تعد القارة الافريقية موبوءة فعلا بالامراض وباللاجئين والفساد الاداري والتدهور الاقتصادي, فنجد الخبراء الذين شاركوا في المؤتمر العالمي للايدز مثلا يؤكدون على ان نصف سكان افريقيا جنوب الصحراء الذين لا تتجاوز اعمارهم 15 عاما سيموتون بسبب الاصابة بمرض الايدز. وتشير تقارير المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة ان هناك اكثر من ثمانية ملايين مشرد ولاجىء مما يجعل افريقيا اكبر قارات العالم من حيث عدد اللاجئين. وتذكر دراسات حديثة لمعهد الدراسات الامنية في جنوب افريقيا ان وضع الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة المختلفة مازال مستشريا بل بشكل كبر عما كان عليه ايام (الفصل العنصري) مشيرة الى ان 2% من جنوب الافريقيين يقعون سنويا كضحايا للرشوة ويعتقد 50% منهم بان (اجمالي) الموظفين في الحكومة مرتشون. هذه الآفات الثلاث تنخر الجسد الافريقي لتحوله الى هشيم تذروه رياح الغرب والعولمة, فكيف تطورت هذه القضايا لتصبح عصية على الحل وماهي اسبابها الحقيقية؟. بدءا نتناول دراسات كثيرة قضية اللاجئين, وتعتبر هذه القضية ظاهرة تنتج عن الحروب الاهلية بسبب ما ينجم عن هذه الحروب من مخاطر جسيمة على حياة الافراد في مناطق الصراع اضافة الى ما تسببه هذه الحروب من تدمير في البنية الاقتصادية في الدولة. وتشكل قضية اللاجئين في افريقيا اهمية كونها تكشف العديد من الظواهر والازمات الاخرى وبالذات منها ازمة بناء الدولة في افريقيا, اذ تربط الدراسات بين نشوء مشكلة اللاجئين وازمة بناء الدولة في القارة الافريقية التي مازالت في مراحل البناء الاولية. ومنطق الربط هذا يستند الى ان التفتت الاداري للدول وغياب العدالة التوزيعية والاجتماعية والاقتصادية ادى الى نشوب الصراعات الداخلية التي افضت بدورها الى بروز مشكلة اللاجئين. واللاجئون وفق مفهوم الامم المتحدة هم (اولئك الذين اضطروا الى ترك بلادهم او الذين نزحوا داخل ارض الوطن او الهاربون من الاضطهاد والعنف السياسي او الصراع الطائفي او الكوارث البيئية او الفقر) وقد عرفت اتفاقية الامم المتحدة لعام 1951 اللاجىء بشكل خاص بانه (الشخص الذي يعيش خارج البلد الذي ينتمي لجنسيته بسبب خوف له من التعرض للاضطهاد لاسباب العنصر او الدين او الجنسية او عضويته في جماعة اجتماعية معينة او ايمانه برأي سياسي معين, ولا يستطيع او لا يريد بسبب ذلك الخوف الاستفادة من حماية هذا البلد). وتعد مشكلة اللاجئين واحدة من اخطر الظواهر السياسية في القارة الافريقية بسبب ما يترتب عليها من آثار ونتائج انسانية وسياسية واقتصادية وبيئية وخيمة, كما انها تحدث تبدلات في الخريطة البشرية للقارة الافريقية ويمكن ادراك فداحة هذا الخطر بالنظر الى حجم اللاجئين اذ انهم يمثلون نسبة عالية من اجمالي سكان الدول التي فروا اليها كما يمثلون نسبة عالية من حجم السكان في العديد من الدول التي فروا منها, وتشير المفوضية العليا للاجئين ان هذه المشكلة اصبحت اكبر حجما واكثر تعقيدا خلال عقد التسعينيات. وتعزي هذه التعقيدات في التسعينيات الى اتساع نطاق الصراعات المسلحة الداخلية او الاقليمية وفشل آليات التعامل الدولي مع هذه المشكلة سواء من حيث عدم تخصيص الموارد الكافية لمواجهتها او لان النظام العالمي الحالي للتعامل مع مشكلة اللاجئين كان قد نشأ اصلا عقب الحرب العالمية الثانية لكنه تعامل مع نوع مختلف تماما من اللاجئين وفي نظام عالمي مختلف في الكثير من النواحي عن الوضع القائم في عقد التسعينيات. أسباب وآثار تعتبر الصراعات واحدة من المصادر الرئيسية لتدفقات اللاجئين, وهذه الصراعات والحروب يمكن تمييزها على اساس المعيار الاثني الذي يحكم معظم حروب القارة الافريقية