المفكر الاسلامي د. محمد عمارة من الكتاب المجتهدين في ميدان الفكر الاسلامي كصناعة ثقيلة, يمتلك منهجا ورؤية مستنيرة فيما يخص شئون الدين والدولة في الاسلام. يحلم ببلورة مشروع حضاري عربي اسلامي يكون بديلا لفكرة التغريب ويطالب دائما بنزع زمام القيادة والتأثير من الشريحة المتغربة التي سيطرت عبر التقليد والتبعية للآخر. في حوارنا معه يشرح لنا مفهوم الاجتهاد في الاسلام وشروطه ويتناول دعاوى البعض حول تاريخية النصوص الدينية ومغزاها ويناقش رؤية الاسلام لحرية الفكر والاعتقاد وتكفير الآخرين وكذلك حد الردة وتطبيق الشريعة والنماذج التي تطبقها على الساحة العربية والاسلامية.. وقضايا أخرى ناقشناها في الحوار التالي: * كثيرون يرددون مصطلح الاجتهاد دون أن يعرفوا معناه.. بداية ما هو مفهوم الاجتهاد في الاسلام؟ ــ الاجتهاد هو استنباط حكم من النص, اذا كان هناك نص, أو استنباط حكم قياسا على نص, إذن الاجتهاد يبدأ من أنه إيمان بنص, فعندما أقول (فلان) مجدد في الماركسية أي يرجع الى أدبيات الماركسية ويفسر ويبدع في اطارها. لهذا الاجتهاد هو استخراج واستنباط حكم من نص من النصوص الثابتة, فإذا كان هناك حادثة أو واقعة جديدة ليس لها نص مباشر وحكم واضح نستنبط لها حكما قياسا على حكم شبيه لها مستخرج من نص. إذن في كل حالات الاجتهاد الانسان ينطلق من منظومة فكرية أو نسق فكري, وبالتالي أنا لست ضد أن يأتي مستشرق ويجتاح الاسلام.. هذا أفهمه, إنما أن يأتي من يقول لك أنا مسلم ثم يجتاح ثوابت الاسلام, فهذا كمن يضع السم في العسل, هذا هو الافساد الفكري الذي يمارسه من يقدمون ما هو ضد الاسلام على أنه الاسلام, ويغشون في البضاعة, فتجد كل تلاميذ التنوير الغربي يقعون في تلك الهوة السحيقة. الاجتهاد أمر الهي * وما المقصود بمقولة اغلاق باب الاجتهاد وأنه لم يعد هناك تجديد في الفكر الاسلامي منذ تراجع الحضارة الاسلامية؟ ــ أولا أنا متحفظ على تعبير (اغلاق باب الاجتهاد) لماذا؟ لأن الذي فتح باب الاجتهاد هو الله سبحانه وتعالى ورسوله, دعوا الى العقل والاجتهاد لأن الاسلام كشريعة خاتمة, لا يعيش إلا بدوام الاجتهاد والتجديد, والا ينسخ ويصبح مثل الشرائع السابقة. إذن ما فتحه الله لايستطيع بشر أن يغلقه, وليس هناك علماء أغلقوا باب الاجتهاد لأنه ليس (بابا) واحدا يفتحه وآخر يغلقه. الذي حدث أنه عندما تراجعت الحضارة الاسلامية ذبل الاجتهاد في ميدان المعاملات وليس العبادات, حيث ظل الفكر الديني في مجال العبادات متطورا وفيه ثراء في التفاصيل أحيانا تكون أكثر من اللازم لأن العبادات ظلت تمارس. الانتكاسة الكبرى يضيف د. عمارة بدأت على أيدي المماليك عندما استحدثوا نظاما يسمى (الياسة) صاحبه هو جانكيز خان, وجعلوه نظاما للعسكر والدواوين السلطانية (مثل الوزارات الآن) والقضاء, وهو نظام يعد خليطا من اليهودية والوثنية والمسيحية والاسلام, لأن المماليك أصولهم من التتر, فحدث نوع من الازدواجية القانونية, الشريعة يحكم بها الناس, إنما الدولة وجهازها فيحكمهم نظام (الياسة) تماما مثلما نرى في بعض المجتمعات الآن قضاء عسكريا وقضاء مدنيا, قانونا عسكريا وقانونا مدنيا. اذا حصل اختراق قانوني شبيه بالبلاء الأكبر الذي جاء به الاستعمار الفرنسي والانجليزي فحدث فصل بين الدين والدولة وأصبح سائدا أن أمور المعاملات لا يحتكم فيها الى الشريعة وأنت اذا لم تتداول العملة لا يشتريها الناس, فقل الطلب على فقه المعاملات الاسلامي, ومن ثم ذبل الاجتهاد فيه وهو ما يسمونه خطأ اغلاق باب الاجتهاد, لكن عندما بدأ الناس يتحدثون عن النظام الاسلامي وتطبيق الشريعة والاقتصاد والبنوك, ظهرت الى الوجود دراسات في الاقتصاد في الاسلام لم تكن موجودة من قبل, لأن الاقتراب من الواقع يطرح علامات استفهام تحتاج الى اجابة, والحاجة هي أم الاختراع كما يقولون. تاريخية النصوص * تاريخية النص الديني دعوى يتبناها البعض الى ماذا تهدف؟ ــ تاريخية النصوص الدينية مذهب يتبناه تلاميذ التنوير الغربي وفي مقدمتهم محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهما, أي أن معاني وأحكام القرآن الكريم مرتبطة بزمن معنى, أي صالحة ومرتبطة بتاريخ, ويعتبرون الكتب المقدسة كانت تمثل مستوى عصر طفولة العقل البشري, وأنه لما ارتقى العقل البشري وصل الى الفلسفة الوضعية, وبالتالي أصبحت النصوص الدينية في (المتحف) معانيها لم تعد حقيقية وإنما أصبحت مجازا, ود. نصر أبو زيد يتبنى هذه النظرة المادية والوضعية ويطبقها على القرآن, ويقول في أحد كتبه بالنص: (القرآن خطاب ونص بشري, وليس في القرآن معنى واحدا ثابتا ومطلقا).. وقلت له في المناظرة التي جرت بيني وبينه أنا أسألك: قل هو الله أحد كيف لا يكون هذا المعنى ثابتا, كيف يكون تاريخيا يعني الله كان واحدا قبل قرون والآن الأمر تغير؟!! ــ المشكلة أن يأتي هذا الكلام من مسلمين, فأنا أحترم عدوي ونقيضي الفكري اذا أعلن أن هذا موقفه, لأنه لا يخلط الأوراق ولا يمارس الغش الفكري والثقافي. أنا لا أكفر أحدا لأنني أرى أنه ليس في الاسلام سلطة لها حق تكفير الانسان, ولا أؤمن بأن هناك حدا للردة اذا كانت مجرد اختيار فكري. * كيف؟ ــ الردة يصبح لها عقوبة دنيوية اذا كانت حرابة وخروج على الأمة مثل الخيانة الوطنية, ولذلك, الحديث الذي يستند اليه في عقوبة الردة والقتل, أن من بدل دينه وفارق الجماعة, أي خرج على الأمة, إنما اذا كانت الردة نوعا من الفكر اقتنع به الانسان يحاور لأنه لايمكن أن يكون هناك اثمان ثمرة للاكراه, فلا إكراه في الدين, والاكراه يأتي بنفاق ولا يأتي بايمان, الأفكار لا تحاكم, ولست مع رفع القضايا بالنسبة للأفكار لأننا نستنكر تدخل الدولة العباسية مثلا في قضية خلق القرآن وامتحان العلماء, فلماذا الآن نلجأ الى السلطة والدولة والقضاء, إذن أنا موقفي واضح في هذه القضية. اذا كانت الردة اختيارا فكريا, لكن صاحبها يعيش في الأمة وينتمي اليها ولايخرج عليها أو يوالي أعداءها يبقى ويحاور الى نهاية عمره, وهذا رأي بعض الفقهاء والبعض قال حول الاستتابة, يستتاب ثلاثة أيام, وآخرين قالوا شهرا حتى ثلاثة أشهر وهناك من قال يستتاب أبدا باعتبار أن هذا مرض يعرض للفكر مثل الأمراض العضوية, وهذا يعالج, إنما الخطر هو في الدعوة للالحاد. هناك فارق بين حرية الاعتقاد وبين حرية الدعوة للالحاد لماذا؟ لأننا اذا اعتبرنا الايمان الديني مقوم من مقومات المجتمع, اذن الدعوة للالحاد هي هدم لمقوم من مقومات المجتمع, وكل مجتمع له ثوابت لا يبيح حرية هدمها وهذا ليس ضيقا بالحرية, وإنما لأن العدوان عليها هو عدوان على حرية الآخرين. الشريعة الاسلامية * هل هناك اشكالية ما تحول دون تطبيق الشريعة في بعض الدول الاسلامية؟ ـ بعض الناس يغفل أن هناك فارقا بين الشريعة الاسلامية كوضع إلهي صالح لكل زمان ومكان و بين ما هو خاضع للتطور والتغيير, في الشريعة الاسلامية حجم المبادئ العامة والكليات أكبر من حجم الأحكام, الشريعة فصلت أحكاما في الأمور الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان, لكن ما هو قابل للتغير والتطور تركته في اطار مبادئ (لا ضرر ولا ضرار) وأنت تستنبط من هذه القاعدة كل ما يتفق مع نفس الضرر والضرار. اذن الشريعة فيها فلسفة وتشريع أكثر مما فيها من تفاصيل أحكام تشريعية, وهذا هو سر خلودها. ما يواكب الجديد هو الفقه وهو علم الفروع, أي اجتهاد بشري محكوم بفلسفة التشريع الإلهي, وبالتالي لاتوجد مشكلة بين الأصالة والمعاصرة في النظام الاسلامي, لاتوجد مشكلة جمود إلا عند الذين يجمدون. الأمر الآخر الذي يغفل عنه بعض الناس هو أن النظام الاسلامي, ليس وحيا إلهيا, النظم جميعها ابداع بشري, الاسلام يقر الشورى كمبدأ, لكن نظام الشورى نحن الذين نبدعه, ويتغير من نظام لآخر ومن مجتمع لآخر. العدالة مبدأ عام أما النظام الاقتصادي الذي يحققها فأمر آخر قطاع عام أو خاص, تعاوني أو غير ذلك كل هذا يختلف من مكان لآخر أو مجتمع لآخر.. الأمة هي التي تختار نظام الدولة, لهذا النظام الاسلامي يتميز عن دولة الكهانة الكنسية وعن دولة العلمانية.. فدولة الكهانة الكنسية في الحضارة الغربية فيها الله, والكنيسة هي نائبة عن الله, ليس فيها الأمة, والحاكم معصوم كنائب عن السماء يحكم بالحق الإلهي وفي الدولة العلمانية توجد الأمة والحاكم نائب عن الأمة ولا وجود لله, أما الدولة الاسلامية ففيها الله والأمة والدولة. وأنا أقول لا تقوم الليبرالية إلا بدولة ليبرالية, ولا تقوم الاشتراكية إلا بدولة اشتراكية, فكيف تقوم الاسلامية بدون دولة اسلامية؟ ــ والذي يميز النظام الاسلامي عن غيره هي قضية المرجعية, ليست هناك طبقة حاكمة ولا دولة فقهاء, وتاريخيا عندما طلب أبوجعفر المنصور من الامام مالك أن يجعل كتابه قانونا للدولة رفض وقال له هذا اجتهاد مالك, وهناك مجتهدون متعددون, اذن التعددية في الرؤية الاسلامية سنة من سنن الله لا تغيير لها ولا تبديل, ولا واحدية إلا للذات الالهية, وما عدا ذلك هناك ازدواج وتعدد في الأمم والشعوب والقبائل, تعدد في الألسنة واللغات والقوميات, في الشرائع والمناهج والحضارات. اذن النظام الاسلامي نظام متكامل ونسميه اسلاميا عندما يحقق المبادئ الاسلامية, دون وساطة ولا كهانة ولا جمود, ابداع بلا حدود بشرط ألا يحل حراما ولا يحرم حلالا. النموذج الامثل * الحديث عن تطبيق الشريعة الاسلامية, يدفعنا للسؤال حول النموذج على سبيل المثال.. ايران أم السعودية أم السودان؟ ــ تلك مواقف سياسية مسبقة ضد هذه النظم, وأنا لا أريد أن أناقش لا نظام السعودية ولا ايران ولا السودان, لكن أؤكد على أن لكل بيئة ظروفها ولكل تحديات ما يناسبها, قد يكون النظام الايراني مناسبا لايران, وقد يكون ما أرفضه فيه هو مصدر قوته, مثلا أنا ضد نظام ولاية الفقيه, وكتبت ضده منذ جاء الخميني الى ايران عام ,1989 وانتقدت هذا النظام, لكن الحق أن هذا المبدأ كان سر قوة الخميني في أن يقوم بثورة ويخرج الشاه إذن علينا احترام خصوصية المكان والتجربة بالنسبة لاي بلد.. لماذا؟ ــ لأن الاسلام أقام خمسة جوامع في اطار الشريعة: وحدة في الأمة وفي الدار وفي الشريعة وفي العقيدة وفي الحضارة وهناك تعددية في الفروع. إذا لا يعنيني أن السودان فيه نظام خاص قائم بذاته, ولست ملزما بأن أجيب عن سؤال: أنت عايز نظام السودان أم ايران أم السعودية, قد يكون هذا النظام صالحا لايران وغير صالح لمصر ولا يصلح للسعودية, والدولة الاسلامية في عز مركزيتها لم تكن فيها مشكلة, مصر كانت اقليما له ولي ومختلف في ظروفه وعاداته وتقاليده عن نجد والسودان.. الخ. اذن في النظام الاسلامي ليس هناك شكل واحد أو نموذج محدد ولك أن تتصور في هذا النظام أن المفتي عندما يسأل أو يستفتى في أمر عليه أن يسأل المستفتي عن بلده لكي يفتيه وفق عادات وأعراف هذا البلد, بل وأحيانا مطلوب منه أن يسأل عن مذهبه ليفتيه بمذهبه وليس بمذهب المفتي. تيار الجمود وتيار الاجتهاد * الرؤية التي تطرحها تختلف عما يطرحه تيار الاسلام السياسي وهو الأمر الذي تتخوف منه فصائل وتيارات المجتمع الأخرى.. كيف ترى الأمر؟ ــ أولا كثير من فصائل المجتمع ومؤسسات الفكر والثقافة المهيمنة تتبنى الفكر الديني التقليدي الجامد والمغلق, وأحيانا الجاهل, أو أنها تتبنى الفكر العلماني الذي يجتاح الفكر الديني, وتستبعد تيار الاجتهاد والتجديد لأن الفكر التقليدي والجامد لا يقدم بديلا يناقش ما عليه النظم والحكومات ولا يزعجهم, لذلك أحيانا أتأمل مفارقة غريبة في الدول التي يغلب على كثير من مؤسساتها الفكر العلماني لم تكن منزعجة عندما كان كل خطباء المساجد بعيدين عن كل شئون الدنيا ويتحدثون عن عذاب القبر والآخرة وأمور السماء وكأنهم خبراء في السماء ولا علاقة لهم بالأرض, وعندما بدأ الفكر الديني يتحدث في الشورى وفي الثورة ووحدة الأمة وقضاياها انزعجوا لأن الاسلام هنا يقدم