اعترفت الحكومة الجزائرية بخطورة الأوضاع في منطقة القبائل، حيث تجاوز عدد ضحايا المواجهات في الأيام الأربعة الماضية الـ 70 قتيلاً، وقالت ان الاحتجاجات تعكس عجز السلطات المحلية في معالجة مشاكل المواطنين، وتواصلت الاحتجاجات البربرية وسط مخاوف من تحول المظاهرات الى حركة مسلحة. ووصف نور الدين يزيد زرهوني وزير الدولة الجزائري بالداخلية والجماعات المحلية بالقبائل الاحداث في ولايتي تيزي أوزو وبجاية بالخطيرة وقال انها تعكس في أحد جوانبها عجز السلطات المحلية على التكفل باهتمامات ومشاكل المواطنين. وأشار الوزير في تصريح قبيل توجهه الى المنطقة بمروحية في زيارة تفقدية الى ان هذا العجز لا يقتصر على هاييتي الولايتين بل يمتد الى غالبية ولايات البلاد. ورفض الوزير تحميل مسئولية الأحداث الى قوات الأمن متهماً في الوقت نفسه جهات لم يذكرها بالاسم بصب الزيت على النار. وعن علاقة هذه الأحداث بمطلب الامازيجية قال الوزير الجزائري ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في هذا الطلب ولكن في كيفية اعطائه صبغة ومضموناً عملياً. وذكر بيان للداخلية ان المواجهات أسفرت عن مصرع 15 مواطناً واصابة 52 آخرين بجروح لكن معلومات حصلت عليها «البيان» تفيد بوقوع أكثر من سبعين قتيلاً. فقد انفلت الوضع تماماً في منطقة القبائل واصبح مفتوحاً على المجهول، بعدما عجزت قوات الأمن والأحزاب المؤثرة على قمع حركة الاحتجاج العنيفة واحتوائها وتحويلها الى حركة مطلبية سلمية. وأصبحت قرى ومدن المنطقة تتسابق نحو تقديم ضحايا أكثر في سبيل مطالب تعدت الحدود الثقافية المعلنة لتصبح اجتماعية وسياسية. وعمدت فرق الدرك الوطني الى تهريب عائلات أفرادها، وهم عادة من مناطق أخرى ناطقة بالعربية، خوفا من الانتقام. وشهدت يوم أمس ثلاث عشرة من مدن وقرى ولاية تيزي أوزو دفن 29 قتيلا سقطوا في أحداث السبت التي اندلعت مع انطلاق مسيرة سلمية كانت قد دعت إليها جبهة القوى الاشتراكية، ولم يتمكن أقارب الضحايا القاطنون خارج تراب الولاية من حضور مراسيم الدفن بسبب الإغلاق التام لمنطقة القبائل. ودخلت منطقة القبائل مساء السبت عشرات من القوافل تنقل جنود الدرك الوطني وفرق الشرطة المكافحة للشغب بغرض تعزيز التواجد الأمني بالمنطقة فيما تداولت الألسن بالعاصمة أنباء حول نزول وحدات من الجيش الى شوارع مدن المنطقة. ويسود الوضع غموض لم يسبق له مثيل وسط ضبابية وإشاعات طالت كل أنحاء الجزائر حول انتقال عدوى العنف الى مناطق أخرى خارج منطقة القبائل بسبب انتقال الحركة الاحتجاجية من المطالب الثقافية الخاصة بالبربر الى تبني المطالب الاجتماعية والسياسية التي تجمع كل الجزائريين. وفي مدينة بجاية والقرى المجاورة لها تواصلت أمس المواجهات بين مئات من قوات الشرطة والدرك من جهة والمتظاهرين وهم في الغالب من الشباب وأحرقت مرافق عمومية ومساكن مسئولين فروا بجلدهم كما اضطرت قيادات الأمن المحلية الى اخلاء مقرات الشرطة والدرك في العديد من المدن والقرى وتحويل الأسلحة الموجودة بها حتى لا يستولي عليها المحتجون. ولقد سقط عشرات بين قتيل وجريح ولم تعد المستشفيات المنتشرة بالولاية قادرة على استيعاب العدد الكبير من المصابين وحذر عضو من منظمة الدفاع الذاتي (المقاومة المدنية ضد الارهاب) غادر بجاية أمس الأول من تحول المظاهرات الى حركة مسلحة، وقال إن المتظاهرين ينوون الاستيلاء على الأسلحة التي وزعتها الدولة على المقاومة المدنية وأكد أن أشخاصا سألوا عنه في داره عندما كان غائبا وطلبوا استلام سلاحه لاستخدامه في المواجهات ضد قوات الأمن. كما واصل سكان دوائر بني ورثيلان وبوعنداس وبوفروج وقنزات التابعة لولاية سطيف أعمال التخريب التي بدأوها أمس الأول وسقط منهم ضحايا حسب المعلومات الأولية التي تسربت عصر أمس لكن دون التأكد من الأرقام. وفي العاصمة نظمت أمس مسيرات كبيرة خاصة في حي بوزريعة الواقع على مرتفعات المدينة وباب الزوار بضاحيتها الشرقية ولم تسجل فيها أية أحداث شغب، فيما منعت الشرطة مسيرة أخرى كانت ستنطلق بالحراش أحد أكبر أحياء الجزائر. ويوجد مسئولو الأمن بالعاصمة الجزائرية بين المطرقة والسندان فإن هم سمحوا بتنظيم المسيرات فهم يمكنون المعارضين للنظام من رفع الشعارات السياسية المناوئة وإن لم يسمحوا بها تعالت أصوات العصيان وعندئذ تتحول البلاد كلها الى مواجهات وتأخذ الحركة الاحتجاجية أبعادا خطيرة. وفي غياب الإحصائيات فإنه من الصعب تقييم الوضع كما هو في بلاد القبائل خاصة وأن وسائل الاعلام الحكومية امتنعت تماما عن الحديث عن المأساة الجارية منذ قرابة أسبوعين والصحافة المستقلة التي غطت الأحداث منعتها السلطات الأمنية أمس من دخول المنطقة بالإضافة الى عزل المنطقة قطع الاتصالات الهاتفية بها. وفي باريس أعلن وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين أمس في حديث لاذاعة «راديو جي» انه يتعذر على فرنسا اعطاء دروس او املاء ما ينبغي القيام به على السلطات الجزائرية لاخراج الجزائر من «المأساة الكبيرة» التي تعيشها. واقر فيدرين مع ذلك بان قيام الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان بزيارة رسمية الى الجزائر «لا يزال واردا في المبدأ، غير ان الزيارة ليست من القضايا الراهنة». وقال ان «التاريخ بين فرنسا والجزائر لا يخول فرنسا توزيع شهادات حسن سلوك واملاء ما يجب فعله واعطاء الدروس واصدار احكام بالادانة». وتابع يقول ان الجزائر تعيش «مأساة مريعة ونريد ان تخرج منها، ولكن ليس لدينا حلول جاهزة». واضاف «لا نستطيع ان نكون آلة تقرر وتحسم. فالوضع معقد جداً».