من المؤكد أن «الملف» لا يرغب في إثارة موضوع حرية الصحافة على المستوى القُطري والإعلام العربي الخارجي وما يتصل به يفرض ترديد متاعب المهنة أو إثارة الهموم النائمة. فالإعلام العربي الداخلي كان دائماً مرتبطاً بالتجرية الديمقراطية الخاصة بكل قُطر وذا علاقة وثيقة بالسلطة. وهو أمر يفهم منه دائماً أنه يمكن أن يُصبح لسان المعارضة ضد الحاكم. وهذا الإعلام يخضع لمقتضيات لا تتيسر فيها الفرصة لتفسير بعض المظاهر المتعلقة بمعايير الحرية وتوفر الحد الأدنى من الموضوعية. فهناك هامش للتحرك في بعض الدول العربية، وهناك بديل لهذا الهامش باستيراد الصحف العربية والأجنبية. وإني أرى أنه لا طائل من وراء البحث في حرية الصحافة والإعلام الداخلي القُطري فيما يتعلق بأمور المصالح الاقتصادية والسياسية للحكام أو لأصحاب الصحف أو بالمصالح الخارجية للصحف. وبصورة عامة إن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في الأقطار العربية هي ملك للدولة أو تحت سيطرتها، بشكل أو بآخر، وترتبط هذه الوسائل الآن بسياسة الإعلانات التجارية التي أصبحت الموجه الأول لسياسات تلك الوسائل. هناك تراجع نسبي في سيطرة الانتماءات القُطرية والعقائدية على كثير من الصحافيين العرب نظراً لأن الكثيرين من العاملين في الصحافة قد تخرجوا من كليات الصحافة منذ عقدين بعد أن كان الصحافيون يعملون في هذه المهنة غير متفرغين لمقدرتهم وحبهم لهذه المهنة. وهؤلاء الصحافيون الجدد يهتمون بالقضايا الأساسية المتعلقة بالحريات وتنظيم الأمور المهنية مثل حماية الصحافي في مجال قضايا الرأي والنشر والحقوق. والعجالة في هذا الموضوع ينبغي ألا تأخذنا إلى متاهات. فالقضية واسعة وذات نواح متشعبة تمس مختلف قطاعات المجتمع من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأنظمة الحكم. على صعيد الإعلام العربي الخارجي المسألة شائكة جداً. وهي من صلب أعمال اللجنة الدائمة للإعلام في الجامعة العربية ومجلس وزراء الإعلام العرب حيث يحمل كل منهم مفهومه للعمل العربي المشترك ويتمسك به. كان الجميع في هذه الاجتماعات التي تصاغ قراراتها في النهاية تحت عناوين مشرقة ثم تأخذ طريقها إلى الأدراج لاختلاف الآراء العربية، التي هزها التشرذم وتنافر وتناقض الاجتهادات في القضية المركزية ألا وهي القضية الفلسطينية. وإن كاتب هذه السطور قد عانى بشدة من قضية الإعلام الخارجي العربي، عندما كان سفيراً للجامعة العربية في شرقي أفريقيا في نيروبي. فقد كنت محصوراً بين تفاهة الاعتمادات المالية وخلو الساحة الأفريقية من الإعلام ذي الأهداف العربية المشتركة وحتى القُطرية، مع أن أبجدية مكافحة الصهيونية كانت وما زالت أمراً متفقاً عليه دائماً ولقد كانت الكويت والعراق تهبّان لنجدة مكتب الجامعة حين تعوزه الاعتمادات، لأن القدرة على منافسة الإعلام الصهيوني والأمريكي تتطلب التواجد في الساحة السياسية. لكن مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو هدمتا القيم العربية المشتركة وصار هناك أكثر من إعلام مناهض للمجتمع المشترك، بينما تراجع إعلام عربي آخر عن الخوض في المواضيع الإعلامية. لهذا السبب كان من اللافت خلو مؤتمر القمة العربية الأخيرة في القاهرة (أكتوبر عام 2000) من أية توجهات إعلامية. ومن اللافت أن اتحاد الصحافيين العرب قد قدّم للدول العربية منظوراً مشتركاً للعمل العربي في الحقل الإعلامي وأرسل مشروعاً بذلك إلى الأقطار العربية منذ مؤتمره العام في عمّان في نوفمبر عام 2000، ولم يرد عليه حتى الآن أي قطر عربي. إن التغطية الإعلامية المباشرة بالخبر والتحليل، والصورة والبرامج الحوارية للانتفاضة كان لها دورها في تعبئة الشارع العربي وتوحيده في دعم الانتفاضة ومساندتها، والضغط على الحكومات للتحرك واتخاذ المواقف المعبّرة عن مواقف الشعوب. ولقد كشفت تغطية الانتفاضة عن كثير من المطبّات والعيوب في مسيرة الإعلام العربي. كما أن الإعلام ساهم مساهمة كبيرة في تسليط الأضواء قبل القمة العربية في القاهرة وبعدها بالبحث عن المطلوب من هذه القمة. للمرة الأولى، ومن خلال القنوات الفضائية تسربت مشاريع القرارات وتمت مناقشتها لأنها كانت الأقرب إلى بداية الانتفاضة مما زوّد الإعلام العربي بخبرات مفيدة لمختلف الجهات المعنيّة. قام الإعلام الغربي وبالذات الأمريكي، وهو أكثر الأجهزة الإعلامية تأثيراً على المتلقّي في كل مكان، بحملة تشويه للانتفاضة وصوّرها على أنها «أعمال عنف» وجب على الإسرائيليين التصدي لها للدفاع عن أنفسهم. ويكفي أن صورة الشهيد محمد الدرة لم تعرض إلا مرات محدودة في أيامها الأولى، بينما كانت الصدارة لصورة الجنديين الإسرائيليين اللذين قتلا في منطقة السلطة في تلك الفترة. وتشويه قضايانا، والإساءة إلى مكانتنا الحضارية وعقائدنا وقيمنا ليست جديدة، كانت قبل الانتفاضة وتستمر بعدها، لذلك وجب التفكير في معالجة غيابنا عن الإعلام العالمي وضرورة العمل للتأثير فيه بما يخدم مصالحنا، ويعكس عدالة قضايانا. وفي إمكاننا أن نفعل الكثير إذا توافرت الإرادة السياسية المطلوبة لذلك. وفي العصر الحديث يرى العارفون بالجرائم الصهيونية أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة وغير المعروفة، في العالم الغربي والعربي على السواء. فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامرتهم وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الأديان وبصورة خاصة الإسلام. وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها والإباحية بكل تدميراتها... الخ. والسبب الرئيسي الكامن خلف هيمنة هذا النموذج الاختزالي التآمري على الوعي العربي، في اعتقاد د. عبدالوهاب المسيري، هو تبني الكثير من الدراسات العربية عن وعي أو غير وعي لمعظم أو كل المقولات والمسلّمات الغربية التي تتعامل الحضارة الغربية من خلالها مع العقيدة اليهودية ومع أعضاء الجماعات اليهودية. وهي مسلّمات في معظمها ذات أصل إنجيلي مثل «التاريخ اليهودي والشعب اليهودي»، وبعد أن كانوا يهيمون في الأرض والصحارى ويصعدون إلى كنعان ويهبطون إلى مصر، أصبحوا الآن يهيمون في جميع أنحاء العالم وبخاصة العالم الغربي متطلعين طيلة الوقت إلى الصعود إلى فلسطين. ومن ثم يخلع الوجدان الغربي على اليهود التفرد باسم «الشعب المختار» مرة، وينزع عنهم القداسة باعتبارهم قتلة الرب والشعب المنبوذ الذليل مرة أخرى، وهذه البنية تشكل نموذجاً محدداً «صهيونياً» لأنها تراهم إما ملائكة رحيمة أو شياطين رحيمة ولكنهم في كلتا الحالتين مركز الكون الذي لا يمكن لتاريخ البشر أن يتحرك بدونهم خطوة واحدة. هنا نقول لقد آن للإعلام العربي أن يتوجه إلى هذه المفاهيم الصهيونية بالفضح والتحليل والابطال واستخدام الأسانيد. والمناهج العربية مسئولة عن إعداد أنواع من الصحافيين في كل وسائل الإعلام للتصدي لهذا الموضوع الحسّاس. الإسرائيليون طالبوا في قمة شرم الشيخ الأخيرة في العام الماضي بأمور كثيرة ربما كان أكثرها لفتاً للنظر «ضرورة وقف الحملات الإعلامية التي يشنها