ثمة حسرة عربية من المحيط إلى الخليج، جراء اخفاق الدول العربية في تحقيق تكامل اقتصادي فيما بينها في اطار سوق عربية مشتركة قد تفضي ذات يوم إلى وحدة اقتصادية تحقق الحلم العربي الكبير. ومبعث الحسرة ان العرب والأوروبيين قد انطلقوا من محطة زمنية واحدة في ابداء رغبتهم في اقامة سوق اقتصادية مشتركة، في عام 1957. وها هم الأوروبيون يحققون وحدتهم الاقتصادية ويتابعون السير في طريق الوحدة السياسية وصولاً ربما إلى صيغة «الولايات المتحدة الأوروبية» التي يتوقع أن تضم قرابة 43 دولة أوروبية، غربية وشرقية، تساعدها في ذلك إزالة الحدود والعوائق كلياً أمام تنقل الأشخاص والأموال والبضائع. علماً أن معاهدة روما 1957 التي أرست قواعد اقامة السوق الأوروبية المشتركة قد انطلقت من وجود تجانس اقتصادي وتراث مشترك بين الدول المتعاقدة، اضافة إلى قيم ديمقراطية مشتركة قاعدتها احترام حقوق الانسان. وإذ تتطلع أوروبا بتفاؤل للمستقبل بعد مسيرة 44 عاماً، يتحسر العرب على الوقت الذي اضاعوه خلال تلك الفترة. وها هو سيف اتفاق منظمة التجارة العالمية، وسياط الاحتكارات العابرة للقارات، والتكتلات والاندماجات الاقليمية والدولية الهائلة، تلهب ظهور العرب بلا رحمة، لا يستطيعون حجبها، بل هم قادرون على التعامل معها، لأنهم لا يملكون بعد شروط هذا التعامل والتعايش. وإن لم تتوفر للعرب شروط التعامل بجد، فسيبقون تابعين، مقهورين، متخلفين على الدوام. يشعر الباحث في الشأن العربي المشترك بالاحباط الشديد لكثرة ما يظهر في اطار العمل العربي المشترك من مشاريع اقتصادية تصب كلها تقريباً على الورق. ويحار المرء من الصعوبات التي تبرز فجأة، ومن الحساسيات، ومن العلاقات البينية القوية الطبيعية التي تنتهي بسرعة إلى متوترة أو باردة. والقادة العرب في محاولاتهم المستمرة لإخراج شيء من الانجاز في اعمالهم منذ أكثر من ربع قرن لم يفعلوا شيئاً يذكر. وعند التحدث عن العمل المشترك، تقفز إلى الواجهة أولاً جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة. إن الجامعة باعتراف القادة العرب تحتل مكانها مميزا في قلوب العرب وهي المؤسسة التي تحقق لهم الحد الأدنى من التضامن. وإن انعقاد القمة العربية الدورية الأولى يشكل بداية مرحلة جديدة، سوف تدخل الدم العربي الجديد في مصالح الجامعة المختلفة عندما يتسلم الأمين العام القادم عمرو موسى الأمانة العامة لهذه الجامعة في مطلع الصيف المقبل، لذا فمن المؤكد أنها ستطلع بدور أنشط للنهوض بالمسئوليات المتزايدة في المرحلة المقبلة. لقد أظهرت المناقشات التي جرت مؤخراً في قمة عمّان أن الشأن الاقتصادي قد بدأ يأخذ مكانه اللائق في العمل العربي المشترك في العقد الأخير من القرن الماضي على مختلف الصعد. وفي ضوء التطورات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبح البعد الاقتصادي في العمل العربي المشترك أكثر إلحاحاً وضرورة. ولقد تقدمت مصر بطلب لإدراج ثلاثة بنود جديدة على جدول أعمال مؤتمر عمّان لتنشيط العمل الاقتصادي المشترك: الأول يتصل بعمل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى باعتبارها الإطار الرئيسي لدعم العلاقات العربية والاقتصادية البينية، بالرغم من أن العلاقات البينية بين الدول العربية تعتبر تافهة أمام علاقات كل دولة عربية بالعالم دولاً وتكتلات. ولابد من إزالة العقبات التي تعترض التبادل التجاري العربي الحر كخطوة لإقامة كيان اقتصادي عربي يتواءم مع التوجهات الاقصادية الدولية الحديثة. ويطرح البند الثاني اقتراح مصر الخاص بعقد مؤتمر اقتصادي عربي في القاهرة في نوفمبر 2001 باسم المؤتمر الاقتصادي العربي الأول بمشاركة الأقطار العربية الشقيقة كافة والمؤسسات الاقتصادية العربية والشركات العالمية الكبرى المهتمة بالمنطقة العربية والعاملة فيها. وتهدف هذه المبادرة إلى مضاعفة قدرة الاقتصاديات العربية على الاستفادة من النظام الاقتصادي الدولي الجديد. أما البند الثالث فيتناول إقامة تعاون عربي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لما لهذا المجال من أهمية وحيوية بالنسبة للتنمية الاقتصادية والصناعية. ويتضح من هذه الاقتراحات أنها محاولة من العرب ليجدوا مكانهم في ظل المتغيرات الدولية والتكتلات الاقتصادية وما يحب المحدثون أن يسموه (العولمة أي الكونية). الحديث الآن عن أي مشروع قومي يقتضي بالضرورة مراجعة آمنة للماضي العربي القريب والأخذ في الاعتبار التطورات التي جرت على الساحتين الإقليمية والدولية، وإن نظرة فاحصة للتطورات السياسية والاقتصادية التي تمت على الصعيد الاقليمي الأوروبي نجد أن اختلاف اللغات والثقافات والمذاهب والأنظمة لم تقف حائلاً دون أن تطور معاهدة روما عام 1957 من الفحم والصلب إلى اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة في ثلاثة عقود. وأصبحت لها المؤسسات الأوروبية الفاعلة على مختلف المستويات والاختصاصات والمؤسسات. وقد يمكننا مع الدكتور مصطفى الفقي أن نستنتج النقاط التالية التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار: 1ـ التحديث: وهو يعني وجود فكر جديد متطور يستوعب التغيرات ولا يتخلى عن الثوابت ويستلهم روح العصر والابتكار. 2ـ المعاصرة: أي أن نكون لأي عمل عربي مشترك بمعطيات عالم اليوم ومفرداته. 3ـ الانتقال إلى مرحلة المصلحة المشتركة: فالشعوب قد تطربها الشعارات وتستهويها الأحلام، ولكنها تفيق يوماً لتنظر حولها بحثاً عن شبكة مصالح غائبة أو تركيبة منافع متبادلة لم يتحقق منها شيء ملموس، ويتأكد دوماً أن الحديث عن العمل العربي المشترك في أي مشروع يستتبع بالضرورة التحول إلى السياسة وإلى ما جرته المشاكل السياسية في اعاقة تنفيذ كثير من القرارات المهمة على الصعيد الاقتصادي المشترك. شهدنا في السنوات الأخيرة التداعيات السياسية والأمنية والنفسية لحرب الخليج الثانية وآثارها على شعبي العراق والكويت ومنطقة الخليج، كما لمسنا مخاطر تقسيم السودان الشقيق واستمرار العقوبات المفروضة على ليبيا، وتجدد التوتر في منطقة المغرب العربي بسبب مشكلة الصحراء، واستمرار قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران. ويأمل العرب من إيران أن تجد مشكلة الجزر طريقها إلى التسوية السليمة العادلة المنصفة، ومحاولات الصومال لتحقيق الوحدة الوطنية، وغير ذلك من المشكلات العربية المعاصرة. أظهرت الاتصالات العربية التي أجريت في الفترة الماضية ان الموضوع الأول الذي يستأثر باهتمام شعوبنا، هو ضرورة مضاعفة الجهود لجمع الشمل وتنقية الأجواء العربية وتعميق التعاون والتضامن بين الدول العربية بما يتناسب مع جسامة التحديات التي نواجهها والتعقيد الناجم عن التحولات العميقة التي يشهدها العالم من حولنا، كما يقول الرئيس حسني مبارك. ونحن على اقتناع بأن الوقت قد حان لبدء تحرك نشط وفعال لتحقيق المصالحة العربية على أسس واضحة من المصارحة تحول دون ظهور خلافات طاحنة داخل الأسرة العربية في المستقبل. وإذا تمت هذه الإجراءات فينبغي أن نكون في إطار البيت العربي المشترك. على أن جامعة الدول العربية ليست هي الأمين العام وحده بحيث لا تتصور أن مجرد تغيير الأمين العام يعني الارتقاء بتلك المؤسسة، فالأمر يبدأ أساساً من ضرورة توافر عنصر الإرادة السياسية لدى الدول العربية المختلفة