التقليدي التي كان يحظى بها، ففريق الليبراليين وعلى رأسهم تشوباي ونيمتسوف وكيريينكو كانوا قد ازيحوا عن السلطة وبدوا وقد فقدوا مصداقيتهم الى درجة ان الجنرال الكسندر ليبيد قال أنذاك: «ان كلمتي الليبرالية والديمقراطية ليستا ذات وقع سيء فقط، وانما اصبحتا بمثابة شتائم واعتقد انه اذا تجرأ احدهم وقال انا ليبرالي واريد دعمك، فإن الاجابة الوحيدة الممكنة ستكون لكمة يتلقاها في وجهه». الرهان الحقيقي في الوقت نفسه كان حزب رئيس الوزراء الاسبق تشيرنوميردين قد انتهى تقريباً ولم يعد يمثل سوى ما بين 2% الى 3% من اصوات الناخبين المحتملة وكان الدعم الوحيد الذي كان يمكن للكرملين ان يأمل في الحصول عليه هو دعم مجموعة قوية لكنها لم تبرز ابداً كقوة سياسية مستقلة وهي مجموعة حكام المناطق لكن اعتباراً من مارس 1999 بدأ هؤلاء الحكام في محاولة الدخول مباشرة في اللعبة السياسية فمن منظور الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة وكان يسود الاعتقاد بأن تسمية ستيباشين على رأس الحكومة سيتيح تشكيل حزب سلطة حقيقي يجمع عدة قوى سياسية حول برنامج مشترك لكن في الواقع كانت حاشية الرئيس تدفع باتجاه آخر بتوجيه من «تاتيانا» ابنته، حيث لم يكن يبدو لهم ان ستيباشين هو «رجل الموقف» فعلاً. كانت ايام ستيباشين في منصب رئاسة الحكومة معدودة وقد كانت عملية اقالته ضربة شبه قاضية بالنسبة له اذ جاءت في اللحظة التي اعتقد انه يستطيع ان يحل المشكلة الشيشانية على طريقته حيث كان قد شرع منذ توليه منصبه بالتحضير لحفر خنادق واسعة ونصب اسلاك شائكة حول الجمهورية الشيشانية لكن الكلفة كانت باهظة وموقعه كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية دفعاه الى التردد قبل الدخول في مغامرة عسكرية لا تحظى بالتأييد الشعبي. وفي جميع الحالات كانت الانتخابات الرئاسية هي التي تمثل الرهان الحقيقي لجميع القوى السياسية الروسية ولعدد من الشخصيات الطامحة الى الوصول للكرملين، وخاصة ذلك الذي يشغل منصب رئيس الحكومة الذي يضعه الدستور الروسي في المرتبة الثانية بعد رئيس الجمهورية، وهو الذي يحل محله في حالة «شغور» المنصب الرئاسي لأي سبب من الأسباب لذلك لم يكن من السهل على اي رئيس حكومة في روسيا الدخول في اية مغامرة غير محسوبة. مع ذلك كان لابد من التحرك، اذ ان دراسات الجدوى الاقتصادية لخط انابيب باكو ـ جيهان في تركيا اظهرت ايجابية المشروع وبالتالي اذا لم يتوصل الروس بسرعة الى تأمين الاستقرار في المنطقة الشيشانية فإن الغربيين سيشرعون بتنفيذ الخط عبر تركيا وفي الوقت نفسه ارتفعت اسعار البترول وتجاوز سعر البرميل حاجز العشرين دولاراً، مما جعل من الملح بالنسبة لروسيا ولاذربيجان اعادة فتح خط انابيب شمال القوقاز بل وانذرت الشركة البترولية لدولة اذربيجان موسكو بتأمين نقل النفط عبر هذا الخط كما تنص اتفاقيات عام 1996. ضمن هذه الشروط اندلعت الحرب من جديد في المنطقة الشيشانية، وكان ستيباشين قد قرر ان يضع حداً نهائياً للمشكلة ولم يتردد في الذهاب هو شخصياً الى جبهات القتال حيث بدا ان العمليات كانت تسير حسب الخطط المرسومة وفي المدة الامنية المحددة لها مما ترك الانطباع بأن روسيا كانت قد قررت ان تضع تلك المرة كل طاقاتها في الحرب، حيث كان من الملح استقرار منطقة شمال القوقاز كي لا يخسر الروس موارد مالية هائلة هم بأمس الحاجة لها لدعم اقتصاد بلدهم الذي كان يعاني من أزمة مالية خطيرة. لكن عندما عاد ستيباشين من الجبهة الشيشانية فوجئ بما لم يكن يتوقعه حيث اقاله الرئيس بوريس يلتسين وعين مكانه فلاديمير بوتين فعاش ستيباشين لحظات مريرة بسبب عزله واتهم حاشية الرئيس بأنها كانت وراء ذلك لكنه بالمقابل لم يكن حاقداً على بوتين لانه كان مدركاً ان ارتقاءه لم يكن سوى ثمرة تضافر ظروف عديدة فمن جهة كان بوتين مسلحاً بتجربته على رأس المجلس الأمني الفيدرالي الروسي ويمتلك اوراقاً رابحة اضافية لتنسيق عمل الجيش ووزارة الداخلية وجهاز الامن الروسي، وريث الكي جي بي يضاف الى هذا ان تعيين بوتين كان يمثل ميزة اكيدة لصالح ستيباشين على الصعيد السياسي حيث رأى ان اقالته قد حولته الى مرشح ذي مصداقية لرئاسة روسيا. كان الجميع على اقتناع آنذاك بأن النتيجة الأساسية للمأساة التي كانت تنسج خيوطها في الجمهورية الشيشانية وفي داغستان التي كانت قد وصلتها نيران الحرب هي فقدان الحكومة لمصداقيتها ولكن المعسكر الليبرالي الذي استمر تشوبايص يلعب دوره الاستراتيجي فيه يريد ان يحتفظ بستيباشين كمرشح يتفق عليه الجميع لذلك كان الحل الوحيد هو سحبه من السلطة قبل ان تقع الكارثة المتطورة في افق الحملة العسكرية على الجمهورية الشيشانية وبالتالي احلال يدفع فيما بعد ثمن الخسائر محله ولهذا لم يدفع اولئك الذين كانوا يشكلون حاشية الرئيس القريبة وعلى رأسهم ابنته مرشحهم المفضل نيكولاي اكسيونينكو وزير السكك الحديدية في حكومة ستيباشين الى الواجهة بدافع احساسهم بأن الريح الهوجاء آتية من جهة شمال القوقاز ولذلك افسحوا المجال لمرشح آخر. الرجل المطلوب لا احد يعرف من هو الذي اوحى للرئيس بوريس يلتسين بتعيين فلاديمير بوتين رئيساً لوزراء روسيا لكنه بدا من موقعه كرئيس لجهاز الامن الروسي وللمجلس الامني الفيدرالي بمثابة الرجل المطلوب في الوقت المطلوب اذ كان يمتلك حس الواجب وحس التضحية ايضاً وكان الجميع على قمة السلطة يعرف انه قادر على ان يؤدي بنجاح المهام التي تنتظره والمتمثلة في تسوية المشكلة الشيشانية وتحقيق السلام في المنطقة واظهار ان موسكو ليست مستعدة للتخلي عن اي جزء من «اراضيها» مهما كان صغيراً وتأمين مرور نفط بحر قزوين عبر خط انابيب شمال القوقاز بكل حرية مما يؤمن المال لصناديق الدولة الفارغة. لكن لم يكن هناك من يجهل ان هذه المهمة كانت انتحارية ولم يتردد جينادي سيلانيوف رئيس مجلس الدوما في ان يخاطب بوتين بعد تعيين مباشرة كرئيس للحكومة قائلاً: «لكن ماذا فعلوا؟ لقد دفنوك!» ويقول بوتين نفسه: «كان علي ان امنع انهيار بلادي وقد فهمت انني لن استطيع الوصول الى ذلك الا بالمراهنة بمستقبلي السياسي كان ذلك هو ادنى ثمن وكنت مستعداً لدفعه. كذلك لم يكن هناك من يتفاءل كثيراً بامكانيات نجاح فلاديمير بوتين في مهمته الصعبة؟ لا سيما وان العديدين لم يروا فيه سوى مجرد «دمية» يحركها رجل الاعمال بيريزوفسكي الامر الذي كذبه واقع ان هذا الاخير اصبح بعد فترة وجيزة في صفوف المعارضة وفي الوقت الذي كانت الاتهامات تتالى وتتركز على نساء اسرة يلتسين والمحيطين القريبين منها، حيث كشفت وسائل الاعلام وجود رشاوى وعملات كبيرة على صفقات مشبوهة مع شركات سويسرية وغيرها وفي الوقت الذي كان يبدو ان ستيباشين هو المرشح الاوفر حظاً للانتخابات الرئاسية التي كانت تلوح في الافق، اثبت بوتين انه «رجل المرحلة» حيث استطاع ان ينال شعبية كبيرة من خلال المعارك في منطقة القوقاز، الامر الذي لم يكن يتوقعه احد. لقد حول بوتين الحرب ذات الأهداف المحدودة حسب خطة ستيباشين الى حرب كاملة مدمرة قتلت آلاف الضحايا من المدنيين وهجرت مئات الآلاف من بيوتهم وبلادهم لكن هذه الحرب دمرت ايضاً حظوظ بريماكوف وستيباشين في الوصول الى الكرملين اذ على قاعدة الشعبية التي اكتسبها بوتين جرى ايجاد كتلة انتخابية شارك فيها العديد من حكام المناطق حملت اسم «الوحدة». وقد استطاع هذ الحزب الجديد ان يحد من حجم جميع خصومه باستثناء الشيوعيين الجدد وانتصر هذا الحزب الجديد حزب «الوحدة» في الانتخابات التشريعية التي جرت في 19 ديسمبر 1999 مما جعل بوتين في موقع افضل المتنافسين على الكرملين ولكن بسبب سرعة «التقلب» المتطرفة لدى الناخبين الروس كان من المستحسن تقريب موعد الانتخابات الرئاسية المحددة في يونيو عام 2000. وفي منتصف ليلة 31 ديسمبر 1999 اعلن بوريس يلتسين تنحيه عن السلطة تاركاً المجال للأجيال الجديدة هكذا اصبح فلاديمير بوتين رئيساً لروسيا بالانابة حيث ينص الدستور على ان يتولى رئيس الوزراء منصب رئيس الفيدرالية الروسية، في حال فراغ هذا المنصب، على ان ينظم الرئيس بالانابة انتخابات رئاسية جديدة خلال فترة ثلاثة اشهر وهكذا تم تقديم موعد الانتخابات الرئاسية بقوة القانون وكان المرسوم الاول الذي وقعه الرئيس الروسي بالانابة فلاديمير بوتين ينص على تسوية الوضع القانوني للرئيس السابق وتأمين الشروط المطلوبة كي يمضي اياماً هانئة في الـ «واتشا» المفضلة التي اصبحت ملكاً له، كما نص المرسوم، الى جانب الحصانة من اي اتهامات حيال كل ما قام به اثناء فترة رئاسته. وفي 26 مارس 2000 اصبح فلاديمير بوتين هو الرئيس الروسي، بعد ان نال ثقة 52.9% من اصوات مواطنيه منذ الدورة الانتخابية الاولى وللمرة الاولى منذ عام 1992 اصبح رئيس روسيا يحظى بأغلبية تؤيدة في مجلس «الدوما». وبدأت صفحة جديدة من كتاب تاريخ احفاد القياصرة الحافل بالمفاجآت.