كان السفير الاسبق مارتين انديك ولا يزال نموذجا حيا على انحياز اليهود في كل مكان لعرقيتهم على حساب المواطنة، واحدث دليل، على ذلك تمثل في تقرير مطول «كتبه» (مما لا يتيح له التنصل من اية فقرة فيه على انها زلة لسان في تصريح او حوار شفهي) «انديك» في الاسبوع الماضي «ليديعوت احرونوت» . «انديك» شغل مناصب هامة في الادارة الامريكية كان من ابرزها سفيرا لأمريكا في مصر واسرائيل ومنصب مساعد وزيرة الخارجية للشرق الاوسط. والتقرير الهام كشف تفاصيلا جديدة حول اسلوب ادارة رابين وبيريز وكلينتون للمفاوضات السورية الاسرائيلية والخطوات الايجابية التي التزم بها الرئيس السوري حافظ الاسد تجاه عملية السلام وقابلها الجانب الاسرائيلي بالتلاعب واضاعة الوقت، والاصرار على حصاد التطبيع اولا قبل أي انسحاب او تعهد علني بالانسحاب من الجولان. تحت عنوان الأسد قال لنا لا اعتزم ان اقتل في الشارع مثل السادات كتب السفير انديك:على ضوء نتائج حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفييتي لم يعد هناك خيار عسكري للسوريين ولم يعد هناك أي تهديد من الشرق بالنسبة لاسرائيل، وقد ادى هذا بشكل رئيسي- لاقناع السوريين باتخاذ طريق السلام كخيار استراتيجي . وقد قامت المفاوضات على اسس التفاوض الذي جرى في مدريد، وفي الوقت نفسه صعد رابين للحكم في اسرائيل وكان يردد كثيرا انه يرى ان اسرائيل ستحصد مزايا استراتيجية كثيرة في حالة توصلها لسلام مع سوريا . استراتيجية ثنائية ومع توقيع اتفاقات اوسلو ثار السؤال :هل كان رابين يمنح المسار السوري الاولوية حقا ام انه كان مجرد ستار وتمويه على اوسلو. وفي رأيي فإنه مع مرور الوقت بدأ الأسد يؤمن بأن الموضوع برمته كان تمويها،وأصبح متشككا للغاية في نوايا رابين . ويحتمل حسبما كتب انديك ـــ ان رابين كان يتخذ لنفسه استراتيجية ثنائية التوجيه، فقد رفع شعار سوريا اولا . وفي المقابل ركز بيريز على اوسلو . . رابين انتظر حتى يرى أي المسارين سيتطور اسرع. وفي النهاية اختار المسار الفلسطيني رغم ان الادارة الامريكية كانت ترى ان الظروف مهيأة لاتفاق مع سوريا،وكانت ترى ان القضية الفلسطينية لا تمثل قلقا استراتيجيا لواشنطن. البداية كانت تبشر بنتائج جيدة فقد خرج كلينتون من اول لقاء له مع رابين ليقول لي ان اللقاء كان رائعا . . وروى الرئيس لي (انديك ):سألت رابين هل ترى ان اسرائيل تستطيع التوصل لسلام مع سوريا بدون انسحاب من الجولان وكانت اجابة رابين : لا. لكن لا استطيع ان التزم بهذا الا اذا علمت انه ستتوفر موافقات على احتياجات اسرائيل. وكان هذا التصريح هو بداية «وديعة» رابين الكتابية لدى واشنطن بشأن الانسحاب من الجولان والذي لعب السفير ايتمار رابينوفيتس دورا كبيرا في الحصول عليها من رابين . تم ارسال فحوى ما قاله رابين للأسد وكان رد الرئيس السوري ايجابيا، لكنه عموميا في الوقت نفسه. وزير الخارجية وراين كريستوفر عاد من دمشق وروى ما سمعه، فسارع رابين وقد ادهشنا ذلك ـــ بالتصريح :هناك اخبار جيدة أتت من دمشق. ويسترسل «انديك» :دهشتنا تضاعفت عندما كنت احتفل في استراليا بحفل تعميد ابن احد اقاربي وفقا للشريعة اليهودية ووجدت بيريز يعلن عن اوسلو وبعد ذلك باسابيع صافح رابين عرفات في البيت الأبيض. وفي هذا الاطار طلب رئيس الوزراء الاسرائيلي تجميد كل شيء على المسار السوري لمدة اربعة اشهر حتى يستطيع فيها (هضم) الاتفاق مع الفلسطينيين حسب وصفه. وهنا كان الدور الامريكي هو تهدئة الأسد طوال هذه الفترة،واقناعه بالانتظار. الأسد كان مهتما بالصفقة لدرجة موافقته على الانتظار، ومعروف انه كان جيد للغاية في الانتظار . كذلك ابدى نواياه الطيبة بارساله السفير السوري في واشنطن لحضور اتفاق اوسلو على الرغم من انه كان قد بدأ بالفعل في حزم حقائبه، وكنت انا الذي اتصلت به هاتفيا وقلت له :فلتخرج ما حزمته من حقائبك ستحضر الحفل في البيت الابيض. وديعة رابين وبعد مرور الشهور الاربعة التقى كلينتون بالاسد، في جنيف،وعندما تحدث الاسد عن وديعة رابين قال كلينتون ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يحتاج مساعدة من الرئيس السوري حتى ينفذ التزامه وتتمثل في التحدث الى الاسرائيليين بلغة يفهمونها . . أي ان يذكر الاسد في تصريحات له شيئا عن التطبيع مع اسرائيل، الاسد ذكر بالفعل في المؤتمر الصحفي عبارة علاقات سلام طبيعية وسعدت بذلك انا و «دنيس روس» كثيرا، لكن الاسرائيليين زعموا ان الاسد استخدم عبارة بالعربية لا تقابل كلمة تطبيع، مثلما كان بعض المسئولين العرب يصرون على استخدام كلمة «صلح» بدلا من «سلام» . الاسد اعتبر ان مسئولية اقناع الاسرائيليين بالسلام هي مسئولية رابين وليست مسئوليته هو، لكنه وافق على الطلب الامريكي بادلاء فاروق الشرع بحديث للتلفزيون الاسرائيلي وهو الحديث الذي لم يرض عنه الاسرائيليون لان الشرع قال فيه انه لا يخاطب الرأي العام الاسرائيلي، بل يخاطب الرأي العام السوري وهو ما اقنع المشاهدين الاسرائيليين بأنه غير مهتم بالسلام. الأسد اكد من جانبه انه لن يقدم ما يعتبره السوريون تنازلات خاصة وان ما تعهد به رابين كتابة لا يزال سريا . وبالتالي لا يمكن ان يتحدث عن العدو بالشكل الذي يريده منه الاسرائيليون والامريكيون. ومن هذا المنطلق رفض فاروق الشرع مصافحة باراك في مفاوضات شبردزتاون (يناير 2000) وفي مقابل قول بعض الاسرائيليين لو اتى الاسد للقدس لاعطيناه الجولان ولو صافحنا لاعطيناه بحيرة طبرية قال الاسد لنا :لن اوافق على سلام على طريقة السادات، لأنني لا اريد ان اقتل في شوارع دمشق على يد افراد شعبي . وهكذا تراجع كل شيء بعد اصرار الاسرائيليين على الاشارات العلنية الايجابية من وجهه نظرهم. انديك زعم ايضا انه في مقابل مطالبة السوريين فجأة عام 1993 بالانسحاب لخطوط 4 يونيو 67 وليس للحدود الدولية وافقوا على تشكيل لجنة لترسيم تلك الحدود لانها لم تكن مسجلة على خرائط . . وهو ما يعنى مرونة تسمح بتبادل اراض . بالنسبة للقاء جنيف لم يسمح الأسد لكلينتون باستكمال العرض وقال له : «لا يمكن قبول هذا» . وهو ما تكرر عندما نقل الرئيس الامريكي طلب الاسرائيليين الاحتفاظ بشريط من الارض على الشاطيء الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية حيث قال له :معنى ما تقوله ان الاسرائيليين لا يريدون السلام. وحول امكانية التوصل لحل لكل المعوقات في المستقبل توقع انديك امكانية ذلك على ضوء وجود قادة جدد على الجانبين. فعلى الرغم من ان بشار الاسد لن يستطيع ان يحيد بشكل حاد عن خط والده فانه ينتمى لجيل شاب، وربما يكون اكثر اهتماما بالآثار الاقتصادية الهامة التي ستترتب على السلام. حقا ما اسفرت عنه المفاوضات الطويلة السابقة لا يلزم أي احد بتنفيذه، لكنه يعتبر جزءا من تاريخ التفاوض . وقال: على اية حال ان مواضيع تحديد خط الحدود والترتيبات الامنية وتقسيم المياه والتطبيع ليست معقدة كما هو الامر بالنسبة للقدس . الاسد وافق على ظهور الشرع في التلفزيون الاسرائيلي