يعد مجلس التعاون الخليجي الوحيد بين التجمعات العربية الذي يتضمن ميثاقه التأسيسي بندا حول التعاون العسكري, وقد أنشئت ضمن هيكل المجلس أمانة عسكرية لتنسيق الشئون الدفاعية بين الدول الأعضاء, كما تم تشكيل لجنة عليا عقدت ستة اجتماعات حتى الآن لمتابعة تنفيذ قرارات الدفاع الجماعي والتعاون العسكري. والآن؛ وبعد عشرين عاماً على قيام المجلس, تحقق إنجاز كبير في مسيرة التعاون الأمني والعسكري, وذلك من خلال التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك, وذلك في قمة المنامة الأخيرة ليضاف هذا الإنجاز إلى إنجازات أخرى كبيرة حققها المجلس على طريق التعاون والتكامل في مجال الدفاع والتنسيق العسكري والأمني المشترك, أهمها إقرار مجموعة كبيرة من الوثائق والدراسات المتعلقة بالسياسة الدفاعية وما تضمنته من تصور استراتيجي في مجالات التعاون العسكري على اختلافها. ويُطرح موضوع أمن الخليج على أكثر من مستوى, أولها المستوى الوطني, وثانيها مستوى الأمن الجماعي في إطار مجلس التعاون, وثالثها المستوى الدولي من خلال الاتفاقيات الأمنية والعسكرية الثنائية ورابعها المستوى العربي الأمر الذي يعني بالضرورة أن دول الخليج بات عليها أن تختار من بين عدة بدائل يمكن بلورتها في أربعة خيارات رئيسية. الوجود الأجنبي الخيار الأول: استمرار دول التعاون في الاعتماد على الوجود الأجنبي في الخليج عموماً, والوجود الأمريكي على وجه الخصوص لتوفير الحماية لهذه الدول وردع التهديدات الموجهة لها لاسيما من قبل إيران والعراق. هذا الاعتماد يتحقق من خلال ترتيبات واتفاقيات أمنية مع الولايات المتحدة ومع بعض الدول الغربية الأخرى كبريطانيا وفرنسا, ومن أمثلة هذه الاتفاقيات, الاتفاق الأمني بين الكويت والولايات المتحدة الموقع عام ,1991 والذي يعطي للولايات المتحدة حق تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية فوق الأراضي الكويتية واستخدام المرافئ البحرية والقواعد التي تملكها دولة الكويت. كذلك وقعت الكويت اتفاقيات مماثلة مع كل من بريطانيا وفرنسا. وكذلك وقعت كل من البحرين وقطر والإمارات على اتفاقيات للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة. فيما وقعت المملكة العربية السعودية اتفاقية للتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية. الأمن العربي الخيار الثاني: الاعتماد على الصيغة العربية للأمن, والتي جسدها إعلان دمشق, هذه الصيغة والتي سميت بصيغة (6 +2) ـ أي دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر وسوريا ـ تم توقيعها في مارس ,1991 واحتوت بنود هذا الإعلان على استخدام نظام أمني جديد أهم مقرراته تتعلق بوجود قوات سورية ومصرية في الخليج بهدف الدفاع عن سلامة وأمن المنطقة. إلا أن هذه الصيغة لم يكتب لها النجاح, وانتهى بها الوضع إلى التجميد, بعد أن سحبت كل من مصر وسوريا قواتهما في أعقاب تحرير الكويت. تأهيل العراق الخيار الثالث: ويتمثل في إحياء التوازن الاستراتيجي في المنطقة من خلال العمل على إعادة تأهيل العراق للقيام بدوره في تحقيق توازن القوى الذي كان سائداً قبل حرب الخليج الثانية. ويستند هذا الخيار إلى حقيقة أن استمرار غياب العراق كموازن إقليمي يفتح المجال أمام إيران للانفراد والهيمنة على منطقة الخليج وفرض السيطرة على دولها. ومن ثم فإن مصلحة ومصير ومستقبل شعوب المنطقة ــ وفقاً لأنصار هذا الخيار ـ تقتضي إعادة العراق إلى الصف العربي, وكما يرى أحد كبار المتخصصين في شئون الشرق الأوسط, (فإن على الغرب ودول الخليج إعادة إيجاد العراق حتى لو لم يكن العراق موجوداً). الدفاع المشترك الخيار الرابع: ويكمن هذا الخيار في إعادة ترتيب مجلس التعاون الخليجي وتفعيل دوره, حيث يتحول المجلس إلى قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحه ولمواجهة التحديات الإيرانية والعراقية على حد سواء. بيد أن الدول الخليجية أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر ميلاً للخيار الأخير, دون أن يعني ذلك الأخذ به منفرداً, حيث أنه من المؤكد أن دول الخليج عليها أن تتبنى أكثر من خيار لضمان سلامة واستقرار المنطقة, خصوصاً أنه بات واضحاً أن ما من خيار مثالي واحد لتحقيق ذلك أمام هذه الدول. ويرى المراقبون أن (إعلان المنامة) جاء متوافقاً تماماً مع هذا التوجه, فمن ناحية, تضمن الإعلان في البند الثاني النص على (ترسيخ مبدأ الأمن المشترك لدول المجلس بتعزيز التعاون والتنسيق في القضايا الأمنية والدفاعية حماية لأمنها القومي والإقليمي وحفاظاً على استقلال دولها وسيادتها ووحدة أراضيها في إطار مبادئ اتفاقية الدفاع المشترك بين دول المجلس والالتزام بها). ومن ناحية أخرى, قام قادة وزعماء دول مجلس التعاون الخليجي الست بالتوقيع على اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك, والتي يتوقف إقرارها على موافقة السلطات التشريعية في كل دولة من الدول الأعضاء. تفعيل الاتفاقية وقبل التطرق إلى مشروعات التعاون الأخرى, ثمة ملاحظات ترد على هذه الخطوة منها: * ان الاتفاقية في حد ذاتها ليست بجديدة, بل أن الجديد هو تفعيل هذه الاتفاقية, وليس الإعلان عنها. ويأمل المراقبون أن يكون هذا التفعيل فعلياً يهيئ لدول المجلس قوة عسكرية مجهزة بأحدث أنواع الأسلحة يحملها ويديرها عسكريون خليجيون مدربون تدريباً عالياً على استخدامها. * ان صيغة الدفاع المشترك تشكل مرتكزاً وركناً أساسياً للأمن الذاتي المرغوب فيه, على مستوى المنطقة برمتها, وأن هذه الصيغة وكما يتضح من تسميتها لا تستهدف طرفاً آخر, وأنها أيضاً قد أملتها ظروف وخصائص الدول الست, وعدم الاستقرار في الجوار. * ان مجرد إيجاد قوة عسكرية فاعلة هو ردع لأي طرف معاد, كما أنه يمثل في الوقت ذاته أفضل رد على التخوفات المشروعة من الوجود الأجنبي, إذ أن البديل الصالح لهذا الوجود هو استحضار عناصر الأمن الذاتي من دون تهويل أو تهوين بهذه الإمكانات. قوات درع الجزيرة يعد مجلس التعاون لدول الخليج التجمع العربي الوحيد الذي يملك قوة عسكرية مشتركة هو درع الجزيرة التي أعلن عن تشكيلها في يونيو ,1984 كقوة عسكرية مشتركة تحت إمرة قيادة موحدة, وقد أقر وزراء دفاع دول مجلس التعاون الخليجي في ختام اجتماعهم السنوي التاسع عشر في أكتوبر الماضي, زيادة عدد قوات (درع الجزيرة) وتحويلها إلى فرقة مشاة ميكانيكية كاملة, يتم تزويدها بمختلف أنواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية, على أن تتم هذه الزيادة تدريجياً حتى تكتمل كل الإجراءات التطويرية فنياً وتنظيمياً. وعلى الرغم من أنه لم يتم الإعلان رسمياً عن حجم الزيادة, إلا أن مراقبين عسكريين أشاروا إلى أن الزيادة سوف تتراوح ما بين 12 ـ 15 ألف جندي. ومن المتوقع أن يستكمل التطوير خلال عام ونصف العام. وفضلاً عن قوات درع الجزيرة, فقد تمت الموافقة على عدد من المشروعات يأتي على رأسها (شبكة الإنذار المبكر) التي تعاقدت دول المجلس بالفعل على إنشائها بتكلفة 80 مليون دولار, وينتظر أن يتم الانتهاء منها في نهاية عام , 2001 كما اتفقت هذه الدول أيضاً على إنشاء نظام الاتصالات المؤمنة لتبادل المعلومات والبيانات بين غرف العمليات في دول المجلس بتكلفة بلغت 7 ملايين دولار. ومن هذه المشروعات أيضاً مشروع الحزام الأمني, الذي يتمثل في وجود تغطية رادارية موحدة للدول الأعضاء. عقبات لكن ثمة عقبات تقف في طريق انجاز خطوات كبيرة باتجاه التكامل الدفاعي بين دول المجلس, يرجعها الخبراء إلى الاسباب الآتية: * التفاوت النسبي في الحجم والقوة بين الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون, مما يساهم في خلق مناخ تنافسي سيطر على علاقات الدول في المنطقة وبالتالي جاءت الحاجة إلى الاعتماد من جانبها على القوات الأجنبية. * الاختلاف بين دول التعاون في تحديد الأخطار الخارجية التي تواجه أمنها. وتعدد مصادر التهديد من دولة إلى أخرى وهو أمر يرجع في حد ذاته إلى تعقيد مفهوم الأمن الجماعي الخليجي. * التمسك بالسيادة القطرية مما يعرقل توحيد السياسات الدفاعية, حيث أن طبيعة مجلس التعاون الخليجي كتنظيم إقليمي وليس كونفدرالي لم تسمح له أن يتجاوز حدود المنظمة التشاورية من دون أن تكون لديه أية قدرة أو صلاحيات دستورية لاتخاذ قرارات ذات شأن في المجالات الحيوية ومنها مجال الدفاع والأمن الإقليمي. * الضعف النسبي لقوات مجلس التعاون مجتمعة سواء بالمقارنة مع القدرات العسكرية لإيران أو العراق على الصعيد الإقليمي, فبالاستناد إلى تقرير التوازن العسكري المنشور من قبل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن لعام 1999 ــ ,2000 يبلغ إجمالي عدد سكان دول المجلس حوالي 548.25 مليون نسمة, في حين لا يزيد العدد الإجمالي لقواتها المسلحة على ثلاثمئة ألف نسمة, مقارنة بعدد سكان إيران الذي بلغ في العام نفسه قرابة 699.70 مليون نسمة, بينما بلغ إجمالي قواتها المسلحة حوالي مليون جندي إلى جانب قوات الاحتياط. أما عدد سكان العراق فقد وصل إلى 23.846 مليون نسمة, وبلغ إجمالي عدد قواته المسلحة في العام نفسه 429.000 جندي بالإضافة إلى 650.000 جندي احتياطي. * اختلاف أنظمة التسلح ومناهج التهديد بين جيوش (دول التعاون). * وأخيراً يمكن القول بأن الحديث عن توحيد عسكري في غياب جبهة سياسية موحدة يظل أمراً غير عملي, حيث أن الالتزام بتوحيد السياسات وخصوصاً الخارجية للدول الأعضاء سيكون مطلباً أساسياً لأي تنفيذ حقيقي وفعال لسياسات التوحيد العسكري أو خلق واقع إيجابي لاتفاقية الدفاع المشترك. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: