صحيح أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن الدول العربية في مجموعها لم تستكمل بعد استقلالها الاقتصادي، وأن أغلبيتها، تعاني من التبعية السياسية للولايات المتحدة ومع ذلك كنا على يقين أن التهديدات الخطيرة للأمن القومي العربي في فلسطين، وخليج العرب، ووادي النيل، والقرن الافريقي، والمغرب العربي يمكن أن تحدث تغييرا حقيقيا في مجالي الأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي. لكن قمة عمان كانت نصف نجاح، و نصف فشل في المجال السياسي، واقتصر النجاح الجزئي على الدعوة إلى تلازم مسارات التفاوض الثنائي بين إسرائيل وكل من فلسطين وسوريا ولبنان، ومواصلة تعليق المشاركة العربية في المفاوضات متعددة الأطراف، ووقف التعاون الاقتصادي الإقليمي مع إسرائيل، والمطالبة بتفعيل المقاطعة الاقتصادية العربية ضدها، إلى جانب دعم مادي إضافي للفلسطينيين، والتهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس، والدعوة لانعقاد مؤتمر الدول أطراف إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 في أسرع وقت ممكن لإنقاذ الفلسطينيين من إرهاب الدولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أما نصف الفشل السياسي فتمثل في إخفاق القمة العربية في بدء المصالحة العراقية الكويتية واكتفائها بتكليف ملك الأردن والأمين العام لجامعة الدول العربية بمواصلة بحث ما سماه حكام العرب بالحالة بين العراق والكويت، واقتصرت قرارات القمة على مجرد دعوة الكيان الصهيوني للإلتزام بعملية السلام واستئناف المفاوضات دون أن تسحب الثقة وتسجل الاعتراض على حكومة أرييل شارون التي بدأت خطة خنق الإنتفاضة في منتصف مارس الماضي والتي تستمر مائة يوم لإخماد غضب الشعب الفلسطيني وفرض الإذعان على السلطة الفلسطينية، واكتفت قمة عمان بالتأكيد على وحدة أراضي السودان ودعم المبادرة المصرية الليبية للمصالحة السودانية دون أن تقدم أي دعم مادي فعال لحكومة السودان لردع التمرد والإنفصال في جنوبه. التحديات الإقتصادية مضى على حلم السوق العربية المشتركة أكثر من نصف قرن بالتمام والكمال، ومع أننا نعيش في عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى فإن الحلم لايزال يداعب خيالات المفكرين والساسة ورجال الأعمال مع أن الحقائق الاقتصادية تستصرخ همم العرب لإنقاذ اقتصادياتهم من محنتها الحالية، إن العرب يشكلون خمسة في المائة من سكان العالم ومع ذلك فإن إسهامهم في الناتج العالمي قد إنخفض من 3.5% عام 1992 إلى 2.5% فقط عام 2000 كأنهم يتحركون إلى الوراء، ولايزال مجموع الناتج القومي لكل الدول العربية أقل من الناتج القومي الإيطالي على الرغم من وفرة الإنتاج البترولي العربي !! وما زال حجم تجارة العرب الخارجية متواضعا للغاية فهو لا يتجاوز ثلاثمائة مليار دولار بنسبة 2.7% من حجم التجارة العالمية الذي بلغ 11 تريليون دولار، وبذلك يماثل العالم العربي كله في تجارته من المنتجات البترولية، وتزداد خطورة الأمر إذا عرفنا أن حجم التجارة البينية العربية لا يتجاوز 8.5% فقط لاغير من تجارتهم الخارجية مع أن حجم التجارة البينية الأوروبية يتجاوز 75%. والفجوة الغذائية العربية في إزدياد وقد وصلت عام 2000 إلى 12.4 مليار دولار، ولاتزال مصر كبرى الدول العربية تستورد أكثر من ثلث احتياجاتها من القمح على الرغم من أنها تخلط دقيق القمح بالذرة لإنتاج الخبز أهم عناصر غذاء الغالبية الكادحة من المصريين. وعندما فكر العرب في مشروع مشترك لاستصلاح مليوني فدان من أراضي الجزيرة في السودان في الثمانينيات واستصلاحها لزراعتها بالقمح، ضغط الأمريكان بكل قوة على دولتين عربيتين لوقف المشروع، وهرب الممولون، وزادت صادرات القمح الأمريكي إلى مصر ودول شبه الجزيرة العربية. ونتيجة وفرة السيولة النقدية لدى دول عربية معينة، وعوائق الاستثمار في دول عربية أخرى، فقد ارتفع حجم الودائع والاستثمارات العربية خارج الوطن العربي الكبير إلى أربعة آلاف مليار دولار بنهاية العام الماضي 2000 ومنها (850) مليار دولار في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بينما لم يتجاوز إجمالي الاستثمارات العربية في مصر خمسة مليارات من الدولارات، ولا تزال نسبة البطالة في العالم العربي نحو 11% من حجم قوة العمل، أي أن لدينا عشرة ملايين عاطل في العالم العربي، منهم مليونان في مصر وحدها، وهي التي تنفرد بأعلى نسبة لبطالة المتعلمين في الدول النامية. ونتيجة غياب المؤسسات التمويلية العربية الكبرى التي يمكن أن تتجه إليها المدخرات العربية، وبفعل السلبيات العديدة في مناخ الإستثمار في أغلب الدول العربية، فيما عدا بعض دول الخليج العربي، نجد أن للمصريين استثمارات في الخارج تصل إلى 80 ـ 91 مليار دولار منها (10.2) مليارات دولار في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. وتلك حقيقة مؤلمة لم تنجح حكومات التسعينيات في مصر في معالجتها، بل إن أقصى أمال الحكومة الحالية هي استقطاب ملياري دولار من الاستثمارات الأجنبية سنويا. نحو كيان اقتصادي عربي تعود محاولات إنشاء كيان اقتصادي عربي متكامل إلى منتصف عقد الخمسينيات حين طرحت فكرة السوق العربية المشتركة بعد بضع سنوات من إبرام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية عام 1950، وفي عام 1959 اتفق على إسباغ كيان ذاتي على المجلس الاقتصادي المنصوص عنه في المعاهدة المذكورة، وانضمت إليه ثلاث عشرة دولة عربية حتى نوفمبر عام 1963. وفي عام 1977 أنشئ المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي صاغ إتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية التي أبرمت عام 1981. وفي قمة عمان عام 1980 أقرت إستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك، لكن الإنجازات الحقيقية كانت محدودة على أرض الواقع وبخاصة في مجال المعونات التي قدمها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وتواضع حجم رؤوس أموال المشروعات العربية المشتركة متعددة الأطراف، والبطء الشديد في زيادة حجم التجارة العربية البينية على الرغم من الترابط بين قضايا الأمن والتنمية والتكامل. ولم يدرك العرب مخاطر التخلف عن ثورة التكنولوجيا المعاصرة في مجالات الإلكترونيات والإتصالات والبرمجيات، وصناعة المعلومات، والتكنولوجيا الحيوية (الهندسة الوراثية) والبصريات، والمواد التخليقية، والاستخدامات العسكرية والمدنية للفضاء، والتطبيقات السليمة للطاقة النووية. وبدا أن العرب لم ينتبهوا إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى التي تنشأ حولهم بدءا من أوروبا الموحدة، وتجمع النافتا في أمريكا الشمالية إلى التجمع الاقتصادي الآسيوي (الآسيان) وإلى مخاطر هروب رؤوس الأموال العربية إلى الغرب، وتهميش غالبية الدول النامية في الجنوب بسبب تعثر عمليات التكاملة الاقتصادي ومحاولات التكتل التجاري، وقيود الحماية التي تفرضها الدول الصناعية التي تحاصر صادرات العالم النامي. وفهم العرب متأخرين للغاية مؤشرات الانكشاف الاقتصادي العربي وفي مقدمتها تأخر التصنيع العربي، حتى أن نسبة السلع المصنعة لم تصل إلى 2% من حجم الصادرات العربية، ثم الفجوة الغذائية العربية وبخاصة في مجال الحبوب وإستمرار الاعتماد شبه المطلق على استيراد التكنولوجيا دون اكتساب القدرة على توطينها، مع تزايد الاقتراض الخارجي والداخلي في دول رئيسية في النظام الإقليمي العربي كمصر وسوريا والجزائر وضعف القدرة على السداد وإستمرار سياسة المزيد من القروض! وزاد من تعقيد الموقف الاقتصادي العربي ذلك التمايز الواضح بين البلدان العربية الذي تعمق بسبب تفاوت وتنوع الثروة، وتباين مستويات التنمية الاقتصادية، وتزايد مشاكل التمويل والتسويق وتأخر طويلا اقتناع الحكام بأن تحرير التجارة العربية البينية هو المدخل الطبيعي للتعاون الاقتصادي، انتظرنا حتى قمة القاهرة الطارئة في يونيو عام 1996 صدور قرار إنشاء المنطقة التجارية الحرة الكبرى كمرحلة أولى للتكامل الإقتصادي العربي تنتهي عام 2007، وبمقتضاه تخفض الرسوم الجمركية بمعدل 10% سنويا. لكن الولايات المتحدة لا تتركنا دون وصاية فتحاول الضغط على الدول العربية المعتدلة من أصدقائها في الشرق الأوسط لإنشاء بنك التنمية الإقليمي في القاهرة في إطار مشروعات التعاون الإقليمي متعدد الأطراف تحت الرعاية الأمريكية إلى جانب مجلسي الأعمال والسياحة، إلا أن توقف المفاوضات متعددة الأطراف والمعارضة السعودية للبنك والمجلسين عطلت التخطيط الأمريكي، الذي يرجع إلى عام 1994، والذي بدا واضحا في المؤتمرات الاقتصادية لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي عقدت في الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة. إن المصالح الاقتصادية المشتركة، وبخاصة التي تتصل مباشرة بحياة المواطن العربي ومعيشته اليومية، هي ركيزة التكامل العربي سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ذلك التكامل المنشود منذ منتصف عقد الأربعينيات في القرن الماضي! ـ خبير استراتيجي مصري