كنموذج قابل للتطبيق وبالتالي أصبح مزاحما للفكر العلماني المستقر وهذا عليه خطوط حمراء. أما تيار الاسلام السياسي أنا لا يزعجني أن تكون هناك شرائح مغلقة أو جامدة, بل وحتى شرائح العنف هي جزء من افراز الواقع الموجود. ونحن طوال التاريخ الاسلامي عندنا مدرسة نسميها مدرسة الأثر وهم الذين يقفون عند النصوص, ومدرسة الرأي التي توازن بين العقل والنقل وتوازن بين النصوص, وأغلب المسلمين على مر العصور ينتمون لمدرسة الرأي, ولا أحلم أن يكون هناك نسف فكري للأمة كلها, لكنني أحلم ببلورة مشروع حضاري عربي اسلامي يكون بديلا لفكرة التغريب ونزع زمام القيادة والتأثير من الشريحة المتغربة التي سيطرت عبر التقليد والتبعية الغربية. الدين والسياسة * لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة شعار طرحه الرئيس الراحل أنور السادات ويتبناه البعض.. الى أي مدى هذا صحيح؟ ــ في الاسلام أصول وقواعد وأركان ثم فروع, والسياسة فرع من الفروع, الاختلاف فيها ليس من معايير الكفر والايمان وإنما ضرر ونفع وصواب وخطأ, عندنا سياسة شرعية ولكن ليس اسلاما سياسيا. والقول بأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين خطأ وتطرف, فنحن لا نريد افراطا وتفريطا, هناك علاقة بين السياسة والاسلام لايجب استبعادها فهذا مرفوض, السياسة بعد من ابعاد الدين. العلمانية رد فعل لكهانة جعلت الدولة دينا, وقدست الدولة قداسة الدين وأخرجت الدين تماما من الحساب . الاسلام لايفعل ذلك, فهناك دين له أخلاقياته, وهناك علم لا يحجر الاسلام عليه مادام لايضر الانسان, أيضا الاسلام لايجعل الدنيا دينا خالصا ويعزلها عن العالم, هناك تميز بين الدين والدولة, ليس تطابقا ولا انفصالا. * اذا تحدثنا عن وضعية المرأة في الاسلام ومشاركتها في الحياة السياسية عموما ماذا تقول؟ ــ هذه القضية محسومة منذ 14 قرنا مضى, المرأة مثل الرجل في الولاية السياسية, والدولة في الاسلام تأتي تحت فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبالتالي المشاركة في العمل العام مكلوبة وللمرأة مثل الرجل, فالسياسة عبارة عن مشاركة في العمل العام والانتخابات والترشيح للمجالس النيابية أو غيرها جزء من العملية السياسية التي يجب أن تقبل عليها المرأة اذا سمحت ظروفها الخاصة بذلك والقرآن الكريم يقول: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) صدق الله العظيم وتاريخيا في بيعة العقبة قبل الهجرة التي هي عقد تأسيس الدولة الاسلامية شاركت المرأة في التأسيس وكان المؤسسون 75 من الأنصار 73 رجلا وامرأتان بايعوا الرسول عليه الصلاة والسلام على تأسيس الدولة. والحادث في بعض بلادنا من عادات وتقاليد لا علاقة له بالاسلام ولا يجب أن تحمل عليه ظلما مثل تحريم قيادة المرأة للسيارة أو تأتي بسائق أجنبي.. أين الاسلام من ذلك.. هذه قضية عادات وتقاليد لابد أن نسميها كذلك ونطورها ولا ندعي أنها اسلام, لأن العادات أي مصلح لا يدير ظهره لها لأن لها مكان وسلطان يعلو أحيانا على سلطان الفكر, وتصل أحيانا لمستوى العقيدة, حتى أنه في قواعد الشريعة هناك قاعدة تسمى (العادة المحكمة) أي العادات والتقاليد والأعراف وهي جزء من مصادر التشريع, نحاول أن نطورها ونهذبها لنصل الى المثل الاسلامية. لذلك أنا لست مع الحركات النسوية التي تريد أن تجتاح العادات والتقاليد, واعتبرها نوعا من الغلو والتطرف, وأعتقد أن تطوير الواقع حتى نصل للمستوى المطلوب أمر يحتاج الى تخطيط, نهيئ الواقع ونثقف الناس حتى يتقبلوا التغيير, لذلك تجد الكثير من البيانات والتشريعات يرفضها الواقع, والكثير من النظم كانت مثالية, وعندها مقاصد نبيلة لكنها لم تهيئ الواقع, فحاولت أن تجعل الاصلاح دواء مرا بدلا من أن يكون مطلبا للناس يتشوقون اليه, وفي الاسلام الهدف والمقصد للتغيير قضية تحتاج لأن تدرس . التغيير هنا لابد وأن يأتي من داخل النفس ويحتاج الى اعادة صياغة للانسان, لذلك أقول أن الصناعة الثقيلة التي بدأ بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي صناعة الانسان, وأول مؤسسة أقامها هي (دار الأرقم ابن أبي الأرقم) وهي دار تربوية صاغت جيلا, هذا الجيل هو الذي غير الواقع, لاحظ الترتيب أولا نصنع الانسان وهذا الانسان يغير الواقع فاذا تغير الواقع أصبحت هناك دولة تحكم هذا الواقع, إنما القفز على الدولة وعلى العمل السياسي أمر فاشل ومرفوض. الاستقلال الحضاري * هل ثمة سبيل لتحقيق استقلال حضاري عربي ينأى بنا عما نحن فيه الآن؟ ـ نعم.. إن في الوسع الحديث عن مستقبل حضاري وثقافي لأمتنا العربية الاسلامية, وبذور حضارة جديدة, تمتص أحسن ما في القديم, وتضيف اليه جديدا. ليس هذا فحسب, بل إن هذا السبيل هو طوق النجاة لهذه الأمة من التبعية والمسخ والضعف والمهانة والهلاك! هذا السبيل ليس أمنية عزيزة المنال أو حلما مثاليا يستعصي على التحقيق, فالتمسك بالهوية العربية والاسلامية وهو واقع الأمة اذا استثنينا الشريحة المتغربة هو بداية هذا الطريق الأوحد للتقدم الحقيقي والنهضة الحقيقية لأمتنا, أما العوائق التي تحول بين الأمة وبين التقدم على هذا الطريق, فلابد من النضال لإزالتها وفي مقدمتها: ـ بلورة المشروع الحضاري العربي الاسلامي, أي البديل الحضاري لفكرة التغريب ونهجه في التحديث. ـ نزع زمام القيادة والتأثير من الشريحة المتغربة التي سيطرت بمساعدة الاستعمار. ـ نقد العقل العربي ذاته ايجابا وسلبا, وهذا النقد ضروري ليتمكن هذا العقل من صياغة مشروعه القادر على مجابهة تحديات التغريب, والانتصار عليها. اما نقطة الابتداء لاستقلال العقل العربي بفكره, والذي هو المدخل الصحيح الى حضارة جديدة, فهي اختيار الهوية المفضية بالطبع, الى هذه الحضارة الجديدة, وهذه الهوية عندي وفي ظروف أمتنا هي الاسلام, الاسلام المجاهد العقلاني المستنير, إسلام العدل الاجتماعي, الذي صلح به أول هذه الأمة. القاهرة ــ أحمد عيد: