ذات يوم سألوا الشاعر الفرنسي جان كوكتو: لو جئت إلى بيتك ووجدته يحترق، فما هو أول شئ يخطر ببالك أن تنقله منه؟ فأجابهم: إني أنقل النار! والنار هي حصراً (الطائفية) التي تستعر في الجسد اللبناني وتنخر في كيانه وتهدد مستقبله. ولعل مشهد السجال الراهن حول الوجود السوري في لبنان، يبدو للمراقب من بعيد، وفي إطار الطوائف وما ارتضه من زعامات روحية أو زمنية، موزعا بين مسيحيين يطالبون بإخراج الجيش السوري من لبنان ورفع الهيمنة السورية عن قراراته، وبين مسلمين يريدون إبقاءه ويدافعون عن هذه الهيمنة من جهة أخرى. والمشكلة اللبنانية، في وجهها الداخلي، قد تكون قديمة قدم لبنان المستقل، ويمكن القول إن لبنان كان من لحظة الاستقلال في حال من الأزمة الكامنة في بنيته الداخلية! وكل ما كان مطلوبا لكي يتفجر الوضع إلى نزاع مكشوف هو محرك خارجي دخيل. وقد توفر هذا العامل الخارجي في المد القومي العربي الهادر أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فكانت أزمة عام 1958، وتوفر العامل الخارجي في المقاومة الفلسطينية أثر حرب 1967، فكان مسلسل الاضطرابات الذي أفضى إلى تفجير الأزمة الكبرى التي تمثلت في الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975 ثم إلى الحرب الإسرائيلية صيف عام 1982. الأزمة حسب هذه الرؤية داخلية في جوهرها، وما العامل الخارجي إلا الزناد الذي يقدح النار ثم يغذيها. الخوف والغبن الأزمة اللبنانية في وجهها الداخلي هي ذات جذور تتداخل تداخلا عضويا مع المشكلة الطائفية. فالنظام السياسي والبنية الإدارية والقضائية والعسكرية للدولة وكذلك قطاع مهم من شبكة المدارس الخاصة مبنية على قواعد طائفية ظاهرة. فلا عجب، والحالة هذه، إذا كان الطابع الطائفي قد أصبح هو الطابع الغالب على وعي الجماهير اللبنانية عامة وعلى ولاءاتها وإحساسها بإنتمائها. ومثل هذه الروح لم تكن لتنمو وتعم الا على حساب الوعي الوطني والولاء الوطني والإنتماء الوطني. المشكلة الطائفية في لبنان تجسدت في عدد من المظاهر المتشعبة، تجسدت في اقتسام المراكز الثلاثة الأولى في الدولة بين الطوائف الرئيسية الثلاث، وفي حصر المركز الأول والأقوى في طائفة معينة. وتجسدت في وقف المقاعد الوزارية، مهما كبر حجم الوزارة، على سبع طوائف بما فيها الثلاث الأولى. وهذا يعني، لو ذكرنا أن في لبنان سبع عشرة طائفة معترفا بها رسميا، أن هناك عشر طوائف لا مجال لأبنائها للوصول إلى مراكز الحكم، لا على صعيد المراكز الأولى، ولا على صعيد المشاركة في الوزارة، كما تجسدت الطائفية أيضا في تقاسم المناصب بين الطوائف في الإدارة والقضاء والجيش، ووقف مناصب رئيسية منها على طوائف معينة. وعلى المستوى السياسي، أفرزت المشكلة الطائفية تاريخيا، مظالم ومطالب وشعارات وحركات، وقد وجدت المشكلة تعبيرا لها أكثر ما وجدت في مسألة المشاركة في الحكم، وفي تظلمين عرفا بعقدة الخوف وعقدة الغبن. المشاركة كانت عنوان مطلب إسلامي ضاغط يدعو إلى تطوير النظام السياسي بحيث يكون للمسلمين صوت في مركز القرار في الحكم، مواز للصوت المسيحي وبالأخص الماروني، وتمحور هذا الطلب بنوع خاص حول توزيع الصلاحيات والمسئوليات بين رئاسة الجمهورية الموقوفة للطائفة المسيحية المارونية ورئاسة الوزراء الموقوفة للطائفة الإسلامية السنية. وترافق مع النقاش الذي دار حول هذه المسألة طرح يدعو إلى كسر طوق الطائفية من الأساس، بإلغاء القاعدة الطائفية في كل ما يتعلق بالنظام السياسي وبالتركيب الهيكلي والقضاء والجيش. وحجة