في المنتديات الفكرية والثقافية, تشغل هموم الدولة الخليجية اكبر اهتمام من المشاركين والباحثين, ويعود السبب الى الرغبة في معرفة انجازات هذه الدولة الداخلية, وقيمتها الخارجية, واقترابها من القواعد الدولية التي تصنف الدول على اساس نظامها السياسي والاقتصادي, والاجتماعي, وادائها الداخلي, وتوجهاتها الخارجية. هناك: مثلا, اجماع على ان مملكة الدانمارك تلتزم بهذه القواعد, وان كوبا لا تعترف بها, والعراق خارج عنها, وتركيا تكافح للتقرب منها, وحركة سورية نشطة لتبنيها, وقلاقل في باكستان بسبب التخلي عنها, وتطور واسع في الهند بفضلها. ويسعد المواطن الخليجي عندما يرصد دينميكية محلية تراقب وتنصح وتنتقد واحيانا تدين, لكنها مسالمة تنشد المصلحة العامة. بهذه الروح, استضاف يوسف الجاسم صاحب برنامج ( 6 6 ) الذي يذيعه تلفزيون الكويت اسبوعيا, بعض الشخصيات الخليجية في حلقة اذيعت مباشرة على الهواء, مساء الثلاثاء الماضي 27 فبراير منهم عبدالرحمن الراشد رئيس تحرير (الشرق الاوسط), ومجيد العلوي الباحث البحريني المستوطن في لندن, ومحمد الكواري من قطر, وكاتب هذه السطور الذي جلس على يمين مقدم البرنامج, بينما جلس الآخرون في مواقع في قطر ولندن. وكان الموضوع هو (اين الدولة الخليجية من هذه التطورات التي يعيشها الكون, ومدى تقييم ادائها, وماهي نواقصها, ومسببات تأخرها, ومؤشراتها المستقبلية)؟. والواقع ان اختيار الموضوع جاء مع بعض التوجه العام في المنطقة في التعرف على قيمة الدولة الخليجية عربيا, واقليميا ودوليا, ووزنها في المحافل العالمية, ومساهمتها في القرار العربي, وفي المنظمات السياسية وغير السياسية المنتشرة في اصقاع الكرة الارضية. وفي هذه الاجواء المتسمة بالتحفز لمعرفة الاراء التي تؤثر على توجهات الرأي العام, وتشكل الجسور بين اصحاب القرار والقاعدة الشعبية, بدأ السؤال الاول عن وزن الدولة الخليجية عربيا, واين يسكن مهندسو القرار العربي, ومن هم اصحاب التأثير في الشأن العربي؟ بصرف النظر عن حجمهم وموقعهم, فلم يعد حجم الدولة وضخامة جيشها معيارا لسلطتها ومكانتها, فدولة سنغافورة اكبر من اوغندا او الكونجو تأثيرا ومساحتها لا تزيد على مئتين كيلو متر مربع. اتخذت القمة العربية التي اجتمعت في القاهرة حول مسيرة السلام, قرارين, الاول جاء بمبادرة سعودية ــ اميرية, جسدها مقترح الامير عبدالله ولي العهد ونائب رئيس الوزراء بانشاء صندوق تعهدت المملكة بالمساهمة بـ 250 مليون دولار (اي 25%) من رأس المال, والثاني القرار الذي جدد التزام الدول العربية بمسيرة السلام كخيار استراتيجي, وهو موقف اعتمدته دول الطوق, وساندته الدول العربية, ومنها دول الخليج, ذات العلاقات الكونية المستمرة مع الجميع, والمعروفة بالمصداقية والالتزام. ومع قرار الدعم, جاءت الكويت بتبرع 150 مليون, الامارات ,150 وقطر 50 مليون وعمان عشرة, البحرين ثلاثة, المجموع (ستمئة وثلاثة عشر مليون) اي الثلثين من الصندوق المقترح, خرج من الخزينة الخليجية, وهو عنوان بارز على الدور المؤثر في القرار العربي .. وبدونه ما كان للصندوق ان يرى النور. ومع الجدل حول هذه الحقيقة المعبرة عن التبدلات في الساحة السياسية العربية, تأتي الحقبة الاخرى في السياسات النفطية التي اكدت الريادة الخليجية في هذا الحقل الاستراتيجي, وما تعني هذه الريادة من اداء مضمون الاعتدال لمنظمة اوبك, يوازن بين شرعية الطلب وشرعية الانتاج, ويحرص على الأمن الاقتصادي العالمي. ومع ترسيخ هذا الواقع تنحسر القدرة الراديكالية في سياسات الطاقة, وتلمع الدولة الخليجية كعنصر مضيء وصحي في العلاقات الدولية, ويتم الترحيب بهذا الدور عالميا, تثمينا للاعتدال, ولحسن التصرف في السلعة النادرة التي تتوقف سلامة الاقتصاد العالمي عليها. وتشهد الدولة الخليجية نجاحا في بناء الترابط الاستراتيجي الامني بينها وبين الاسرة الدولية, من اجل الحفاظ على الامن في الممرات الدولية في وسط الخليج, بعد تجاربها مع التدخلات الايرانية وسط الثمانينيات, لعرقلة حرية الملاحة. وتنشىء الدولة الخليجية ايضا شراكة امنية مع الدول الكبرى, لابعاد احتمالات الانفجار الذي قد يصدر من راديكالية ايرانية, او من شوفينية عراقية, بعد التجارب المريرة التي عاشتها الدولة الخليجية, مع كل من البلدين. جاءت هذه الشراكة بين الدولة الخليجية والاسرة الدولية, تعبيرا عن عزم اعضاء هذه الاسرة على ان تكون المنطقة مسالمة ومستقرة, وان تكون مصادر الطاقة فيها مؤمنة وسليمة. وفي داخل الدولة الخليجية, حركات دائمة شبيهة بحركة المختبر الكيماوي المتفاعل مع الاجواء, فالشيخ حمد بن عيسى, امير دولة البحرين, يصدر قراراته التاريخية التي مسحت الجمود المسيطر لثلاثة عقود, ويضع البحرين في موكب متقدم جدا مع التطور السياسي والاجتماعي يتجاوز الحدود الاقليمية. كما يعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, امير دولة قطر, بان الحياة البرلمانية ستبدأ بعد ثمانية عشر شهرا لتدخل الدولة الخليجية في حالة فوران شامل. لم يكن المشاركون الآخرون متحمسون لهذه الاطروحة, العروبيون لايعتقدون بان نظام صدام حسين يشكل خطرا على احد, ويتصورون بان الخطر على الخليج قادم من الامبريالية الامريكية وتحالفها مع الصهيونية. ويرون بان الدولة الخليجية ما زالت رغم التطورات, جامدة مسكونة بالخوف من التغيير وتتحكم فيها البيروقراطية. وكانت النقطة المثيرة هي قدرة الدولة الخليجية على الحفاظ على امنها من العدوان الخارجي دون الاستعانة بالحلفاء, مع الاصرار على قيام الجيش الخليجي الموحد لسد النقص في الطاقة البشرية. لا استطيع ان اراهن على حسن نوايا النظام العراقي, الذي سيكرر عملياته ضد الكويت, بدون حماية دولية, لان الجيش الخليجي لن يرى النور خلال السنوات المقبلة, وان الكونفيدرالية الخليجية ستأخذ وقتا ايضا. هناك نقد لاذع لبطء المسيرة في المسارات الامنية والاقتصادية, وفي الانفتاح الداخلي, وهناك شعور بان اصحاب القرار لايرغبون في تحقيق التطوير, ولا يرغبون في تحقيق مكانة بارزة داخل الاسرة الدولية, لا اعرف مسببات اليأس والاستخفاف التي جاءت مع مداخلات المشاهدين, فالاستاذ محمد الصقر, رئيس لجنة الشئون الخارجية في البرلمان الكويتي, وهو سياسي نشط في الخليج وخارجه, لا يرى اي دور للدولة الخليجية سواء في اطارها الاقليمي او الدولي, فلا شأن لها بالواقع العراقي, ولم تشارك في قرارات مجلس الامن حول الحالة العراقية, ولا حتى داخل منظمة اوبك, ولم تصلها بعد املاءات التطور في تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر. وتأتي مداخلة فيصل المسعود رجل الاعمال الكويتي, الذي قدم اقتراحا بتجزئة مسار مجلس التعاون الى مسارين, واحد يضم الكويت, البحرين وقطر, وآخر يضم عمان, الامارات, والسعودية, وذلك من اجل الاسراع في الانجاز وعدم الاستسلام للجمود الذي يأتي من التباين في الانظمة. ويرافق هذا الرأي, نقد شديد من قبل رجل الاعمال الكويتي لانجازات المجلس الذي حتى الآن لم يحسن التعامل مع الجانب الامني والاقتصادي. ويقول رجل الاعمال القطري محمد الكواري, بانه يؤمن بدور الاحلام في دفع مسيرة السلام, لان الاحلام هي رغبة مكبوتة ربما تتحول الى هدف, ويستنجد بالعبقري المتنبي قائلا ( على قدر أهل العزم تأت العزائم), والمسيرة الحالية معبرة عن حجم العزم الذي يملكه القادة. موضوع الأمن مثير جدا للمواطن الكويتي, فلا يستطيع التسامح مع النظريات المتوارثة حول الامبريالية والاستعمار الامريكي, لان هذه النظريات موروثة من قبل الغزو, لا تصلح مع هذه الذهنية الامنية الكويتية. وربما أثار المواطن البحريني مجيد العلوي حفيظة المشاهدين في الكويت عندما نصحهم بالاعتماد على الجيش الخليجي وجيش الامة العربية . واتذكر مداخلة للكاتب عبدالامير التركي, وهو كاتب مسرحي معروف, ويكتب يوميا في جريدة (السياسة) الكويتية, يعترض فيها بشدة على مواعظ العلوي حول الامبريالية, ويرسم صورة المواطن الكويتي المجروح من تجربته والمدرك لواقعه, والمثمن لقدرات الآخرين, والعارف بالتعقيدات والملابسات داخل الاطار العربي. ويميل الى الرأي الذي ادافع عنه في الحفاظ على الكونية الامنية لمنطقة الخليج, ومهما كانت الاختلافات فان المهم هو تثمين دور الدولة الخليجية في الشأن العربي, والاقليمي والدولي, دون مبالغة, ولكن دون تعسير. اعتقد ان الثقافة السياسية لدول الخليج ساهمت الى حد كبير في الحفاظ على المكانة الرفيعة التي تحتلها هذه الدول في النظام العالمي, وصحيح ان الطاقة النادرة التي تملكها احاطتها بهالة صحية من القبول, ولهذه المسببات التي تتجمع لصالح الدولة الخليجية, يظل الشأن الخليجي شأنا دوليا, يتمتع بالامتيازات ويلتزم بالقيود التي فرضتها حالة تملك الطاقة النادرة. واعتقد ان التحولات في البحرين وقطر ستساهم بدفع مسيرة مجلس التعاون نحو اهدافها باسرع مما نتصور, ويمكن وفق ما نحلم.