سوبتشاك يعقد صفقة العمر وراء الكواليس ، بوتين يقدم استقالته الثانية وسط طوفان الانقلاب فاجأ الانقلاب الذي قامت به المجموعة التي اطلقت على نفسها تسمية «لجنة الدولة للطوارئ» والتي كانت تضم رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات السوفييتي «الكي.جي.بي» وآخرين فلاديمير بوتين الذي كان يمضي عطلة مع اسرته ولم يستطع العودة الى سان بطرسبرج الا في اليوم التالي لقد التحق بسوبتشاك في دار البلدية، حيث كان يتجمهر جمع غفير من البشر، الذين ابدوا استعدادهم للدفاع عن الديمقراطية الوليدة. كان التوتر كبيراً في تلك الساعات العصيبة في سان بطرسبرج كما في العاصمة موسكو حيث كان الجميع يتساءلون عما اذا كان الانقلابيون سيهاجمون معاقل الديمقراطيين وكان هؤلاء ايضاً على درجة عالية من التصميم، ولكن من القلق ايضاً، بسبب عدم توفر وسائل الدفاع لديهم وكان يمكن لأي حدث مهما كان طفيفاً ان ينتهي بحمامات من الدم. في سان بطرسبرج وحيث كان «اناتولي سوبتشاك» قد انتخب قبل شهرين رئيساً للبلدية، تم التوصل بينه وبين القيادة العسكرية الى اتفاق يقضي بتجنب دخول قوات كبيرة الى المدينة بقصد التقليل من مخاطر المواجهات ذلك ان الوقوف وجهاً لوجه بين العسكريين والمتظاهرين يمكن ان يؤدي الى انفجارات «عفوية» للعنف وحتى لو كان الانقلابيون ينقصهم التصميم او ان اوامرهم لا يتم بتنفيذها بدقة. ان «تلاقي» العسكريين والمتظاهرين يمكن ان يؤدي الى انفجارات كما هو الحال في بعض التركيبات الكيميائية. هكذا وخلال الليلة الاخيرة من حياة الانقلاب قام حشد من المتظاهرين بتوقيف مسيرة رتل من المدرعات عند مخرج نفق «كولتسو» في موسكو بالقرب من السفارة الامريكية ادى ذلك الحادث الى «سحق» اثنين من المتظاهرين تحت مدرعة وقتل ثالث برصاص احد الجنود. لم يكن هؤلاء الثلاثة هم وحدهم ضحايا المحاولة الانقلابية التي لم تستطع الاستمرار طويلاً، بل ان وزير الداخلية، بوريس بوجو، اطلق رصاصة على رأسه، وانتحرت معه زوجته كما ان المارشال اخروماييف، المستشار العسكري لجورباتشوف شنق نفسه وانه لمن الصعب معرفة الاسباب الحقيقية التي دفعتهم نحو الانتحار وهل كانت تعود الى رفضهم تبرير عمل كانوا يرونه شرعيا او الى خجلهم من التورط في مؤامرة جديرة بالكاد باحدى جمهوريات الموز؟. ربما كان هذان الرجلان يشاركان فلاديمير بوتين رأيه، حيث كان يعتقد انه لم يكن ممكناً اغتفار ما قام به الانقلابيون لان عملهم كان سيؤدي حتماً الى خراب البلاد ويقول بوتين في هذا الصدد «نظرياً، كانت نواياهم نبيلة بدون شك، اذ انهم كانوا يريدون انقاذ الاتحاد السوفييتي من الفوضى لكن الوسائل والطرق التي استخدموها دفعت البلاد اكثر نحو الفوضى ومنذ اللحظة التي رأيت فيها وجوههم على شاشات التلفزيون، فهمت ان كل شيء قد انتهى. خدمات متبادلة لقد كان للانقلاب الفاشل مثل اثر غير مباشر على الرئيس الروسي المقبل وذلك من حيث علاقته بجهاز «الكي.جي.بي» والرسالة التي ضمنها استقالته قبل عام، ووجهها الى قيادة جهاز الاستخبارات، لم تلق اية اجابة وبهذا المعنى فإنه كان لا يزال تقنياً ينتمي الى ذلك الجهاز وبالتالي فإن عليه ان يطيع الاوامر الصادرة عن قياداته الامر الذي لم يكن لديه النية لعمله. وفي 20 اغسطس 1991 كتب رسالة استقالة ثانية، واطلع «سوبتشاك على المشكلة، فتدخل رئيس البلدية مباشرة لدى قائد جهاز الكي.جي.بي وحصل على موافقته، ثم اتصل بالرئيس المباشر المسئول عن بوتين في المدينة الذي وقع على قبول الاستقالة. في تلك الساعات العصيبة، التي كان يتقرر خلالها مصير البلاد يبدو من المثير للدهشة كثيراً ان يتفاهم رجلان رئيس بلدية سان بطرسبرج لينينجراد رسمياً حتى تلك اللحظة ورئيس جهاز الاستخبارات، حول مسائل صغيرة مثل استقالة مساعد شخصية سياسية من اجهزة المخابرات على الرغم من ان هذين الرجلين كانا في موقعين متناقضين في مسيرة الاحداث آنذاك. ان تفاهمهما ذاك ليس سوى بادرة مبكرة لظاهرة اتسعت كثيراً خلال السنوات التالية وهي ان مسئولي الدولة الروسية الكبار حافظوا على العادة السوفييتية في تقديم الخدمات المتبادلة حتى لو ادى تطور مسارهم الى مواقع متعارضة من الطيف السياسي الروسي اذ لا ينبغي «التمادي في العنف حيال خصم مهزوم او قبل ان يعلن ولاءه». كانت موازين القوى قد بدأت تتضح منذ اليوم الثاني للانقلاب، وغدا انتصار المعسكر الديمقراطي واضحاً ولم يكن لدى رئيس جهاز الاستخبارات السوفييتية اي وهم حول تلك النتيجة وربما وقف لهذا وراء تفاهمه مع رئيس بلدية سان بطرسبرج الذي كان في جانب معسكر المنتصرين. في 21 اغسطس وبعد ان تم تحرير جورباتشوف من اقامته الجبرية تعددت النداءات من اجل حل جهاز الاستخبارات واعدام رئيسه بوصفهما المحرك الاساسي وراء الانقلاب لقد تم حبس كريوتشكوف رئيس الكي.جي.بي والمتواطين معه في احد السجون لتتم احالتهم الى المحاكم ثم اصدار عفو عنهم في فبراير 1994 حيث وجد العديد منهم وظائف في اجهزة الدولة ومؤسساتها انه «التضامن بين اعضاء الآلة الحاكمة القديمة» لكن هذا لم يمنع من تفكك جهاز الكي.جي.بي ونزع الصبغة الايديولوجية عنه وتقسيمه الى عدة مصالح مستقلة احداها عن الاخرى. ان الادارة الرئيسية الاولى بكل دوائرها ومصالحها المختلفة، بما في ذلك تلك التي كانت مكلفة بالتضليل الاعلامي اصبح اسمها «مصلحة الاستخبارات الخارجية» وتسلم هذه الدائرة يفجيني بريماكوف وهو استاذ جامعي من اصدقاء جورباتشوف كما انه احد ام الاختصاصيين الروس بشئون الشرق الاوسط، حيث كان قد عمل خلال سنوات الستينيات كمراسل لصحيفة «برافدا» في هذه المنطقة ويعرف بشكل جيد أغلبية المسئولين السياسيين فيها وكان بين الرئيس العراقي وموسكو بعد غزو الكويت في اغسطس 1990 لكن لم تفلح وساطته في تغيير المواقف، وانتهت بالفشل. كان بريماكوف من الناحية الرسمية رجلا لكن العديد من المصادر تجمع على القول انه كان جنرالاً في جهاز الاستخبارات السوفييتي «الكي.جي.بي» وبأنه كان ينتمي الى مجموعة من العملاء الذين كانت تسمح لهم مواقعهم وشهرتهم العالمية بممارسة نشاطاتهم وملاحقة اهدافهم في جميع انحاء العالم، عبر المشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية وعندما تتم ملاحظة الصعوبات التي كانت السلطات الروسية تواجهها عندما تريد تعيين احد المدنيين في منصب حساس ومقارنة هذه الصعوبات المعتادة مع السهولة التي قبل بها ضباط «مصلحة الاستخبارات الخارجية» معلمهم الجديد فإنه يمكن القول انه كان بينه وبينهم تآلف كبير منذ فترة طويلة وفي ظل بريماكوف تم اعتباراً من يناير 1996 مع ادارة نائبه الاول «فياتشلاف تروبنيكوف» قامت «مصلحة الاستخبارات الخارجية» بعملها من دون ان تأخذ ابعاداً كبيرة لكن اعتباراً من 1998 اصبحت احد مصادر الدعم السياسي الرئيسية لمديرها السابق يفجيني بريماكوف مما اثار حفيظة الحاشية الرئاسية. على خطى بوركينا لكن بعيداً عن موجة الابتهاج التي عمت لدى اغلبية الروس بنهاية سطوة جهاز الاستخبارات والحزب الواحد فإن قلائل هم الذين لم يحسوا بانهيار الاتحاد السوفييتي كمأساة شخصية وحتى من كانوا يعتبرون ان هذا هو الثمن الذي ينبغي دفعه من اجل الخلاص من الشيوعية كانوا يحسون بنوع من الضعف الخفي الذي يسري في كيانهم اذ كيف يمكن للبلد القوي الذي ولدوا فيه وتشربوا ثقافته واشعاعه، ان لم يكن منظومته السياسية ان يتهاوى خلال اشهر قلائل فقط؟ ان مثل هذه الكوارث لا تحدث غالباً الا بعد حروب، وحيث يكون من السهولة بمكان تحديد الجناة والذين يكونون عامة الاجانب الاعداء الخارجيين، وليس قادة البلاد وعلى الرغم من ان انهيار الاتحاد السوفييتي كان بمثابة نتيجة واضحة لافلاس النظام الشيوعي فإن قلائل هم الذين استخلصوا الدروس والعبر من الاحداث، اذ تم تحميل النظام المخلوع المسئولية الكاملة حيال ما جرى لقد فسر كثيرون انهيار الدولة السوفييتية القوية وتدمير مؤسسات بلد كالاتحاد السوفييتي بوجود مخطط دبرته قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة وبرزت ايضاً اطروحات مفادها ان ما جرى هو نتيجة تآمر يهودي ـ ماسوني، ولكن كيف يمكن بأية صورة اخرى تفسير ان يصبح الاتحاد السوفييتي خلال اشهر بمثابة «بوركينا.. تمتلك صواريخ؟» و«وبوركينا» المقصودة هي بوركينا فاسو احد اكثر بلدان القارة الافريقية السوداء فقراً. كانت مشاعر الروس ومصادر قلقهم مفهومة وكان النظام التوتاليتاري الشيوعي قد جمد المجتمع الروسي، وجمد معه الاوضاع التي كانت قائمة في ذلك المجتمع لفترة ما قبل ثورة اكتوبر 1917 وعندما هبت رياح الحرية من جديد استيقظت تلك الاوضاع ومشكلاتها بالصيغة التي كانت عليها قبل خمسة وسبعين عاماً تقريباً لقد استيقظت شعوب الاتحاد السوفييتي ومعها مشكلات الهوية الوطنية والنزاعات الحدودية، وايضاً نزعات الثأر والهيمنة. وفي غمرة الفرحة التي رافقت انهيار جدار برلين في 1989 ونهاية النظام الشمولي السوفييتي لم تلحظ الحكومات الغربية والرأي العام فيها مباشرة بروز تلك المشكلات القديمة واعتبرت ربما بقليل من السذاجة ان ما جرى هو النهاية السعيدة، بينما لم يكن سوى استئناف مسار تاريخي كان قد انقطع لعدة عقود من الزمن. لقد برزت النزعات القومية من انقاض النظام القديم وذلك باعتبارها «الحامل الفكري» الوحيد الذي يمكن ان يحل محل الشيوعية وعلى اساس ان تلك النزعات هي بمثابة العنصر المؤسس لهوية جديدة لكن نتائج ظهور النزعات القومية من جديد كانت في روسيا مغايرة الى حد كبير ـ بل جذرياً ـ عما هو في بقية جمهوريات الاتحاد السوفييتي «السابق». كان حلم الاستقلال في الجمهوريات الاتحادية يتزامن مع حلم الازدهار لكن ارادة الانفصال تأسست وانبعثت على اخطاء السياسة السوفييتية في موضوع القوميات اذ كانت شعوب الاتحاد السوفييتي تتمتع نظرياً «بقدر كبير من الاستقلال الذاتي» ولكن عملياً، كان الحزب يمارس ادارة الاتحاد كله كدولة واحدة بحيث ان كل صغيرة وكبيرة كانت تمر عبر المركز، بل ان قرار تاريخ البداية بموسم الحصاد، مثلاً، كانت موسكو هي التي تتخذه من دون ان يتم النظر الى الاوضاع المناخية المحلية كما اوضحت ذات يوم هيلين كارير دانكوس في كتابها «السلطة المصادرة: الحاكمون والمحكومون في الاتحاد السوفييتي» الصادر عام 1980 تجدر الاشارة هنا الى ان دانكوس كانت اول من تحدث عن آفاق انهيار الاتحاد السوفييتي منذ منتصف عقد السبعينيات خاصة في كتابها «الامبراطورية المتفجرة». اما المفهوم القومي الروسي فإنه لم يكن محدداً بوضوح اذ كان الاتحاد السوفييتي يختلط في أذهان الكثيرين مع روسيا التقليدية وبالتالي كان من المستحيل قبول فكرة تفكيك روسيا هذه وبالتالي قبول استقلال الجمهوريات الاخرى التي لم تكن سوى «مناطق» روسية. من هنا التقى الشيوعيون والقوميون المتطرفون حول مطلب «العودة الى الاتحاد السوفييتي» الشيوعيون كانوا يلحون على البعد الاقتصادي والاجتماعي «الخطوط العريضة للنظام القديم» والقوميون المتطرفون على البعد الجيوسياسي والحدودي «العودة الى الامبراطورية» وهذا ما عبر عنه «اندريه جراتشيف» الناطق الرسمي لميخائيل جورباتشوف على امتداد عدة سنوات حين قال ان الاتحاد السوفييتي الذي يراد عودته لم يكن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية. ومن هنا يمكن فهم شجب الشيوعيين والقوميين المتطرفين الروس لعمل بوريس يلتسين الخاص بتشجيع تحلل الاتحاد السوفييتي من اجل التعجيل بسقوط السلطة المركزية لميخائيل جورباتشوف لكن في واقع الامر لم يكن بيد يلتسين او غيره وقف انهيار البناء السوفييتي المتداعي. على الصعيد الخارجي لعب الغربيون وعلى رأسهم واشنطن «اللعبة» بالتعاون مع بوريس يلتسين الذي على الرغم من الخطاب المعادي للغرب احياناً تصرف دائماً كشريك له مصداقيته اثناء الأزمات وخاصة الازمة في البلقان. اذ وعلى الرغم من العلاقات المتميزة بين روسيا وصربيا وانتمائهما عقائدياً الى المذهب الارثوذكسي فإن روسيا لم تبحث أبداً في الواقع عن شل التحرك الغربي في تلك المنطقة سوى من خلال الاحتجاجات «اللفظية». دلالات واضحة اما بالنسبة لفلاديمير بوتين الذي يتم وصفه بأنه «وطني روسي» فإنه لم يكن ابداً في صفوف المعادين للغرب، بل كان اقرب باستمرار الى مجموعة الديمقراطيين التي كانت تريد اخراج روسيا من منطق المواجهة البلاغية كي تتبنى سياسة تعاون وشراكة مع البلدان الغربية. كان امثال هؤلاء الرجال يشكلون فريق «الشباب» الذي جمعه يلتسين حوله وكان مهندس «السياسة الواقعية» في الفريق الحاكم هو وزير الخارجية اندريه كوزيريف الدبلوماسي الذي كان قد قدم اطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في دور الامم المتحدة في سياسة الوفاق وحيث اظهر مفهوماً جديداً للقضايا الدولية، وكان احد اكبر انصار هذا المفهوم الجديد في العلاقات الدولية هو اناتولي سوبتشاك رئيس بلدية سان بطرسبرج الذي كان قد شرع في ان يجعل من مدينته من جديد نافذة على الغرب وعلى العالم كما كانت قبل الثورة البلشفية عام 1917، وكان سوبتشاك محاطاً بفريق يضم في صفوفه فلاديمير بوتين، الذي لم يكن سوى مساعد غير معروف نسبياً على الرغم من ان ذهاب اناتولي تشوباي الذي غدا رئيساً لوزراء روسيا، قد فتح امامه آفاقاً جديداً وشيئاً فشيئاً احتل بوتين مكانه. وفي 1991 اصبح فلاديمير بوتين رئيساً للجنة بلدية سان بطرسبرج للعلاقات الدولية هكذا اصبح في علاقة مباشرة مع المستثمرين الاجانب، الذين كانوا يرغبون العمل في سان بطرسبرج لا سيما وان رئيس البلدية وفريقه جهدوا من اجل انشاء منطقة حرة لجذب رؤوس الاموال، بدلاً من ان تتركز في موسكو وعلى العكس من الكثير من الساسة الروس الذين كانوا يعتقدون ان الغرب يريد نهب روسيا، اقتنع بوتين أن بلاده يمكن ان تستفيد من عملية اندماجها مع العالم الغربي. بعد الانقلاب الفاشل لبعض قادة فريق جورباتشوف الذين ارادوا احياء النظام القديم وحل الحزب الشيوعي السوفييتي، اصبح مقر هذا الحزب في سان بطرسبرج مقراً للجنة التنفيذية للمجلس البلدي، لقد تم نزع الصور التي كانت تزين المبنى «خاصة صور ليني وكيردو» وترك سوبتشاك لمعاونيه حرية تعليق الصور التي يشاءون ويقول «فلاديمير تشوروف» احد مساعدي بوتين ان الاغلبية الساحقة اختاروا صوراً رسمية للرئيس بوريس يلتسين وكان فلاديمير بوتين هذا الوحيد الذي اختار تعليق صورة لبطرس الاكبر القيصر الذي شيد سان بطرسبرج وقام بتحديث روسيا عبر فتحها على اوروبا وجعل منها امبراطورية حقيقية. لم يكن فلاديمير بوتين، اذن، يرى في النظام السوفييتي صورة مثالية لكنه لم ير مفيداً الانسحاب من الحزب الشيوعي السوفييتي قبل «الانقلاب» او اثناءه اذ لم يكن آنذاك شخصية مرموقة الى حد ان مثل ذلك الانسحاب كان يمكن ان يكون له دلالة خاصة. لقد كان مثل الملايين من اعضاء الحزب العاديين الذين كانت بطاقاتهم الحزبية في أعماق ادراجهم حيث انها فقدت اية اهمية لها عندما انتهى ذلك الحزب. وبكل الاحوال لم يكن بوتين يحس بتعاطف خاص مع رفاقه القدامى، اذ ينقل عنه «تشوروف» الحكاية التالية: وهي ان منظمات شيوعية جديدة كانت قد جعلت مقارها في بناء مقابل لمقر الحزب الرئيسي القديم في سان بطرسبرج والذي اصبح مقراً لـ «اللجنة التنفيذية» البلدية. وتعودت تلك المنظمات ان ترفع علماً احمر على سطح البناء الذي تشغله على سارية معدنية وكان هدفها بالطبع هو اغاظة الديمقراطيين في مجلس البلدية الذين كانوا يرون ذلك العلم الاحمر من نوافذ مكاتبهم المطلة مباشرة على ساريته وأمر بوتين مراراً بمصادرة ذلك العلم لكنه كان يعود كل مرة للظهور من جديد، فما كان من بوتين الا ان احضر رافعة للبناء وقطع تلك السارية. ان هذه الحكاية لها دلالاتها الواضحة على ميول فلاديمير بوتين السياسية، لكنها تدل ايضاً على بعض سمات شخصيته كرجل عنيد لا يرضخ بسهولة ويعرف كيف يحصل على الوسائل التي تجعله يصل الى أهدافه. كذلك وعلى عكس الكثير من رجال السياسة الروس الذين انضووا شيئاً فشيئاً تحت مظلة الخطاب المناوئ للغرب الذي كان يردده الشيوعيون والقوميون المتطرفون بقي مخلصاً لأفكاره الخاصة بالانفتاح على الغرب كما تدل ايضاً اعماله منذ وصوله الى السلطة. استئناف الحوار في الوقت الذي كانت علاقات روسيا مع الحلف الاطلسي تميل الى البرودة خاصة منذ الضربات التي تم توجيهها ليوغسلافيا في ربيع 1999 قام بوتين سريعاً باستئناف الحوار ووصل به الامر الى حد تأكيده بأنه تبعاً لتطور الوضع كان ممكناً انضمام روسيا الى الحلف الاطلسي على قاعدة المساواة وحتى لو لم يكن الموضوع راهناً، وقد قال في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 6 مارس 1999، تنتمي روسيا الى الثقافة الاوروبية ولا اتصور ان تكون بلادي معزولة عن اوروبا وعن العالم المتمدن واضاف ضمن هذه الشروط يصعب علي جداً تصور الحلف الاطلسي كعدو. ان هذه الفكرة القديمة للديمقراطيين لم تكن قد قيلت علانية منذ 1993 وكان اللورد جورج روبرستون الامين العام للمنظمة الاطلسية قد صرح بدوره لوكالة رويترز بتاريخ 30 مارس 2000 قائلاً أن زمن المنافسات بين الحلف الاطلسي وروسيا قد عف عليه الزمن كما ان فلاديمير بوتين قام بالفترة نفسها بدفع مجلس «الدوما» المؤيد له الى التصديق على اتفاقية «سالت-2» التي كانت تنتظر ذلك منذ عام 1999 واستأنف المفاوضات حول «سالت -3» مع اقتراحات محددة لتقليص اعباء التسليح التي تثقل على كاهل بلاده. بالطبع لا يعني هذا كله ان روسيا قد تخلت عن مصالحها الاستراتيجية كما يبدو من المعارضة الشديدة التي ابداها بوتين ضد المشروع الامريكي للدرع المضاد للصواريخ والذي يشكل حسب رأيه خرقاً لمعاهدة «ا.بي.ام» الموقعة عام 1972. ان الاولوية التي اعطاها الرئيس الروسي لتحسين علاقات بلاده مع الغرب ظهرت ايضاً من خلال تفاصيل صغيرة مثل اتصاله مع القادة الغربيين منذ الاسابيع الاولى التي وصل فيها الى الكرملين او من خلال بعض التعيينات التي اجراها لشغل مناصب حساسة، فمثلاً في الوقت الذي كان فيه مدراء مصلحة الاستخبارات الخارجية خلال عقود من الزمن هم من «المستشرقين» الاختصاصيين بآسيا او العالم العربي، قام بوتين بتعيين «مستغرب» في ادارة هذه المصلحة كان قد مارس العمل في اوروبا خاصة في المانيا وفي الولايات المتحدة الامريكية، هذا لا يعني بالتأكيد ان روسيا ستوقف مساعيها من اجل عالم متعدد الاقطاب او انها سوف تتخلى عن شراكتها مع الصين، الاولويات فقط هي التي تغيرت.