هؤلاء وأكثرهم من الأجيال الشابة من كل الطوائف أن أي حل لا يرتكز على الغاء القاعدة الطائفية من شأنه الإبقاء على لبنان إتحاد للطوائف، وفي هذا بقاء على المشكلة بدلا من حلها. وعقدة الخوف هي عنوان التظلم الذي رفعه بعض القادة السياسيين باسم المسيحيين، وذلك من منطلق أن المسيحيين يشكلون أقلية تخشى على وجودها من الضياع وسط يم الأكثرية الإسلامية، ليس في لبنان وإنما في الشرق العربي، ولقد أفضت الملاحقة السياسية لهذه المسألة إلى طرح أفكار متشعبة، منها ما كان يدعو إلى المحافظة على الامتيازات السياسية والإدارية التي تتمتع بها الطوائف المسيحية منذ الإستقلال واعتبارها من الضمانات اللازمة لحماية الأقلية المسيحية من طغيان الأكثرية الإسلامية في المنطقة. ومنها ما كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فيدعو إلى تعزيز تلك الإمتيازات والضمانات، ومنها ما تطور إلى حد المطالبة بإعادة النظر في البنية السياسية للدولة بحيث يعتمد نظام فيدرالي يجمع ولايات ذات استقلال ذاتي في مجالات واسعة على نمط الكانتونات في سويسرا، فيكون للمسيحيين كانتونهم الذي يحميهم من الذوبان في الأكثرية المحيطة بهم. وذهب الغلو بقلة منهم إلى المطالبة عمليا بتقسيم لبنان إلى دويلات تكون أحداهما للمسيحيين. أما عقدة الغبن، فهي عنوان التظلم الذي رفعه بعض القادة السياسيين باسم المسلمين تعبيرا عن عدم تمتعهم بفرص متكافئة للوصول إلى مراكز القرار في الدولة سياسيا وإداريا وكذلك تعبيرا عن تخلف أوضاع مناطقهم اقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا. ولقد تجسد هذا التظلم على الصعيد الإسلامي الشيعي في حركة منظمة عرفت في منطلقها بحركة المحرومين. أما المطالب التي أفرزها هذا التظلم فكانت تتركز بطبيعة الحال على الدعوة إلى إنتهاج سياسة إنمائية واسعة يتوجه بموجبها نصيب فاعل من نشاط الدولة وإنفاقها شطر المناطق والتجمعات السكانية الأقل نموا في لبنان، كالجنوب والبقاع وعكار، لإنتشالها من مستنقع التخلف والبؤس الذي تتخبط فيه. القضية الأساس كل هذا الذي ذكرناه في إطار الوجه الداخلي للأزمة اللبنانية، هو من افرازات أو مظاهر أو إرهاصات قضية واحدة هي القضية اللبنانية. والقضية اللبنانية هي قضية إيمان والتزام بالقيم والمبادئ التي قام عليها لبنان الوطن وتقوم على إيمان والتزام بوحدة الأرض والشعب والمؤسسات، بإستقلال الدولة وسيادتها، بقدسية الحريات العام والفردية، بحرمة إنسانية الإنسان اللبناني وكرامته، وأخيرا بإنتماء لبنان العربي. أما صون هذه القيم والمبادئ والأهداف وتعزيزها فيرتبطان بشرط، هو قيام الدولة الصالحة، الدولة القادرة والعادلة، وهي دولة مؤسسات وانماء. من هنا فان عملية اختزال بسيطة للواقع يقضي الى الاستنتاج أن الدولة هي القضية، فالدولة هي التي يجب أن تكون الحصن الحصين والمبادئ والأهداف التي يقوم عليها لبنان الوطن. القضية تبعا لهذا المفهوم، تتمحور حول الدولة، والنضال من أجل القضية يجب أن يستهدف أولا وقبل كل شئ اقامة الدولة القادرة والعادلة، دولة المؤسسات بكل مقوماتها ومرتكزاتها، وهذا يقضي، من جهة، باعتماد الانماء والعدالة الاجتماعية توجها، ومن جهة ثانية، بالعمل على تحقيق الاصلاح السياسي الذي يستهدف الغاء الطائفية في مختلف ميادين الحياة العامة، في السياسة كما في الوظيفة، في الادارة والقضاء والجيش. إن لبنان يعيش اليوم اجواء انقسام حاد، من دون أن يعني ذلك انه يعيش اجواء حرب أهلية، أما الانقسام فمرده الى استمرار الوطن اللبناني معلقا، على رغم مرور 26 عاما على بدء الحرب الأهلية، ومرور سنوات عديدة على اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، إذ بات واضحا ان صيغة لبنان القديم ماتت الى غير رجعة دون أن يكون واضحا بالمقدار نفسه، ان صيغة مستقرة وقابلة للحياة، قد ولدت. مسئولية مزدوجة ويمكن القول في هذا المجال، ان التوازنات الداخلية الموضوعية بقيت تحتم اللجوء الى حكم خارجي، يتمثل في الوجود السوري، وذلك بصرف النظر عن حياد هذا الحكم. فلا الحرب الأهلية، بطبيعة الحال، كانت سببا في تحقيق التقارب بين اللبنانيين المنقسمين على أنفسهم، ولا خاتمتها في الطائف بما شكلته من انتصار، ولو لفظي وشكلي لطرف على آخر. كذلك لم يبن لبنان، دولة ومجتمعا، على نحو يوحي بتراجع التعصب الأهلي، بل حصل العكس تماما. بلغة أخرى لابد من تطوير المسئولية اللبنانية والاقرار بها، في موازاة الاعتراف بالمشكلات التي نمت وتنمو في اجواء الطائفية، والعمل على تذليلها، كما في موازاة الالحاح على ضرورة الانسحاب السوري من لبنان. فمسئولية المسلمين اللبنانيين، هي التسليم مرة ونهائيا بالدولة، كما تأسست في عام 1920. وهذا ليس معياره المشاركة في البرلمان أو الحكومة، بل معياره المشاركة في القرارات المصيرية للاجتماع اللبناني على نحو يأتي محكوما بمصلحة هذه الرقعة الجغرافية من الأرض والمقيمين عليها. لكن هذه المسئولية سوف لا تستنهض من تلقاء نفسها، مالم تتحرك المسئولية الاخرى، المسيحية، التي وقفت وراء صناعة الدولة تاريخيا، وشكلت قاعدتها وطورت عدتها الفكرية والنظرية. واذا كان شعور المسيحيين بالحصار الاكثري لهم راهنا، وبتراجعهم العددي والتقريري، سببا في عزوفهم عن المبادرة، فانهم يبقون مسئولين عن المهمة التي ترشحهم لها معطيات معروفة، ذلك انهم وأن شاركوا مسيحيي الشرق أزمة الحال الاقليمية في ظل ترد ديمقراطي متجذر، يبقون أقدرهم على بناء مواطنية عصرية ومعاصرة. أي أن البنية المطلوبة مفادها الاقرار بأن الدولة هي المرجعية الأم والأولى التي يكون لها الانحياز في لحظات التضارب مع مستويات الوجود الاجتماعي الأدنى (روابط الأهل والدم والطائفة)، أو مع مستويات الوجود الاجتماعي الأعلى (روابط الدين واللغة). أن هذا التوجه التاريخي المطلوب، انما فحواه التفكيك التدريجي للدولة الطائفية، انطلاقا من الغاء المطالبة بكل «ضمانه» أو «امتياز». ولا يخفى أن المسألة اللبنانية بذاتها هي مصلحة دولة ومجتمع ووطن في سوريا، كما ان المسألة السورية ذاتها مصلحة دولة ومجتمع ووطن في لبنان، وعليه فان المسألة السورية اللبنانية مصلحة ثنائية لن يستوي التاريخ والمستقبل الا بمواجهتها بالموضوعية والحوار وارادة التسوية، وانطلاقا من المصالح أولا. ومعروف انه قبل أن ينتخب الدكتور بشار الاسد رئيسا لسوريا خلفا لوالده الرئيس الراحل حافظ الاسد بثلاث سنوات، كان قد بدأ يتابع عن كثب ملف العلاقات اللبنانية السورية، ويعقد لقاءات مع مسئولين لبنانيين رسميين وغير رسميين لوضع اليد على مصدر الخلل الذي يعتريها، راغبا في تصحيحها من خلال مؤسسات الدولتين، من استماعه الى الملاحظات التي يبديها أمامه زواره من القيادات اللبنانية، وعند وصوله الى سدة الرئاسة اعتبر في «خطاب القسم» ان العلاقة مع لبنان يجب أن تكون نموذجا للعلاقة بين بلدين عربيين، ولكن هذا النموذج لم يكتمل بعد، ويحتاج الى الكثير من الجهد لكي يصبح مثاليا بحيث يحقق المصالح المشتركة بالشكل الذي نطمح اليه. ـ كاتب سياسي مصري