جمعني منذ بضعة سنوات لقاء غريب وغير متوقع مع رجل يحمل في ذاكرته جزءا من تاريخنا العربي وبعضا من فواجعنا العربية. وقد تم ذلك اللقاء في باريس عندما كنت باحثا ومعيدا في جامعة السربون العريقة ولم تكن صفحات المجلات والجرائد العربية مفتوحة في وجهي ولم تكن تتسع لقلمي لاسباب .. طواها الزمن فيما بعد, فاحتفظت بشهادة ذلك الرجل في وثائق على مدى سنوات ثم حال تنقلي بين مناطق عديدة في فرنسا والخليج دون نشرها وضاعت مني الى ان عثرت عليها في (كراتين) قديمة حرصت على الاحتفاظ بها ووجدت ان تلك الشهادة لا تزال حية بل هي تلقي اضواء ساطعة على جانب غامض من اجهاض الحركة القومية الناصرية عام 1956. جاء شريط ناصر 56 ليطلعنا على الوجه العربي من العملة, لكن الوجه الآخر, وجه المعتدين الثلاثة لا يزال غامضا وسريا وتكتنفه ظلمات خزائن وثائق الدول المعتدية: فرنسا وبريطانيا واسرائيل, واعتقد انني بنشري لهذا الحديث مع كرستيان بينو وزير خارجية فرنسا عام 1956 اساهم في اماطة اللثام عن اخطر المؤامرات ضد العرب بلسان رجل كان هو المهندس الحقيقي لذلك العدوان مع رئيس الحكومة البريطاني ايدن ورئيس الحكومة الاسرائيلية بن جوريون. لم أكن اصدق من فرط غرابة الموقف! نعم. ما اعجب تصاريف الحياة وما اشد تقلباتها, كنت اخترق الفناء الشهير لجامعة السربون العريقة حيث يجلس تمثال عالم البيولوجيا باستور الى جانب تمثال شاعر فرنسا الكبير فكتور هيجو, وكان مطر شهر مارس يهطل زخات زخات على بلاط فناء السربون النظيف اللامع وكنت ممسكا بذراع ذلك الرجل العجوز وهو يتحرك بصعوبة ونتجه معا الى احدى قاعات الدور الاول هذا الرجل النحيف القصير ذو الصوت المتهدج الذي امسك بذراعه لمساعدته تحت المطر هو نفس الرجل الذي هندس للعدوان الثلاثي على مصر وكان قائد (الجوقة الثلاثية) التي قلبت موازين العلاقات الدولية عام ,1956 نفس هذا الرجل هو الذي مثل فرنسا في اجتماع (سيفر) السري الذي اتخذ قرار العدوان ونفذه نفس الرجل الذي قاد جزئيات العدوان وعاش احداثه من غرفة العمليات وفي معابر قصر الاليزيه وعلى منبر منظمة الامم المتحدة وكان ابرز الوجوه الثلاثة صانعة العدوان الى جانب رئيس الحكومة البريطانية (ايدن) ورئيس الحكومة الاسرائيلية (بن جوريون). كان هذا الرجل الذي يتوكأ على ذراعي هو (كرستيان بينو) وزير خارجية فرنسا في الخمسينيات, اي الرجل الذي كان يحتل الجانب المقابل من خندق الصراع في شريط (ناصر 56) هذا الشريط الذي سعدت بمشاهدته على شاشات السينما وعشت تلك اللحظات الساخنة المتسارعة مع الممثل احمد زكي وهو يحاول استحضار شخصية عبدالناصر ورسم ملامح ذلك التحدي التاريخي لقوى الاستكبار. كان الرجل العجوز الذي يحدثني بصوت خافت هو (كرستيان بينو) وكنت اصررت على مقابلته حين دعاه استاذنا المستشرق دومينيك شوفالي ليلقي محاضرة في قسم الدراسات العليا بالسربون عن السياسة الخارجية الفرنسية في الخمسينيات بازاء حركات تحرر الشعوب, واغتنمت تلك المناسبة لاطلب من كرستيان بينو ان يرفع جزءا من الستار عن العدوان الثلاثي, خاصة وان الدولتين الاخريين المشاركتين في العدوان حفظتا كل الوثائق المتعلقة بالعدوان في خانة (اسرار الدولة) بل ولم يستطع اي مؤرخ ان يحصل على نسخة من اتفاق (سيفر) الذي وقعه الرجال الثلاثة: بينو وايدن وبن جوريون والذي يقرر العدوان وخطواته ومراحله وكيف ستقوم الدبلوماسية في كل من فرنسا وبريطانيا واسرائيل بتزييف حقائقه وملابساته وتسويقه للرأي العام العالمي في شكل (تدخل لوقف العنف)!. وبدأ كرستيان بينو حديثه باعتراف مفاجىء وخطير حيث قال لي: اعتقد اننا اخطأنا, نعم اخطأنا ولم اعد شخصيا اؤمن بان اسرائيل مظلومة وانا اليوم لا اوافق على كثير من ممارساتها, لكن من الصعب ان نفسر ما حدث عام 56 خارج اطاره التاريخي وخلفياته السياسية.ويواصل كرستيان بينو حديثه قائلا: (ليس سهلا ان نحكم على احداث الامس ومواقف الامس بعيون اليوم وعقول اليوم. فالمعطيات تغيرت والمقتضيات تبدلت حتى معنى التاريخ طالته رياح التغيير. لقد كان العمل العسكري الذي قمنا به نحن وبريطانيا واسرائيل ابنا شرعيا للعقدة النفسية التي اصابت اوروبا من جراء محنة الشعب اليهودي على ايدي هتلر والنازية, كنا في عام 1945 بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي نشعر بان علينا دينا يجب تسديده لليهود, كان ذلك هو الشعور السائد في اوروبا كلها, وكنا نعيش تحت وطأة الصور البشعة التي كنا نشاهدها في محطات القطار عندما كان الالمان يأخذون آلاف اليهود في قطارات مكشوفة وفي برد وثلج عشرين تحت الصفر نحو محتشدات (داشو) و (باكنواج). المشكلة كانت بالنسبة للاوروبيين هي ماذا نقدم لليهود كتعويض؟ وجاءت دولة اسرائيل انشئت بقرار من منظمة الامم المتحدة (نوفمبر 47). ومن جهتنا كاوروبيين حاولنا في مؤتمر روما تكوين نواة للوحدة الاوروبية وفكرت انا شخصيا في جيش موحد بين المانيا وفرنسا, وعند وصولنا للحكم في باريس سنة 1956 برئاسة (جي مولي) فيما سمي بالجبهة الجمهورية اختار للوزارة الاولى (بيار منداس فرانس) الذي ساعد على استقلال المغرب العربي ففي نفس العام 1956 استقلت كل من تونس والمغرب وبدأت حرب مريرة طويلة في الجزائر وشعرنا ان شعارات عبدالناصر وتصريحاته بدأت تشكل دفعا قويا لجيش جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالاضافة الى امكانية وصول اسلحة مصرية عبر ليبيا وتونس للثوار الجزائريين. وعينت انا وزيرا للخارجية لكني لم اكن ادير ملف الجزائر فقد كانت شئون الجزائر لدى وزير الشئون الجزائرية وكان (غاستون ديفير) وزيرا للشئون الافريقية ولم اكن انا على صلة الا بالقضية المغربية وارهاصات نفي الملك الراحل محمد الخامس الى جزيرة مدغشقر بينما تكفل رئيس الحكومة (بيار منداس فرانس) بالملف التونسي الذي اوصله الى الاستقلال بعد مفاوضات شائكة. وفي تلك السنة 1956 بلغنا نبأ تأميم قناة السويس ومنع عبور البواخر الاسرائيلية ذهابا وايابا من القناة وقيل لنا وقتئذ ان هذا الاعلان من قبل عبدالناصر ماهو الا انتقام من الولايات المتحدة وبريطانيا على عدم الموافقة على تمويل بناء السد العالي. وبينما كنا في الحكومة الفرنسية تحت وقع هذه الصدمة, ارسل لنا (بن جوريون) رئيس حكومة اسرائيل يقول: (ان عبد الناصر يعد حربا ضد اسرائيل ونحن دولة صغيرة ناشئة وان تأميم القناة ماهو الا حلقة اولى في مخطط ابادة شعب اسرائيل, ورددت الصحافة الفرنسية هذا السيناريو الاسرائيلي. وفي مرحلة ثانية فاجأنا (بن جوريون) بقوله: (سوف نبدأ نحن بالحرب الوقائية