الأمر المؤكد أن الصحافيين في الغالبية الساحقة من دول العالم الثالث يتطلعون بحد كبير إلى زملائهم في الدول الغربية المتقدمة ذات النظم الديمقراطية . فالصحافة في أغلب دول عالمنا الثالث ترزح تحت وطأة قيود ثقيلة تشريعية وإدارية، ناهيك عن القمع المباشر بلا أية ضوابط إذا لزم الأمر.. وما أكثر ما يلزم !! وتشتد وطأة هذه القيود أو تخف من بلد إلى آخر ومن فترة إلى أخرى باختلاف الظروف وحساسية الموضوعات غير أن حدود حرية الصحافة (والاعلام عموما) في أغلب دول عالمنا الثالث تظل أضيق من أن تصمد لمقارنة جدية مع مثيلتها في الدول المتقدمة .. الديمقراطية، حيث أصبحت حرية الصحافة منذ أمد بعيد من البديهات المسلم بها كأساس لا غنى عنه لديمقراطية النظام السياسي. ولسنا في حاجة للحديث عن دور صحيفة مثل (واشنطن بوست) في تفجير فضيحة (ووترجيت) التي أدت في النهاية للإطاحة بالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون. كما أن تفاصيل دور الصحافة الأمريكية في (مرمطة) الرئيس السابق بيل كلينتون لا تزال حية في الذاكرة. كما أن دور الصحافة البريطانية أو الألمانية أو الفرنسية، في فضح فساد الإدارة ومراقبة أداء الحكومات والزعماء السياسيين، أمر معروف، يجعل صحفيى وإعلاميي العالم الثالث يتمنون لبلادهم ولو بعضا يسيرا من الحرية (والسطوة) التي تتمتع صحافة البلدان الديمقراطية المتقدمة في الغرب. وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكننا استنتاج أن حرية الصحافة (وغيرها من وسائل الاعلام، الغربية مطلقة.. وأن الصحافيين لا يخضعون، في ممارستهم لعملهم لسلطان غير سلطان القانون ؟! الاجابة بالنفي طبعا ليس فقط لأن الحرية مفهوم نسبي .. و لأن القانون يحمي حرمات الأفراد من افتئات الصحافة . بل لأن الحريات الواسعة التي تتمتع بها الصحافة الغربية تتم ممارستها في إطار سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي محدد يتضمن قوى ومصالح واتجاهات عديدة تتنوع وتتبارى وتتناقض وتتصارع فيما بينها. وتؤثر هذه القوى والمصالح والاتجاهات على الصحافة وتمارس الضغوط عليها، كما تتأثر بها. والخطر الأكثر شيوعا على حرية الصحافة في الغرب الذي لا تفتأ الدراسات الإعلامية تسلط الأضواء عليه- هو خطر الضغوط الاقتصادية التي يمارسها رأس المال الاحتكاري على الصحافة من خلال امتلاكه للمؤسسات الصحفية وتوجيهها للدفاع عن مصالح المالكين وحلفائهم في هذا الفرع أو ذاك من فروع النشاط الاقتصادي فقد تحولت الصحافة الغربية إلى صناعة ضخمة في العقود الأخيرة وأصبح إصدار صحيفة كبرى أو كبيرة يحتاج إلى رؤوس أموال هائلة، تتزايد باستمرار مع زيادة التطور التكنولوجي، واحتدام المنافسة بين الصحف فيما بينها من ناحية، وبينها وبين وسائل الاعلام الإلكتروني من ناحية أخرى. ولا يمكن في ظل أوضاع كهذه تصور أن إمبراطوريات إعلامية كبرى كإمبراطورية (ميردوك ) أو (هيرست ) أو غيرها ستسمح للصحف (أو محطات التليفزيون والراديو) التابعة لها بانتهاج سياسات ومواقف تتناقض مع مصالح المالكين أو حلفائهم من رجال الأعمال والسياسيين سواء على المستوى القومي أو الدولي. ويتضح هذا في تفاصيل لا حصر لها، بدءا من التعتيم على الآثار الجانبية الخطيرة لنوع من الأدوية، أو الآثار البيئية الضارة لمشروع صناعي، وصولا إلى التعتيم على الجرائم الوحشية التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو على ظاهرة ارتفاع نسبة الإصابات بالسرطان في العراق نتيجة لقصفه بقذائف اليورانيوم المنضب. والاعلان هو الآخر من أهم وسائل الضغط الاقتصادي التي تستخدمها الشركات العملاقة للتأثير على الصحافة وغيرها من وسائل الاعلام في الدول الغربية وإذا وضعنا في اعتبارنا أن حجم صناعة الاعلان في تلك الدول يبلغ مئات المليارات من الدولارات سنويا لأدركنا مدى اعتماد اقتصاديات وسائل الاعلام عليه. و المعروف بالنسبة للصحافة مثلا أن تكلفة النسخة من الجريدة أو المجلة تكون عادة أكبر من سعر بيعها ويتم تغطية الفرق وتحقيق الأرباح من دخل الاعلانات ولسنا بحاجة بعد ذلك للإفاضة في شرح مدى فاعلية منح أو منع الاعلان كسلاح اقتصادي فعال للتأثير في حرية الصحافة، حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية. المصالح والضغوط الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة ليست الخطر الوحيد على حرية الصحافة في الدول الغربية فهناك أيضا الضغوط السياسية المباشرة وغير المباشرة من جانب الدولة وأجهزة مخابراتها والأحزاب السياسية، وجماعات المصالح والضغط، وتحالفات رجال المال والأعمال من جهة والسياسيين ورجال الحكم من جهة أخرى وإذا كانت الدولة تدافع عن مصالح رجال الأعمال والشركات الكبرى في الداخل وفي السوق العالمية، فإن هؤلاء ممن فيهم الناشرون واباطرة الاعلام مهتمون بالدفاع عن مصالح الدولة ( دولتهم ) وإضعاف مواقع منافسيها وأعدائها. ولأن الصحافة تعكس الأوضاع والمصالح القائمة في المجتمع فإن الساحات تتسع بصورة أكبر أمام صراع الآراء في السياسات والبرامج الداخلية .. بينما تضيق بصورة ملحوظة فيما يتصل بالسياسة الخارجية ويبرز هذا بصورة أكبر في دولة كالولايات المتحدة وينطبق بدرجات أقل على الدول الأوروبية الغربية وإن كان واضحا بما فيه الكفاية، خصوصا في القضايا التي تمثل نوعا من (الاجماع القومي ) كما يقال في بلادنا العربية .. كالموقف من الشيوعية في حينه و(الدول المارقة )، وتوسيع حلف الاطلنطي باتجاه الشرق .. وإدانة ما يطلقون عليه (الأصولية الإسلامية ) التي يربطون عادة بينها وبين الإرهاب !! . الخ في مثل هذه القضايا تجد الصحافة الغربية متحيزة عادة لمواقف دولها بغض النظر عما تمليه اعتبارات المنطق أو الحقائق الموضوعية .. فالصحافة الأمريكية مثلا تنحاز إلى موقف بلادهم في مفاوضات (الجات ) بينما تستميت الصحف الأوروبية في الدفاع عن موقف بلادها، بينما يتخذ الجميع مثلا في الدفاع عن توسيع حلف الأطلنطي باتجاه الشرق. ويتخذ التميز شكل إخفاء حقائق أو التعتيم عليها، وتركيز الضوء على حقائق أخرى وبالنسبة لروسيا على سبيل المثال فحينما قام يلتسن بضرب البرلمان المنتخب بمدافع الدبابات ( أكتوبر 1993) كانت النغمة السائدة في الاعلام الغربي كله هى أن يلتسن يدافع عن الديمقراطية ضد أعدائها اليساريين!! مع إبراز تصريحاته وتجاهل مواقف خصومه .. الخ. وفي الأسابيع الأخيرة حينما تمت إزاحة إمبراطور الإعلام والمال الروسي الإسرائيلي جوسينسكي عن إدارة محطة (N.T.V) التليفزيونية ومؤسسة (ميديا موست ) والحصة المسيطرة فيهما، وفاء لدين ضخم (نحو 250 مليون دولار) لصالح شركة ( غازبروم) قامت الدنيا ولم تقعد في الإعلام الغربي دفاعا عن (حرية الصحافة) في روسيا !! ودون الإشارة بالطبع إلى أن الملياردير الهارب من العدالة في بلاده كان يتخذ من إمبراطوريته الإعلامية بوقا للدعاية الفجة لإسرائيل والصهيونية، وضد العرب والمسلمين، بل وضد الروس أنفسهم !! منذ وقت مبكر من تاريخها أولت الحركة الصهيونية إهتماما كبيرا للتغلغل في الاعلام الغربي، والسيطرة على مواقع مؤثرة فيه، لا تكف عن العمل على تعزيزها وتوسيعها . ولذلك فإن الإعلام الغربي إذا كان ينحاز عموما إلى مواقف الدول التي ينتمي إليها.. فإن انحيازه إلى إسرائيل يكاد يكون سمة مميزة ودائمة له. وتبرز هذه السمة بوضوح أكبر في الولايات المتحدة حيث يحتل رأس المال اليهودي مواقع شديدة القوة في الإعلام وحيث يحتل التحالف العضوي مع الدولة الصهيونية أولوية بارزة في السياسة الخارجية الأمريكية وحيث يمارس اللوبي الصهيوني تأثير قويا على صياغة السياسة المذكورة تجاه الشرق الأوسط. وإذا كانت أقوى مؤسستين صحفيتين في الولايات المتحدة (النيويورك تايمز ) و(الواشنطن بوست ) مملوكتين لرأس المال اليهودي، فإن انحيازهما الصارخ لإسرائيل لا يبدو أمرا مدهشا والمؤسف أنهما تمارسان تأثيرا سلبيا واسع النطاق، في هذا الإتجاه، ليس فقط على النخبة الأمريكية في العاصمتين المالية والسياسية للولايات المتحدة، بل وأيضاعلى الصحف ووسائل الاعلام الأخرى في طول البلاد وعرضها. ويصدق هذا بصورة أخص على (النيويورك تايمز ) الجريدة الأوسع نفوذا في أمريكا. وكبار معلقيها السياسيين في السنوات الأخيرة من أمثال جوزيف رونسنتال، وويليام سافاير، وتوماسي فريدمان . والأخير هو أكثرهم شهرة وتأثيرا . ولا تقف (النيويورك ) تايمز عند حد الانحياز الشامل لإسرائيل، بل تمضي على خطى الصحافة الإسرائيلية، إلى حد مطالبة السلطات المصرية بوضع حد لما تعتبره الجريدة (عداء للسامية ) منتشرا في الصحافة المصرية!! و(العداء للسامية ) في عرف الصحف الإسرائيلية و(النيويورك تايمز ) وما شابهها من صحف هو انتقاد السياسة الإجرامية التي تنتهجها إسرائيل، أو الصهيونية كحركة أو أيديولوجية أ و التشكيك بأية صورة من الصور في حدوث (الهولوكوست ) بنفس الأبعاد والأرقام التي تروج لها الحركة الصهيونية ، وبغض النظر عن مصداقيتها أو إمكانية إثباتها . هنا تتراجع شعارات (الديمقراطية ) و(حرية التعبير ) و(حرية الصحافة) أمام ما يعتبره الصهاينة ومؤيدوهم في الاعلام الغربي من (المقدسات) وتبرز الدعوة إلى معاقبة الصحفيين ووضع حد (لجريمة معاداة السامية ) ويواجه الاعلام الأمريكي بقيادة (النيويورك تايمز)، الرئيس مبارك بهذا المطلب عند كل زيارة يقوم بها إلى الولايات المتحدة وفضلا عما في ذلك من تناقض صارخ مع أبسط قواعد الديمقراطية وحرية التعبير، وما فيه من تدخل سافر في شئون دولية ذات سيادة، فإنه يعبر عن طريقه الكيل بمكيالين) الأمريكية المتغطرسة، حيث أن نفس الاعلام الصهيوني والغربي يعطي نفسه حق التحدث بصورة تطفح بالكراهية والتشويه للعرب والمسلمين تحت دعوى (الديمقراطية ) و(حرية التعبير )!! ـ كاتب مصري