هل ان مقدونيا منطقة استراتيجية؟ للاجابة على هذا السؤال ينبغي الانعطاف إلى الخرائط التي تظهر مشروع أوروبا وامريكا والتي نشرتها مصادر كثيرة وتتضمن كل شبكات انابيب الغاز والنفط التي تربط اوروبا عن طريق البلقان بمصادر النفط والغاز الكبيرة في القوقاز ودول الاتحاد السوفييتي السابق. احد هذه الخطوط يمس الولايات المتحدة الامريكية والذي نقاط مروره الاساسية «بلغاريا، مقدونيا، البانيا، ادرياتيك» وهذا الخط يعطي للشركات الامريكية متعددة الجنسية السيطرة على خطوط النفط والغاز الدولية المارة بهذا الطريق. هذه المشاريع كما يظهر تنافسية ولهذا كانت القوى العظمى تحاول خلال السنوات العشر الماضية السيطرة على يوغسلافيا ولهذا ايضا كانت الضغوط قبل حلول 1992 لتكون مقدونيا بعيدة جدا عن مناطق الصراع، وهو السبب الرئيسي الذي جعل الولايات المتحدة تختار ارسال جزء من قواتها لهذه المنطقة دون سواها. ورغم ان هناك من يلقي بظلال من الشك حول واشنطن ومشاريعها المظلمة لكن «الجارديان» البريطانية اكدت ان المشروع المدعو «خط المرور» عبر البلقان لم يعرفه الا القليلون ولم تذكره الصحف الا نادرا، لقد بقي طي الكتمان الا ما ندر»، وتضيف الصحيفة البريطانية مذكرة: يبدأ الخط من ميناء «بورغاز» في البحر الاسود ثم إلى «فلور» في الادرياتيك عابرا بلغاريا، مقدونيا، والبانيا، وسيكون الطريق الرئيسي للغرب لينقل عبره النفط والغاز المستخرجان من وسط آسيا، وسيحمل 750 الف برميل يوميا كبداية. اهمية المشروع للولايات المتحدة، اشارت اليه صحيفة امريكية تصدر عن وكالة للتجارة والتنمية قائلة: انه سيزود المصافي الامريكية بمصادر ثابتة للنفط الخام ويزود الشركات الامريكية بالمفتاح لدورها التنموي في الممر الحيوي الشرقي ـ الغربي، كما سيطور الطموح الشخصي لحكومة الولايات المتحدة في المنطقة. اكثر من هذا ما اوضحه بيل ريتشاردسون ممثل الولايات المتحدة السابق عام 1997 قبل بدء الحرب اذ قال: ان هذه الحرب تدور حول امن الطاقة الامريكية، وعندما تتحدث الولايات المتحدة عن امن الطاقة فيجب ان يعرف المرء ماذا يعني ذلك، انه يعني الحفاظ على الهيمنة على العالم وعلى عوائد نفطهم. ويكمل ريتشاردسون قائلا: نحن نريد هذه الدول الحديثة ان تتكل على مصالح الغرب التجارية والسياسية بدلا من الذهاب في طريق آخر، لقد صنعنا استثمارات سياسية جوهرية في قزوين وهي مهمة جدا لنا بحيث ان كلا من خريطة الانبوب النفطي والخريطة السياسية اخرجت نتيجة صحيحة ومريحة. الصحف الغربية علقت حينها بنشر تفاصيل اجتماع عقده الرئيس الالباني في ديسمبر 9/98 قبل الحرب حول هذا الموضوع في صوفيا، وطبقا للمراقبين والمحللين الغربيين فان اي حل سيبقى غير متكامل داخل الحدود الصربية ولن يجلب سلاما مقبولا، وبشكل اكثر ايضاحا كتب محلل «الجارديان» البريطانية يقول: اذا كنت تريد اتفاقا مع الالبان لانبوب النقل البلقاني فعليك ان تأخذ طريق كوسوفو من الصرب. جيش التحرير.. والمفاجأة كيف استطاعت الولايات المتحدة ان تحقق ممرا لاهدافها؟ كان هذا السؤال الذي يطرحه المحللون ولا يجدون عليه جوابا سوى «ان الولايات المتحدة قد عقدت ميثاقا مع الشيطان». فقد شهد الكثير من الدبلوماسيين الامريكيين في تقاريرهم: ان جيش تحرير كوسوفو الانفصالي لم يقتلوا فقط الشرطة الصربية أو المدنيين ولكن ايضا الالبان المتزوجين من صربيين، أو ببساطة من قبلوا العيش في دولة اليوغسلاف، وقد ذكر المبعوث الامريكي نفسه روبرت جيلبارد ثلاث مرات امام الصحافة الدولية في بداية 1998 قائلا: اقول لكم ان جيش تحرير كوسوفو هم ارهابيون. وبعد ثلاثة اشهر فقط من هذا التصريح تحول هؤلاء الارهابيين إلى «المقاتلين من اجل الحرية» بمعجزة امريكية، ولاحقا اصبح الناتو برمته قوتهم الجوية، واليوم مرة اخرى تبدي امريكا وجها متفاجئا من العنف المتطرف الذي هاجم مقدونيا متجاوزة العجالة الغربية في يونيو 1998 التي توزع بها هذا الجيش بين الدول الاوروبية المتعاطفة مع خريطة البانيا العظمى، وهذا الجيش هو نفسه الذي انشقت منه نواة جيش التحرير القومي التي اعتصمت في الجبال قرب تيتوفو. في كتاب «المونوبولي» الذي يصدر سنويا اعاد الامريكيون في الصفحة 69 انتاج هذه الخريطة مع تعليق تحتها يقول: «بالاضافة إلى كوسوفو التي هي جزء من صربيا، فان البانيا العظمى هذه ستنقل الارهاب الاكبر إلى مقدونيا، مونتينجرو، واليونان، وسيتعذر تجنب هذه الحروب اذا ما سمح لجماعة تحرير كوسوفو ادراك هذه الخطة»، والبانيا العظمى هنا لا تضم البانيا التوسعية ولكنها تشمل في المضمون التطهير العرقي. ونجد ان الناتو والامريكيين وفروا حماية كافية لطرد 350 الفا من كوسوفو من اعراق مختلفة، وغدت كوسوفو وفق الخريطة الغربية «نظيفة» فهل هي نظيفة حقاً؟ المفاجأة وخطط الالبان المفاجأة ان كوسوفو ليست نظيفة تماما، فالغرب يعرف ان للالبان مرحلتين في خطتهم الرئيسية وذلك ما اعلن عنه مسئول يوغسلافي من اصل الباني التقته «النيويورك تايمز». ـ المرحلة الاولى: تأسيس ما يسمى جمهورية ذات عرق الباني نظيف. ـ المرحلة الثانية: الاندماج مع البانيا لتكوين البانيا العظمى. ورغم التمرد اليوغسلافي ضد الالبان منذ عام 1981 الا ان القوميين الالبان اسسوا فعلا تعاونا وتقاربا بينهم وبين اتحادات في مقدونيا، صربيا ومونتنجرو، ولم يمنع ذلك جوزيف ليبرمان من التصريح في ابريل عام 1999: ان الولايات المتحدة الامريكية وجيش تحرير كوسوفو يمثلان ويؤيدان نفس القيم والمباديء الانسانية لذا فان القتال من اجل جيش التحرير كأنه القتال من اجل حقوق الانسان والقيم الامريكية، وبكلمات اخرى فان الولايات المتحدة وجيش تحرير كوسوفو يمكن ان يشاهدا معا في كل مكان علما إلى علم وجنبا إلى جنب. هذه العلاقة الوشيجة تفضح حقائق شوهها الاعلام الغربي من ان الصرب قاموا بمجازر كبيرة وهناك خلط شديد في الاوراق، فما قاله الناتو يعتبر تبريرا لجرائم القصف في كوسوفو «انها حرب انسانية» لكن الواقع والحقيقة والوثائق تبرز وفق مصادر كثيرة» انها كانت من اجل النفط ولتكسر الاقتصاد الذي قاوم الشركات الغربية متعددة الجنسية وصندوق النقد الدولي فقد كانت هذه الشركات لا تستطيع دخول كوسوفو لان اقتصاد الاخيرة مرهون بالدولة. ومما قاله الناتو ايضا انهم حاولوا ايجاد حلول تفاوضية وهو ايضا غير صحيح فالجميع يعرف ان «رامبويية» كانت ملهاة مسرحية لتسويغ الحرب التي كان القرار بشأنها متخذ مسبقا، اما ما قيل عن انها كانت حربا نظيفة فقد هجرت هذه الحرب ملايين وقتلت مئات الآلاف ودمرت عددا هائلا من المصانع والبنية التحتية مستخدمة اسلحة محرمة، لقد قيل ان التدخل مهم لايقاف مجازر الصرب ولانشاء كوسوفو متعددة الاعراق لكن الالمان احتجوا