ونحتاج من فرنسا وبريطانيا فقط الى غطاء جوي. واعتقد ان كثيرا من اعضاء الحكومة الفرنسية في ذلك الحين كانوا يؤمنون بذلك الطرح الاسرائيلي للاسباب النفسية التي ذكرتها آنفا وبعضهم كان لا يؤمن به وانما كان يريد تلقين درس لعبد الناصر انتقاما منه, لاعانته للثورة الجزائرية, ولكن هؤلاء واولئك وجدوا في عرض (بن جوريون) فرصة سانحة لتحقيق غاياتهم. وجاء الاجتماع السري الذي اصبح شهيرا بعد ذلك باسم (لقاء سيفر) او (اتفاق سيفر) في فيلا بالمدينة الفرنسية الصغيرة قرب باريس (SEVRES) حيث تقابلت مع (بن جوريون) ومع (ايدن) رئيس الحكومة البريطانية. وفي الحقيقة لم يكن اجتماع (سيفر) اتفاقا بل كان مجرد وثيقة خطية حررت بيننا نحن الثلاثة ولكنني فوجئت باعلان (ايدن) بان بريطانيا لا تنوي التوقف عند حد اعانة اسرائيل وتوفير غطاء جوي لها بل هي مستعدة لاحتلال القناة وانزال جيوشها في بورسعيد, وفهمت من اعلان (ايدن) ان بريطانيا تريد منع اسرائيل من احتلال القناة وتولي هذه العملية بمفردها نظرا لوضعها الاستراتيجي في منطقة الشرق الاوسط.ورفضت قطعيا هذا الاقتراح واعلمت (بن جوريون) و (ايدن) انه لا مجال للاحتلال الدائم بل ان العملية العسكرية كما نراها تهدف لمنع التأميم وتلقين عبدالناصر درسا قاسيا.وفعلا نسقنا العملية العسكرية وتمت من 29 اكتوبر الى 7 نوفمبر 1956 واحتل الجيش الاسرائيل سيناء وبدأت الساحة الدبلوماسية تتحرك بعد وقف اطلاق النار.فمن موسكو جاء تهديد خروتشوف بضرب لندن بالقنابل ان تواصلت العملية ضد مصر, وقد تقابلت بعد ذلك عشر مرات مع خروتشوف في موسكو شهورا وسنوات بعد العملية الثلاثية وسألته: هل كانت موسكو تنوي بحق ضرب لندن لو تواصلت العملية, فكان جوابه لا. ومن جانب امريكا فان وزير الخارجية (جون فوستر دالس) اكد لي مرات عديدة بعد العملية ان غاية امريكا كانت ابعاد فرنسا وبريطانيا من اهم المناطق الاستراتيجية في العالم. ولنعد الى ايام العملية العسكرية: تلقيت في اليوم الثالث مكالمة هاتفية من (ايدن) يقول لي فيها: (انني قررت سحب قواتي من بورسعيد والقنال, فاكملوا المشوار لوحدكم, اما من جانب القوات الفرنسية فكانت خسائرنا معدومة اذ لم نفقد الا ضابطا واحدا .. وكان موته من جراء حادثة شاحنة. وتحركت منظمة الامم المتحدة وامينها العام النشيط (داغ هامرشولد) لتتوسط في فك الاشتباكات وتشرف على سحب القوات. واعتقد بعد هذا الزمن الذي مر ان خروج شارل ديجول من الحلف الاطلسي جاء نتيجة تخلي امريكا عن اوروبا في عملية السويس, فقد كانت اوروبا تطمح للعب دورها كقوة اقتصادية كبرى في مجال الاحتفاظ بمناطق نفوذ سياسي وثقافي. واذكر ان محمد حسنين هيكل كتب في الاهرام بعد العملية ومفاوضاتها اللاحقة قائلا: : ان (ايدن) هو عدونا الحقيقي لكن المفاوض الصعب كان (كرستيان بينو). وهناك حدث آخر يبدو بعيدا عن قناة السويس ولكنه ملتصق باحداث السويس الا وهو عملية القرصنة الجوية التي قام بها الجيش الفرنسي لاختطاف احمد بن بيلا الزعيم الجزائري للثورة المسلحة ورفاقه الاربعة, وكانت طائرتهم تقلهم من المغرب الاقصى الى تونس, فقد كانوا ضيوفا لدى الملك محمد الخامس وكانوا ذاهبين للاجتماع مع رفاقهم بجبهة التحرير الجزائرية في تونس حيث كانوا ضيوفا لدى الحبيب بورقيبة, فهذه العملية القرصانية نفذها احد قادة الجيش (ماكس لوجون) باذن خاص وسريع من وزير الدفاع ولا ادري حقيقة ذلك اليوم هل كان رئيس الجمهورية او الوزير الاول على علم بالذي حصل, فالمغرب وتونس كانتا دولتين مستقلتين وهذه ضربة في ظهر العلاقات التي كانت طيبة مع ملك المغرب ورئيس تونس. ومن جهة اخرى اذكر كلمة قالها لي (فوستر دالس) في الباكستان ولم انسها لانها عرفتني على مذكرات السياسة الامريكية اذ قال لي: اسمع ياكرستيان, نحن الامريكان لدينا نوعان من الدول: النوع الاول هي الدول المسيحية وذات الاقتصاد التحرري والثاني هي كل الدول الاخرى, الاولى اصدقاء والثانية اعداء. اما الاستخلاصات التي اخرج بها بعد سنوات من تلك العملية فهي الآتية: ـ ان العملية العسكرية لم ترفع رأس فرنسا ولا بريطانيا ولم تكن لها اي نتائج ايجابية بل كان الاسرائيليون هم المستفيدين منها وحدهم. ــ قال (ايزنهاور) في مذكراته انه لم يكن على علم بنوايا فرنسا وبريطانيا الخطيرة في الهجوم على مصر, ولكني كنت اعلمت سفير امريكا في باريس قبل ايام ولم يكن من المعقول ان تتحرك قوتان كبيرتان في الحلف الاطلسي مثل فرنسا وبريطانيا دون ان تكون الاخت الامريكية الكبرى على علم! ــ كان (ايدن) يعتقد اعتقادا جازما ان جمال عبدالناصر عميل سوفييتي ويأتمر باوامر موسكو, فقد عاد عبدالناصر من مؤتمر باندونع 1955 موشحا بوشاح الزعيم الصيني (شوان لاي) ومحصنا بصداقة الزعيم اليوغسلافي (بروز تيتو). وكانت غاية (ايدن) ان يمنع عبدالناصر من الزعامة العربية على حساب مصالح بريطانيا واوروبا باكملها وامريكا. ــ قدمت وكالة الاستخبارات الامريكية (سي. اي ايه) للرئيس (ايزنهاور) عدة سيناريوهات لاغتيال جمال عبدالناصر ورفضها كلها وعندما سألته شخصيا ذات يوم عن سر رفضه لاغتيال عبد الناصر قال لي: ان اغتياله سوف يزيد من زعامته لكن العمل الناجع الحقيقي ازاء العرب هو ان نتركهم ضعفاء وتابعين لعدة اجيال. ـ لم اعد اعتقد ان اسرائيل مظلومة مثلما كنت اعتقد بعد الحرب العالمية الاولى وانا لا اوافق على ممارساتها وارجو ان يقوم سلام دائم عادل في المنطقة.كان المطر الربيعي الدافىء لا يزال ينهمر على زجاج مكتبة (لالند) بالدور الاول من السربون اعرق جامعة في اوروبا, وكان الرجل العجوز يترشف قهوته التي بردت وكنت اتأمل يديه المعروقتين المتعبتين نفس اليد اليمنى التي وقعت على وثيقة (سيفر) لتعلن الحرب على عبدالناصر ولتفتح باب الشرق العربي للحضور السوفييتي الطويل ولتساهم في صنع زعامة الرئيس المصري بتكريس صورة التحدي الممكن بقطع النظر الى نتائجه بعد عقود من الزمن. كيف تلاحقت احداث العدوان الثلاثي: 26 يوليو 56 : عبدالناصر يعلن عن تأميم القناة 2 اغسطس 56 : البرلمان الفرنسي يندد 7 اغسطس 56 : الحكومة البريطانية تحتج 23 اغسطس 56 : مؤتمر لندن حول التأميم يهدد 30 اغسطس 56 : الحكومة البريطانية ولجنة الخمسة تلوح بالعدوان 31 اغسطس 56 : عبدالناصر يعلن: لا اذعن للتهديد سبتمبر واكتوبر : المناخ متفجر وتحرك اسرائيلي واسع 29 اكتوبر 56 : اسرائيل تحتل سيناء 5 نوفمبر 56 : هجوم مشترك بريطاني فرنسي 6 نوفمبر 56 : امريكا وروسيا ينددان بالعدوان 7 نوفمبر 56 : وقف اطلاق النار وبدأ الانسحاب بقلم : د. احمد القديدي