الفلسطينيون ضد إسرائيل». إن شكوى إسرائيل هنا دلالة على المقدرة الإعلامية للعرب عندما تُستغل في الوقت والمكان المناسبين والفضل في ذلك لتحول الإعلام نحو الفضائيات. إن في هذه الأمثلة ما يشار إلى إدراك إسرائيل لدور الإعلام الذي تضخم إلى درجة لم تخطر في بال أي من منظري الإعلام الكبار في العصور الحديثة، وإلى مدى حساسية إسرائيل تجاه الإعلام، ومدى تأثيره على الحدث الذي يجري. فلم يعد دور الإعلام يقتصر على الإبلاغ عن حدث جرى أو يجري في مكان في العالم، بل أصبح جزءاً من هذا الحدث. تعد نظرية التأثير الإعلامي والتغيير بواسطته، من أكثر النظريات الإعلامية حيوية وأهمية، لأن نتائجها تكون مباشرة، إذا تم تطبيقها في دراسة الظواهر الإعلامية والاجتماعية المختلفة. وباندلاع شرارة الانتفاضة في الأرض المحتلة، فإن هذه النظرية تعرض نفسها بغية تطبيقها على جمهور الفضائيات لتؤكد أهمية الإعلام في خلق التغيير الذي ينبغي أن تحمله وسائل الإعلام العربي إلى المشاهدين في مختلف أنحاء العالم وتأثيره القوي على المشاهدين بمختلف فئاتهم. فالتغير في الإعلام يقودنا إلى تغير كبير في المؤثرات وإطلاق الرسائل الإعلامية من خلاله من شأنه أن يكرّس جهود الجمهور لصالح قضية فلسطين، ولحسن حظ الانتفاضة، انها جاءت والفضاء مسكون بفضائيات هائلة العدد يجتمع الناس حولها ويتعلّقون بها. والتكنولوجيا المتمثلة في الانترنت تعتبر نفسها فرداً من أفراد الأسرة الواحدة، لذا كان الدعم الشعبي أكبر وأقوى مما كان عليه في انتفاضة الثمانينيات وهنا تلعب ثورة المعلومات والاتصالات دورها الفعّال في تنظيم القدرة الإعلامية العربية. موضوع حرية الصحافة بكل أنواعها ما زال يتفاعل ويتعرض للمد والجزر والدراسات حولها تترى في الندوات والحلقات والمنتديات، وإثراء حرية الصحافة كان موضوع بحث في ندوة عقدت في قطر في مطلع شهر فبراير الماضي، وستكون الصحافة والإعلام العربي وهمومه محطة في منتدى الأمانة العامة لجائزة الصحافة التي انعقدت خلال الأيام الماضية في دبي، مما يجعلنا نعتقد أن إنضاج الحرية المسئولة في الميدان الصحافي ما زال مستمراً. إن تطور الإعلام العربي وتعدد وسائله واستحالة السيطرة على انسياب المعلومات يكاد يجعل منه كما هو في العالم المتطور سلطة رابعة. ما يوجب علينا أن نعيد النظر في أساليب تعاملنا مع الإعلام، مدركين أهميته وتأثيره في عالم انتهت فيه احتكار المعلومة وامكانيات السيطرة عليها. إن انتشار المعرفة والتعليم والوعي مكّن الإنسان العربي من أن يجد الوسيلة التي تشبع تطلعاته. لذلك حان الوقت لأن نتصرف من منطلق احترامنا لهذا المواطن ولعقله ولمشاعره. علينا أن نعيد النظر في وسائل إعلامنا وفي أساليبها، وذلك بالاهتمام بالنوع والكيف. فهناك الدول العربية التي تملك عشرات المحطات، ولكنها غير قادرة على جذب المشاهد أو كسب احترامه، بينما استطاعت محطة واحدة أن تجذب المشاهد وتؤثر فيه. ويقول سعد عبدالعزيز الكواري: لطالما سمعنا أنه ليس هناك رأي عام واحد بل إن هذا أمر لا يمكن أن يكون، وأن للحاكم العربي مطلق الحرية في قراراته. ولكن يبدو أن هذا التصوير قد بدأ يتغير، وفي إمكان المسئول العربي أن يعتمد على الرأي العام في اتخاذ المواقف النابعة من مصالح شعبه وأمته. كما أن الإعلام إذا توفرت له الحرية يمكن أن يكون مرآة للرأي العام، وسلطة رابعة تعمل إلى جانب السلطات الثلاث الأخرى من أجل الحاكم والمحكوم. ـ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة