لايملك الصحافي العربي عندما يقارن أحواله بزميله الذي يعمل في صحف تصدر في بقاع أخرى في العالم غير النامي، الا ان يصاب بحسرة بالغة، وهو يرى الفارق الشاسع الذي يفصله عن زميله، والذي يتيح لذلك الآخر فرصة الابداع فيما يظل الصحافي العربي والشرق أوسطي يناضل من نيل ابسط الحقوق، في الذي لايتمكن فيه من الحصول عما يساعده على تجويد عمله. وبعيداً عن تناول الأوضاع المعيشية الجيدة التي يمكن للصحافي العامل بعيدا عن بقعتنا الشرق أوسطية نيلها رغم أهمية ذلك - فان الحماية التي يتمتع بها هؤلاء الذين ينتمون الى مهنة البحث عن المتاعب أثناء تغطية الأزمات والحروب، لايمكن بحال من الاحوال مقارنتها مع الحال الذي يكون عليه الوضع بالنسبة للصحافي العربي، حيث لاحماية ولاضمان له ولا لأسرته. إن الأمر في حالة الصحافي العربي لايعدو كونه مجازفة، وبحثا دؤوبا عن سبق صحافي يسعى اليه باستماتة وبمجهود شخصي بحت، دون اعانة او تنسيق في أغلب الأحوال، ودون ان يكون عضوا في فريق جماعي مثل ذلك الذي ترسله معظم الصحف الكبرى ووكالات الانباء الى مواقع الحدث للمتابعة والرصد. وفي العادة فان على الصحافي العربي ان يقوم بالسباحة في ذلك البحر شديد الصخب، وعليه ان يلتقط الخبر من فم التنين، وان يقوم بارساله بامكانيات بدائية في بعض الاحيان الى صحيفته فورا في الوقت الذي يرى بأم عينيه في نفس الأماكن التي تصل اليها فرق كاملة مدججة بأحدث الوسائل المساعدة، تهبط الى موقع الحدث، وتقوم بتغطيتها في اللحظة التي تكون فيها الاحداث ما زالت ساخنة. وبقدر مايكون التميز في التدريب العالي للعناصر الصحافية وتوفير ما ييسر عملها في أكثر الأماكن نأيا، وأشدها سخونة وخطورة أيضا، فان عدم الاهتمام الذي يلقاه معظم العاملين في تلك المهنة في الجانب العربي والشرق أوسطي، يدفع المرء الى التساؤل: هل في دولنا تسعى الحكومات وكذلك الأشخاص مالكي الصحف الى صحافة متميزة، أم تكرار لصحف ضعيفة ومتشابهة؟ وكيف يرى القائمون على تلك المهنة الصحافية امكانية احداث قفزة نوعية في الصحافة، بينما لاتقوم تلك الجهات من جانبها ببذل أي جهد لأجل توفير حياة كريمة للصحافي وتوفير حماية له ضد أخطار مزاولة تلك المهنة خاصة في الأماكن شديدة السخونة التي ما تكاد واحدة منها تنطفيء في ارجاء العالم حتى تشتعل أخرى؟ لكن الأمر الآخر الأكثر اثارة للاحباط، يكمن في ذلك الغطاء الذي بدأ يتقلص في جانب الحريات الصحافية في منطقة الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي يمكن فيه للصحافي الغربي التجول بحرية تامة، لاقتناص خبره الصحافي المميز وتحقيق السبق له ولصحيفته، فان الهامش المتاح عربيا وشرق أوسطيا بدأ يضيق بشدة، وغدا تناول العديد من القضايا والأحداث أمرا عسيرا، وهذا بالطبع عدا الثالوث المحرم تناوله في الصحافة وكذلك في السينما وفي معظم مجالات الابداع لدينا. وفي هذا الاطار تبرز القوانين الخاصة بالمطبوعات والصحافة، وهي في غالبيتها لدى منطقتنا قوانين مقيدة للحريات، تضطر نقابات الصحافيين لخوض المعارك المتتالية بسببها، حتى تتمكن من الحصول فيها على بعض المكاسب. ففي الكويت مثلا التي تتمتع بهامش كبير من الحريات، فان اعتراضات كثيرة تثور بين الحين والأخر على قانون المطبوعات والنشر، الذي يعتبره الكثيرون غير متوافق مع روح مواد دستور البلاد الخاصة بمباديء الحرية، خاصة وان هذا القانون قد سبق أيضا استقلال الكويت وكتابة دستوره. ويرى أعضاء في البرلمان يتصدون للمطالبة بتعديل بعض المواد فيه ان هناك أربعة عيوب به، أولها سلطة التعطيل الاداري المخولة فيه للدولة وكذلك التعطيل الدائم. وتأتي عقوبة السجن كثاني هذه العيوب فالمفترض ان عقوبة السجن تتم بسبب جريمة، في الوقت الذي لايمكن اعتبار ان ابداء الرأي جريمة أو حتى يحقق ركنا من أركانها، الا اذا كان الرأي تحريضا لافعال غير ايجابية. وثالث العيوب في هذا القانون يكمن في «الاحتكار»، فهذا الاحتكار للصحافة يعد على حد تعبير النائب في البرلمان الكويتي الدكتور حسن جوهر في احد تصريحاته الأخيرة «قتلا للارادة الشعبية وتقييدا لحرية المجتمع وبالتالي ايقاف اصدار تراخيص الصحف اليومية أمر لا يتناسب مع مبدأ الديمقراطية والحرية». ووفقاً لأعضاء في البرلمان فإن القانون الحالي يجعل الصحافة تحت رحمة وزارة الاعلام، في الوقت الذي يكون من بين أهم عيوب هذا القانون الغاء الامتياز، فالحكومة هي السلطة المعنية بسحب تراخيص الصحف. ولذلك فقد تقدم رئيس تحرير صحيفة القبس الكويتية السابق ورئيس لجنة الشئون الخارجية في البرلمان الكويتي محمد جاسم الصقر باقتراح لتعديل قانون المطبوعات، يسمح فيه لأي مواطن كويتي حرية اصدار الصحف، في الوقت الذي يلغي فيه عقوبة السجن، ويكتفي بتغليظ العقوبات المادية، على ان يكون صاحب القرار في ذلك القضاء وليس وزارة الاعلام. في الوقت نفسه، فان الاقتراح الجديد يلغي حق مجلس الوزراء أو وزارة الاعلام في تعطيل الصحيفة أو سحب امتيازها، تاركا هذه الخطوة فقط للقضاء الذي يكون له الحق في تقدير مسألة الحرية. وهذا الاقتراح الذي يجد حماسا من بعض أعضاء مجلس الأمة الكويتي يتوقع ان يتم طرحه خلال جلسة تقدم أعضاء كتلة العمل الشعبي البرلمانية التي يرأسها النائب الحالي في مجلس الأمة ورئيس البرلمان السابق أحمد السعدون بطلب لعقدها، وأطلقوا عليها مسمى «جلسة الحريات العامة»، مطالبين بأن يتم خلالها بحث اقتراح تعديل قانون المطبوعات والنشر، بالاضافة الى موضوع التجمعات العامة. غير انه لا أحد يتوقع ان يستطيع البرلمان الذي سينهي أعماله نهاية شهر يونيو المقبل، حسم الأمر بهذا الشأن، مما يعني ان الأمر سوف يتم ترحيله الى دور الانعقاد المقبل الذي سيكون في نهاية شهر اكتوبر المقبل. غير ان الحوار الذي يجري حاليا في الكويت حول قانون المطبوعات والنشر، يقع في الجانب الصحي من هذا الأمر، وقد سبق للصحافيين ونقاباتهم بطول العالم العربي وعرضه، ان خاضوا معارك شبيهة، وربما أشد عنفا، ففي مصر مثلا، ما زالت أصداء المواجهة التي خاضتها نقابة الصحافيين ضد القانون 92 لسنة 1995 تتردد حتى الان، فهذا القانون وصف بأنه كان محاولة لتدجين الصحافيين وخنق الصحافة، وقد استطاع الصحافيون المصريون الخروج من تلك المواجهة وقد حققوا انتصارا مدويا، قضى على هذا القانون، الأمر الذي اعتبر بمثابة انجاز تاريخي للنقابة وصحافييها. وقد شهدت الأردن أيضا قبل سنوات مواجهة مماثلة، صبت في اطار الدفاع عن الحريات الصحافية، ورفض أي قيود قد يفرضها هذا الطرف أو ذاك. غير ان أشد التجارب صعوبة وقسوة التي شهدها الوطن العربي، كانت تلك التي حدثت في الجزائر، فصحافيو هذا البلد العربي تكبدوا خسائر فادحة في الأرواح، وسقط خلال السنوات العشر الماضية وهي السنوات التي يطلق عليها الجزائريون لقب «العشرية السوداء» عشرات العاملين في مهنة الصحافة، الى جانب الكثير من الكتاب والمثقفين، وللدرجة التي تم فيها قيام الجيش بوضع عدد كبير من الصحافيين في أحد الفنادق وتشديد الحراسة الأمنية عليهم، وهذا الفندق واسمه فندق «المنارة» لايزال قائما حتى الآن في أحد ضواحي العاصمة الجزائرية، ولايزال بعض هؤلاء الصحافيين يقيمون فيه. مسلسل القتل الجزائري كان آخر ضحاياه هذا الاسبوع مراسل صحيفة يومية جزائرية اسمها «لانوفال»، وهي صحيفة مستقلة وتصدر باللغة الفرنسية، وقد سقط في منطقة القبائل خلال تظاهرات احتجاجية، لينضم بذلك الى طابور طويل معظمه قتل على ايدي العناصر المسلحة التي تقاتل القوات الحكومية، والتي راحت معها دولة مثل الجزائر هي في مساحة قارة، تغرق في بحر لاينتهي من الدماء. فأي أوضاع هي تلك التي يعانيها الصحافي العربي، ويسعى رغم قسوتها للابداع والتميز، وأي مساحة للحرية هي تلك التي تضيق مع طلوع الشمس الصباحية، ويتم خلالها تكميم وقمع الكلمة، هل نعود اذن لنقارن أوضاع صحافيي الوطن العربي، ونقوم بحصر من كان منهم في بلاد المهاجر على كثرتهم، ثم نعود لنقارن ذلك كله، بزملاء ليسوا عربا ويعملون في نفس المجال، أليس السكوت أفضل من جلب الأحزان؟؟!!! ـ كاتب وصحافي مصري