ان لم يكن مجملها, كالآتي: * حروب اهلية اثنية. * حروب اهلية غير اثنية. فالاولى تنشب بين الدولة وجماعات اثنية متمركزة في اقاليم معينة من الدولة بهدف الانفصال او الحصول على حكم ذاتي اوسع او تعديل بعض السياسات الحكومية في مجال التوزيع والمشاركة السياسية. ويمكن اضافة ان الظاهرة الاثنية تعد مشكلة بحد ذاتها عندما يجري رسم وتنفيذ السياسات العامة على اساس الاعتبارات الاثنية وتزداد خطورتها في ظروف الندرة الاقتصادية النسبية, وتعتبر الصراعات الانفصالية واحدة من المصادر الرئيسية لتدفقات اللاجئين. اما الثانية ونقصد الحروب الاهلية غير الاثنية فتنطلق من جراء تفاقم الخلافات بشأن السياسات الحكومية المتبعة في مجالي التوزيع والمشاركة السياسية تجاه جميع جماعات المجتمع او بعضها. وتذكر الدراسات ان هناك ثلاثة عوامل اقتصادية واجتماعية للصراع الداخلي غير الاثني وهي المشكلات الاقتصادية, والفساد او عدم العدالة او التمايز الاقتصادي, واخيرا الصعوبات الناجمة عن التنمية الاقتصادية والتحديث. هذه الحروب الاهلية غير الاثنية ادت بدورها الى نشوء اعداد هائلة من اللاجئين في افريقيا الا ان حركة اللاجئين هنا تكون نتاجا للفرار الطوعي خوفا من مخاطر الحرب وليس نتاجا لسياسة تطهير عرقي منظم. تؤشر مشكلة اللاجئين سلبا على الوعاء السكاني للاطراف المتصارعة حيث ان الحكومة وجماعات المعارضة تستمد قوتها البشرية من حجم ما يتوافر لها من طاقات بشرية, وتؤدي هذه الظاهرة الى تفاقم ازمة الاندماج الوطني في دولة المنشأ لان حالات هروب اللاجئين تكون في الكثير من الحالات نتاجا لممارسات عدوانية لابادتهم او اخضاعهم او دفعهم الى الهرب من مناطق اقامتهم الاصلية. ويتحول اللاجئون الى سبب للتوتر الداخلي في دول الملجأ, بعد ذلك, اثناء فترة التحول الديمقراطي لان الانتخابات والمنافسة السلمية على السلطة تؤدي الى مناقشة جميع القضايا ومن بينها ملف اللاجئين. وبشكل عام فان ظاهرة اللجوء لا توفر في الاغلب حلا لحماية اللاجئين, حيث تتسم اوضاع اللاجئين في المخيمات خصوصا وفي بلدان الملجأ عموما بعدم الامان, وتشير مفوضية الامم المتحدة لشئون اللاجئين الى ان نسبة كبيرة للغاية من اللاجئين تعاني من ضعف معايير الحماية المتاحة لهم وهو ما يكون نتاجا لعدد من الاعتبارات مثل: رفض منحهم حق اللجوء وتهديد الامن الجسدي والانساني للسكان المنفيين وضعف الالتزام بمبدأ العودة الاختيارية للوطن. تترتب على ظاهرة اللاجئين ابعاد امنية واقتصادية واجتماعية. اما الامنية فقد تتحول معسكرات اللاجئين الى منابع لتجنيد المقاتلين الجدد من جانب جماعات المعارضة, كما ان هذه التجمعات يمكن ان تؤدي الى نشوء مجتمعات بائسة ومحرومة وتعاني من نقص حاد في الخدمات وهي تؤدي الى نشوب صراعات عنيفة على الغذاء والمياه والسكن من جانب اللاجئين, كما ان معسكرات اللاجئين غالبا ما تفرض اعباء اقتصادية وصحية على المجتمعات القريبة والمجاورة كما تستنزف الموارد الاقتصادية للدول المضيفة وهو ما يكون سببا في نشوء حساسيات ومشاكل بين الجانبين. اما اقتصاديا فالظاهرة تؤثر سلبا على عملية التنمية الاقتصادية في الدول المضيفة ويتوقف تأثيرها على اربعة عوامل رئيسية هي: سياسات الحكومات المضيفة تجاه اللاجئين, ردود الافعال الدولية نحو المشكلة, اتجاه السكان المحليين نحو اللاجئين, وطبيعة الدوافع والنوايا الموجودة لدى اللاجئين انفسهم. وفي الناحية الاجتماعية تؤدي هذه الظاهرة الى آثار متداخلة في بلد المنشأ وبلد الملجأ, فاللاجئون يهددون التجانس الاجتماعي الداخلي للدول المضيفة ويقوضون العديد من القيم المجتمعية المحلية من خلال تغيير التركيب الاثني والثقافي والديني واللغوي في الدول المضيفة عدا عن انهم يكونون قوة هامة في الدول المضيفة ويؤثرون على سياساتها وايضا علاقاتها مع دول المنشأ التي فروا منها. الفساد وتكاليفه يتفوق وضع جنوب افريقيا على الدول الافريقية الأخرى في الفساد وتشير دراسات كثيرة الى ان الفساد في جنوب افريقيا يرتبط بشكل كبير بمؤسسات الدولة, فهناك ارتباطات بين كبار موظفي الدولة حول تسيير اي خدمة لا يتم الا من خلال رشوة وان ضحاياها هم من افقر الفقراء. ويذكر كثيرون بان انتهاء العنصرية ينبغي ان يكون قد قضى على الفساد لكن الخبراء والمحللين يرون عكس ذلك. فنهاية التمييز العنصري في جنوب افريقيا على يد نلسون مانديلا لم تنه الفوارق الاقتصادية والطبقية الكبيرة بين البيض والسود وما زال السواد الاعظم من موظفي الدولة الكبار من البيض. وللفساد مكانة خاصة في المجتمعات الافريقية يجعله احد ملامحها المميزة وواقعا حياتيا مستمرا او متكررا وتعد تكاليف الفساد باهظة فهو: * يضر بالتنمية الاقتصادية والسياسية * يحمي النظام السياسي الفاسد الذي يخلق جماعة من المنتفعين. * يشكك في فعالية القانون وفي قيم الثقة والامانة الى جانب تهديده للمصلحة العامة. * يؤثر على العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية. * كما انه يمثل كثيرا من الاحيان وسيلة لتحقيق اهداف سياسية في هذه المجتمعات بحيث قد تتحول اليه لشراء الولاء السياسي لتحقيق نوع من الاندماج والمشاركة. * واخيرا يؤدي انتشار الفساد وتفشيه الى الاغتراب الشعبي وعدم الاستقرار السياسي للدول الافريقية. اما اسباب انتشار الفساد فكثيرة يمكن اجمالها بما يلي: * الميراث الاستعماري وتأثيرات القوى الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستقلال. * غياب النموذج الديمقراطي وسيادة النظم التسلطية. * ازمة القيادة السياسية. * ازمة الحرية السياسية و الحقوق المدنية. * وازمة التنمية الاقتصادية. والواقع الافريقي يؤشر الى ان الاوضاع الاقتصادية المتردية وفي ظل غياب قواعد عامة ومع ضعف النظام القانوني وانتفاء عنصر الجزاء, سببت تفشي الفساد في كافة اجهزة الدولة ومؤسساتها واصبحت الوظيفة العامة وسيلة لتحقيق المصالح والمآرب الخاصة. ويلاحظ ان انخفاض المستوى المعيشي للافراد مع قلة وعيهم السياسي يساعد على انتشار انماط معينة من الفساد السياسي مثل شراء اصوات الناخبين والفساد الحزبي, ومع التغييرات التي شهدها النظام العالي منذ اواخر الثمانينيات والتي فرضت ضغوطا متزايدة للاخذ بنظام السوق الحر فان كثيرا من الدول الافريقية اعلنت عن تبنيها مجموعة من السياسات التي تدعم المبادرات الخاصة والانفتاح على الخارج. بقي ان نشير الى ان الواقع يحدثنا عن ثراء الدول الافريقية بمواردها الطبيعية من الالماس والبترول وغيرها من الثروات الطبيعية, لكن فساد الانظمة الحاكمة هو الذي يؤدي الى ضياع هذه الموارد دون اي فائدة حقيقية على عمليات التنمية في الدولة او استفادة الشعوب منها. ولايضاح الصورة نجد الدراسات تقدم ارقاما حقيقية لهذا الضياع اذ تتحدث عن: * تراجع مساعدات التنمية الرسمية لدرجة ان هدف الوصول الى 7.0% من اجمالي الناتج القومي المتفق عليه دوليا اصبح في حكم المستحيل تحقيقه في ظل الاداء الضعيف لمعظم الدول المانحة وعدم وجود بوادر لتحقيقه في المستقبل القريب. * ان نصيب افريقيا من الاستثمارات الاجنبية المباشرة لا يتعدى 6% من الاستثمارات الموجهة للدول النامية. وهذا يؤكد على ان تردي الاحوال الاقتصادية في المجتمعات الافريقية هو سبب رئيسي لظاهرة الفساد في الوقت الذي تتنصل فيه الدول المتقدمة من مسئوليتها الحقيقية في تقديم مساعدات التنمية, بل بالعكس فهي تعزز استشراء الفساد لتحقق مآربها الخاصة.