فالخطة المسماة بحدوة الحصان والتي قدمها وزير الماني سببت كارثتين: هجرة ضخمة للالبان، واخرى للصرب. لقد انتج الناتو «حضارة العنف» وهو ما استخدمه أو يريد استخدامه مجددا من اجل ايجاد سبب جديد لتدخل عسكري جديد يهدف إلى تطهير الاعراق الحالية في كوسوفو، ويشير المحللون إلى ان ما يذكر حول افعال انتقامية صربية أو البانية، وهي بالتالي ذريعة لتسويغ تحرك جديد هدفه: «دعم جيش التحرير من تأسيس دولة نظيفة عرقية وهو بذلك لن يتمكن من الوصول اليها الا عبر الحقد والعنف». هل تلعب واشنطن لعبة مزدوجة؟ تبدي الولايات المتحدة سخطا تجاه العنف الالباني أو المقدوني أو البلقاني الحالي الذي يقوم به جيش التحرير ولكن هذا الخط تدحضه ظواهر كثيرة: ـ ان الامريكيين وقوات الناتو لم يحركوا اصبعا واحدا عندما تحرك جيش التحرير من كوسوفو لمهاجمة المنطقة الواقعة وسط صربيا، ولا عندما تسرب الالبان إلى تيتوفو والاسوأ من ذلك ان التحرك والتسرب حدث في المنطقة التي تحتلها الولايات المتحدة في كوسوفو وشمال مقدونيا. ـ ان واشنطن والناتو يدعيان بانهما يحاولان ايقاف تدفق السلاح والمقاتلين باتجاه صربيا، وهو ما يبرر ظاهريا وجود نقطة تفتيش متمترسة من قوات كيفور كل 5 كيلومترات وهي بالتالي لم تقبض على متسلل واحد أو تصادر قطعة سلاح واحدة، واكثر من هذا فهذه النقاط تتعامل مع «متعاونين كوسوفيين من اصل الباني»، وهكذا فان الذي لا يبحث عن السلاح لن يجده، ولم يستطع احد من قوات كيفور، إلى هذا ان يجيب اذا كانت القوات رأت المتمردين المقدونيين يدخلون ويخرجون من كوسوفو قبل ان يعبروا الحدود فما الذي منعهم من اعتقال هؤلاء المتمردين، وينعكس السؤال هنا إلى: هل ان الناتو لم يتمكن من اعتقالهم أم لم يرد ذلك؟ في 11 مارس نشرت جريدة «الاوبزرفر» البريطانية عدة لقاءات مع عدد من قواد قوات كيفور الدولية اضافة إلى مسئولين مقدونيين اتهموا على نحو واضح المخابرات المركزية الامريكية بتشجيعها لجيش تحرير كوسوفو لبدء عدوانهم الطبيعي جنوب صربيا من اجل اضعاف الرئيس السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ويتساءل المتحدثون: من يستطيع ان يضمن اليوم ان هذا التشجيع لجيش التحرير قد توقف عند حدود كوسوفو؟ القتال الحالي حول مقدونيا يمكن ان يكون مقدمة لصدامات مهمة فعلى سبيل المثال ان السيطرة على تيتوفو التي تبعد عدة كيلومترات عن حدود كوسوفو تتطلب اولا وقف جيش التحرير الكوسوفي الذي يضرب ضربات خاطفة لتأجيج الالبان. وجيش تحرير كوسوفو خسر الانتخابات في السنة الماضية لان الاغلبية العظمى من البان كوسوفو لا يريدون العيش بشكل دائم في دولة حرب تستطيع فقط ان تعيد ارضها وحقوقها باستعمال العنف، يضاف إلى ذلك حقيقة متناقضة مفادها ان مقدونيا التي تظاهرت دائما بالدفاع عن حقوق الاغلبية الالبانية، كانت وعلى مدى سنين كل حكوماتها تشكل بالتحالف مع الاحزاب الالبانية، لتستولي على السلطة وبالتالي تزيد رقعة مافياتها كمؤشر يحتم الحرب. تكتيك جيش تحرير كوسوفو اذن الذي رسمته واشنطن يهدف لاحداث تصعيد باثارة المقدونيين والجيش اليوغسلافي على امل ان يهاجم الاخير المدنيين الالبان مثلما فعلت القوات الصربية خلال اليوم الاول من قصف الناتو، وهذا سيتيح الوصول إلى هدفين: ـ اولا: تدويل الصراع. ـ ثانيا: لضم اعضاء أو مجندين جددا من الشباب الالباني المتحمس للعولمة. ورغم التطور الذي مس الكثير من الانشطة الصغيرة والكبيرة، الشرعية وغير الشرعية فالألبان في المجتمع المقدوني لديهم بطالة بمعدل 60% تنتظر فرصة مثل التجنيد، وهكذا فلكي يحصل جيش التحرير على هذا التصعيد لابد ان يستخدم مجددا الطريقة التي جربها سابقا. ويصف مراقب فرنسي من منظمة الامن والتعاون الاوروبية (OSCE) احداث كوسوفو 1998 فيقول: في داخل منظمتنا كان الجميع يعرف مع الناتو ان الولايات المتحدة بشكل خاص لم تكن تريد لمهمتنا التهدئة أو تريد للصلح ان ينجح، فالمجازر تم تشجيعها لتسويغ التدخل العسكري. ويضيف: لقد استلمنا رسالة في يوم ما تشير إلى ان المقاتلين الالبان قد تم تدريبهم من قبل خبراء امريكيين على استراتيجية: اقتل الشرطة الصرب لتحفيز وتحريض عمليات الانتقام ضد المجتمع الالباني، وهو نفسه ما حدث في مجازر راكاك يناير 1999 القرية الكوسوفية التي تم تحصينها وحماها جيش التحرير الذي لم يكن بريئا من مجازرها، لقد تمت استشارته وضاع الصدق في القتال بين الجيوش، ولكن تم تكوين قناعة بان الضحايا المدنيين قتلوا ببرودة من قبل الجيش اليوغسلافي. وبمساعدة الـ (CIA) تشكلت قناعة عالمية ان هذه الدعاية الكاذبة في الاعلام الدولي حقيقة وهي التي سمحت بتكييف الرأي العام الغربي لقبول الحرب التي تم اقرارها على المدى الطويل من قبل الولايات المتحدة، والتي لا يمكن تبرئتها من كل حرب من حروب الايام المقبلة، اذ اعتادت الولايات المتحدة ان تسبق حروبها وضرباتها تلك مثل هذه الكذبة الاعلامية مع صور تخلق صدمة للوعي العام العالمي. عماذا تبحث أمريكا؟ تبحث الولايات المتحدة عن خدعة جديدة تشبه خدعة المجازر الكوسوفية، وهو امر لابد منه وقد تمت ملاحظته وتأشيره سياسيا، ويذكر المراقبون انه مؤشر على ان القوة الامريكية العظمى تتهيأ لهجوم جديد. وتعمل الولايات المتحدة على تأهيل جيش التحرير كقوة تطرفية أو متطرفة تقترف الافعال التي تريدها على الاقل ودلائل ذلك ان امريكا رغم وصفها لجيش التحرير الكوسوفي بالارهابيين الا انها استمرت تدعمهم بشكل غير محدود لتسيطر بهم على المنطقة فتأمن ترسيخ قواعدها. وبالطبع لا يظهر الكثير من التكتيك الامريكي الحالي، لكن الذي لا يخفى دفعه لجيش التحرير الكوسوفي أو جيش التحرير القومي لاصطناع توتر جديد لمساعدة قوات الولايات المتحدة لاحتلال المنطقة برمتها. لقد دفعت امريكا منذ اندلاع العنف مجددا قواتها للتمركز في المنطقة التي يمتلكها الصرب، وذلك يذكرنا بما قالته وزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت في محادثات «رامبويية» عندما طلبت من الناتو ان يحصل على ما يسمح له «باحتلال كل يوغسلافيا عسكريا». والولايات المتحدة وحدها هي القادرة على اللعب على اكثر من طرف واحد، فهي تدرب الالبان الكوسوفيين في قاعدة عسكرية بفرجينيا وفق «الديلي تلجراف» البريطانية التي نشرت ذلك في 3 مارس الماضي وكانت احدى اهم المهام الموكلة للمدربين هي: تدريب الجيش المقدوني على افتعال صراع يتجاهل فيه اصوله من اجل البانيا كبرى، فلابد للمحرقة من ضحايا. وهي التي تقود العسكر الدولي للتدخل مجددا مؤذنة باشعال حرب جديدة، الدور الامريكي لا يمكن تجاهله مثلما لا يمكن تجاهل المصالح الامريكية وراء القنبلة المقدونية الموقوتة التي ان تفجرت فجرت ثالث اخطر حروب العالم