ورغبتها في تنشيط الجامعة وتأكيد دورها وتحديد روحها بحيث تصبح منظمة اقليمية عصرية تضع للقضايا الاقتصادية أهمية لا تقل عن القضايا السياسية. كما أنه قد حان الوقت لتفعيل المؤسسات الاقتصادية للعمل العربي المشترك والتفكير جدياً في إنشاء مسألة محكمة العدل العربية. فهي مؤسسة ضروية وآلية جيدة لحل المشاكل العربية المشتركة والبينية والثنائية. إن البحث في تكتل اقتصادي عربي قد أصبح ضرورة ذات أولوية واضحة، فالعالم يسعى إلى التجمعات الاقتصادية المؤثرة ويحرك السياسات الدولية من خلال المشاركات متعددة الجنسيات أو عابرة القارات، ولا يمكن تصور أوضاع أمتنا العربية من الناحية الاقتصادية بالصورة التي هي عليه الآن، فأرقام التجارة البينية بين الدول العربية متذبذبة جداً كما ذكرنا. ومعظم الاقتصاديات العربية متشابهة وغير متكاملة مما يؤثر على حجم التبادل التجاري البيني. فإن مسألة التجارة البينية بين الدول العربية يمكن أن تخضع لدراسات محايدة تعطي لكل قطر عربي حق التركيز على ميزاته الاقتصادية في مواجهة الأطراف العربية الأخرى. كما أن من الضروري البحث ولو بخطوات بطيئة في توحيد النظام الجمركي والضريبي بين الدول العربية بدون أية تعقيدات إدارية أو حساسيات قطرية. الدول العربية تتحدث صباح مساء عن السوق العربية المشتركة منذ حوالي أربعين سنة، لكن الإرادة السياسية لا تخدم ذلك الهدف ولا تسعى جدياً لتحقيقه، فالبعض يريدها والبعض الآخر لا يتحمس لها وأغلبية بينهما صامتة، ولا تفكر جدياً في أي موقف فاعل. لذلك فإن الدعوة إلى قمة اقتصادية عربية في نوفمبر من هذا العام قد تكون فرصة تاريخية للدخول عملياً في مقدمات ما نطلق عليه السوق العربية المشتركة، فعندما يتحول العرب إلى قوة اقتصادية تستند إلى ركيزة ديمقراطية، على الصعيد المحلي داخل كل دولة، وعلى الصعيد الإقليمي داخل أي من التكتلات العربية أو المشتركة، فحيث تتخذ القرارات ذات المصلحة المشتركة، يقوم كيان العرب المعتبر والمؤثر دولياً. إن شبكة خدمات تربط بين الأقطار العربية المختلفة هي المقدمة الضرورية والطبيعية لخلق المصلحة المشتركة التي نعتبرها اليوم جوهر المسألة القومية، فعندما يمتد الربط الكهربائي وخطوط الغاز كما حدث مؤخرا بين مصر والأردن وسوريا ولبنان مدعوماً بشبكة الطرق بين الدول العربية المتخلفة فإننا نكون بذلك قد أضفنا إلى التجمع الاقليمي العربي على مستوى الانتاج تجانساً اقليمياً عربياً آخر على مستوى الخدمات، لا يقل عنه بل قد يزيد كما يقول الدكتور مصطفى الفقي. ولابد هنا من الإشارة لنقطة لا يمكن إغفالها وهي أن أية محاولة للتكتل أو الاندماج انما تقتضي بالضرورة درجة من التنازل المتبادل بين الأطراف الراغبة في ذلك التكتل. وهنا تبرز من جديد قضية الإرادة السياسية التي تقف خلف كل قرار، اقتصادياً كان أم غير ذلك. إن التجمعات الإقليمية العربية من نوع مجلس التعاون الخليجي أو الاتحاد المغاربي أو تجمع دول الشام الكبير ومعها العراق أو وادي النيل ومعه ليبيا أو تلك التي تستطيع المشاركة في تكتلات أفريقية أو غيرها ذات هوية إقليمية، تلقى الترحيب إذا كانت قادرة على ان تضعها في خدمة الأهداف العربية. إن كل هذه التجمعات هي سند للعمل العربي وتعبيد الطريق نحو المستقبل ونحو دعم لعلاقات حسن الجوار وللكلمة الموحدة في الميدان الدولي الذي يحترم مبدأ العلاقات المفيدة والأهداف المتبادلة، ولا يجب أن نتصور أبداً أن مثل هذه التجمعات هي خصم لدور الدول العربية أو منافس لها أو عبء عليها إذا تقيد المتكتلون بميثاق العمل العربي المشترك. ـ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة