غالبا ما تقول التقديرات الغربية بأن ظهور المحطات التلفزيونية الفضائية والإنترنت ووسائل الإعلام الحديثة في الشرق الأوسط سوف يؤدي إلى تغيير الحقائق السياسية والاجتماعية في المنطقة. لكن مثل هذه التوقعات تقلل من أهمية الدور الذي تلعبه الثقة في مجتمعات الشرق الأوسط, حيث ان السيطرة الرسمية التقليدية على الأعلام قد أدت إلى زيادة الاعتماد على وسائط اتصال سمعية وغير رسمية مثل المسجد والمقهى والسوق. وكما أن أحاديث النبي محمد عليه السلام قد اعتمدت على الإسناد أو العنعنة, فكذلك أصبحت مصادر المعلومات الشفوية في الشرق الأوسط تتمتع في بعض الأحيان بمصداقية أكبر مما تتمتع به المصادر المكتوبة . وانطلاقا من هذه الفكرة فإن هذا المقال يبحث في تأثير وسائل الإعلام الحديثة في الشرق الأوسط. لقد نظر الغرب إلى دخول الإنترنت إلى العالم العربي وإلى انتشار الأطباق اللاقطة على أسطح المنازل كمؤشرات على تراجع الدولة العربية ونهوض المجتمع المدني وبروز الوعي العام, وربما بزوغ فجر سياسي جديد. وعلى عكس هذه الإثارة حول وسائل الاتصال الحديثة وتأثيرها على السياسات العربية, إلا أن المرء يشعر بالدهشة من الفصل بين هذه التوقعات وحقائق المجتمعات والسياسات العربية. فلو نظر أحدنا إلى الدول العربية فسوف يجد أن الحكومات تسيطر غالباً على كل وسائل الاتصال الجماهيري من صحف وإذاعات وتلفزيون. ومن الطبيعي أن يتوقع المرء أن مفردات الأشخاص الممسكين بالسلطة سوف تهيمن على اللغة السياسية في العالم العربي. ومع ذلك فإن اللغة السائدة في العالم العربي في العقدين الأخيرين على الأقل, كانت معارضة وإسلامية. ورغم أن الحكومات تحول بين هذه المجموعات وبين وسائل الإعلام, إلا أن ما يدعو للدهشة هو هيمنة نهج هذه المجموعات. ولذلك فإننا سوف نتعرض للأسئلة التالية قبل الدخول في العلاقة بين تراجع السيطرة الرسمية وبين انتشار وسائل الاتصال الحديثة والتغيير السياسي في العالم العربي: * لماذا لا يزال النهج الإسلامي مسيطراً بالرغم من عجزه على الوصول إلى وسائل الاتصال الحديثة؟ * لماذا يتراجع النهج الرسمي رغم ما تتمتع به النخبة من وسائل اتصال حديثة وأدوات أخرى للضبط الاجتماعي؟ * ما سبب ضعف تجانس العالم العربي؟ * ما هي العلاقة بين الاتصال والثقة؟ قبل الدخول في الإجابة عن الاسئلة السابقة, أود أن انفي الافتراضات التي تربط بين وسائل الإعلام الحديثة والتغيرات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي. ومن المعروف أن علماء الاجتماع ومؤرخي الاقتصاد قد نفوا وجود علاقة بين التغيير التكنولوجي وبين الانفتاح السياسي أو النمو الاقتصادي. وفي هذا الإطار يقول جيمس بينيجر أن ثورة المعلومات قد جاءت كرد فعل على أزمة السيطرة الناجمة من التدفق الكبير للمواد والبيانات التي واكبت الثورة الصناعية. وقد تطلبت هذه المشكلة الملحة الناجمة عن حركة البضائع والمعلومات وانتقالها وجود وسائل ضبط جديدة, وهذا ما يفسر الاختراعات مثل التليفون والمبرقات وخطوط التجميع والإدارة العلمية. وقد جاءت استنتاجات بينيجر مناقضة لفرضيات النظرية المتوسطة والنظرية الحديثة على حد سواء. وجاء تحد آخر لنظرية الربط المباشر بين التكنولوجيا والنمو الاقتصادي من روبرت فوجل أحد العمالقة في مجال تاريخ الاقتصاد الأمريكي, حيث ورد في كتابه, السكك الحديدية والنمو الاقتصادي الأمريكي,: رغم تطورها وزيادتها المتسارعة على مدار نصف قرن إلا أن خطوط السكك الحديدية لم تساهم بشكل كبير في القدرات الإنتاجية للاقتصاد). وتكتسب أفكار فوجل أهمية خاصة بسبب هذا الربط الذي يصر عليه منظرو التنمية بين النمو الاقتصادي وبين التغيير السياسي. وتثير التحليلات والبيانات الحديثة الآتية من الصين نقطة مشابهة للفرضية السابقة, حيث يقول دانيال لينش ان الحالة الأمنية المشددة في الصين توضح بأن فتح الفضاء الجماهيري قد تم نتيجة للتنوع الإداري والإصلاح في مجال حقوق الملكية, بينما ظل دور ت0م0 محدوداً جداً كما يدعو إلى التفريق بين الفضاء الجماهيري في نظام سلطوي وبين نظيره في الديمقراطيات الليبرالية. ولا يعتبر هذا الفضاء في المفهوم السلطوي ساحة مفتوحة للمبارزة, كما يراه الليبراليون, وذلك أن هذا الفضاء قد تنظم, كما أن قواعد اللعبة يمكن أن تتغير في أي وقت. رغم التغاضي عن الاختلافات في الاستنتاجات, إلا أنه يبدو أن النقاش الدائر حاليا حول العولمة وانتشار الإنترنت ووسائل الإعلام الحديثة واستخداماتها في العالم العربي يدور ضمن الأفكار الواردة في أدبيات التنمية والحداثة. ولهذا فإن بعض الباحثين قد تخلوا عن الدقة التحليلية لحساب الموجة الجديدة مدّعين وجود علاقة بين وسائل الاتصال الحديثة وبروز الوعي العام والمجتمع المدني في العالم العربي. والقاعدة المشتركة لهذه الافتراضات, باستثناء عدد قليل منها, تزعم أن انتشار وسائل الاتصال الحديثة, مثل الفاكسميلي, والهواتف الخلوية, والأطباق اللاقطة ثم الإنترنت سوف تؤدي إلى انهيار النظام التسلطي العربي. ويمكن تتبع الأساس الفكري لهذه الافتراضات, على الأقل ما يتعلق منها بجانب الاتصالات, إلى مارشال ماكلوهان ونظرية الوسيلة التي نادى بها والتي تقول ان التغيرات في وسائل الاتصالات لها بالضرورة تأثير على التطور والتغير الاجتماعي. أما المنظرون الأساسيون لهذه الافتراضات في مجال العلوم السياسية عامة ودراسات الشرق الأوسط بشكل خاص فهما صمويل هنتنجتون ودانيال ليرنر على التوالي. لكن حقيقة أن هناك تركيزا على دراسة وسائل الاتصال الحديثة وآثارها على العالم العربي, لا يلغي قيامنا بأبحاث تحليلية أكبر. ويتمتع الحسم التكنولوجي بطبيعة مغرية بمعنى أن تاريخ الإنسانية هو تاريخ التكنولوجيا. ومع ذلك فإن قيام بعض الباحثين بالتركيز على ثورة تكنولوجيا المعلومات بالأرقام ليس أمراً كافيا, كما هو الحال مع التركيز على انتشار بنية الاتصالات, مثل نسبة انتشار الإنترنت أو الزيادة العددية في محطات التلفزة الفضائية الموجودة في العالم العربي. وقد يكون هذا التركيز مفيداً لغاية جمع البيانات, ومع ذلك يتوجب عدم خلطها مع القضية برمتها. وتحتاج البيانات إلى مراجع من أجل جمعها وشرحها, اللهم إلا إذا افترضنا أن لا قيمة لشعوب المنطقة وثقافتهم. ثورة الاتصال السياسي وفي تحديدهم لهذه التحولات السريعة, إستنتج بعض الباحثين أن ثورة الاتصالات تجلب معها رحابة في المجال السياسي. وهناك تناقضان في هذه الاستنتاجات. أولا, إنّ امتداد الأنظمة التسلطية هو نتيجة لجهل المجتمع وإنّ الوصول إلى المعلومات سوف يساعد في تنوير الشعب العربي المضطهد. وثانيا, أن هكذا تحليلات تركز على بنية الاتصالات ولا تفعل المزيد لإيضاح المحتوى أو لوضع هذه المحتويات ضمن منظورها الاجتماعي والثقافي والاجتماعي العام. ومع أن العالم العربي قد شهد انفجاراً في وسائل الاتصال الحديثة, إلا أن هذا التحول قد حدث ضمن سياق محدد يستطيع امتصاص واستيعاب هذه التطورات الحديثة. ويبقى أمامنا أن نقارن التغير الاجتماعي في الدول العربية التي شهدت تحديثاً سريعاً وانتشاراً تكنولوجيا (دول الخليج) بوضع الدول الأقل حظا في هذا المجال (السودان واليمن). ويمكن الإجابة عن هذه التساؤلات بشكل جزئي فقط إذا ما حللنا مؤسسات الاتصال السياسي, القديمة منها والحديثة. يضاف إلى مقولتي أيضاً أن فشل طرق الحداثة وما بعد الحداثة في التجذر في العالم العربي يرتبط بالقضايا الأشمل وهي الاتصال والثقة. وهنا أود أن أدلل على أن التركيبات الجديدة وطرق وعمليات التحديث, وبخاصة تلك المتعلقة بوسائل الإعلام, عادة ما يجري استيعابها في سياق محلي. وهناك بعض التكنولوجيات التي تظل ببساطة (مركبة) على المجتمع دون أن تمتد جذورها, على الأقل في تركيبة اجتماعية معينة أكثر من غيرها فقد يكون الراديو في بعض الأماكن وسيلة الاتصال الأساسية, بينما قد يكون التلفزيون هو هذه الوسيلة في أماكن أخرى, وتظل هناك أماكن غيرها قد تكون فيها الوسائل القديمة هي أكثر وسائط الاتصال كفاءة. ولا تشكل هذه الأوضاع أية مشكلة هنا. ولكن المشكلة تنشأ عندما ننظر إلى الوسائل والعمليات على أنها انعكاس لصورة بنية الغرب ترافقها عمليات محددة متوقعة: أي بكلمات أخرى أن نرى فقط ما هو مألوف ونختار البيانات بناء على ذلك. أما السبب الأساسي لفشل الأشكال الأخرى في التجذر فيعود إلى انحيازها الغريب كوسائل اتصال حديثة. ومثال ذلك تلك النماذج التي تفضل استخدام المكتوب على المسموع, أو اللغة العربية الفصحى على العامية, في عالم لا يزال يعاني من الأمية ويمارس الخطاب العامي والشفوي. وهناك بعض الباحثين الذين ركزوا في دراستهم لموضوع الاتصالات والتكنولوجيا في العالم العربي على التكنولوجيا وتجاهلوا العرب وتاريخهم وثقافتهم ومجتمعاتهم وبعدهم الإنساني. ولم تحاول سوى دراسات قليلة تناول انطباعات أو عادات المشاركين أو تفاعلهم مع الأشكال الحديثة للاتصال. يضاف إلى ذلك أن هناك الكثير الذي يمكن قوله عن الكيفية التي انخرط فيها الأفراد في العالم العربي في هذه الأشكال الحديثة. فعلى سبيل المثال, عندما دخلت الإذاعة العالم العربي لأول مرة, سواءً كانت ملكية خاصة أو رسمية, كان الناس يستمعون إلى الراديو في المقاهي المحلية. وفي تلك المقاهي عرف العرب التلفزيون والفيديو والمحطات الفضائية. ونرى هذه الأيام كثيراً من دارسي تكنولوجيا المعلوماتية الحديثة في العالم العربي يتحدثون عن مقاهي الإنترنت, لكنهم يركزون على عملية الوصول إلى التكنولوجيا. ومع أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقال حول الوصول إلى هذه الوسائل الحديثة, إلا أن قليلين قد تعرضوا للتركيبة الاجتماعية التي أدت إلى جعل هذه المقاهي كمقار للاتصال الجماهيري. وهنا نسأل ما هو الشيء المهم في النظرة الشمولية للعالم العربي وما علاقة هذه النظرة بالإنترنت وبالأشكال الأخرى الحديثة لتكنولوجيات الاتصال؟ وقد نبتعد كثيراً عن النقطة التي تركز عليها حجتي فيما لو صنفنا نقديا لهذا الأدب الناشئ, والذي يربط تكنولوجيا الاتصالات الحديثة بالتحول في المجتمع المدني, ضمن المواقف المضادة للعولمة. بل على العكس من ذلك لأني أدعو إلى فهم أفضل للعولمة, لأن العولمة هي نتاج الحداثة. وإذا ما وضعنا هذا الفهم ضمن هذا السياق فسوف يسهل فهم تكنولوجيات المعلومات, القديمة منها والحديثة, وتطبيقاتها في المجتمعات العربية. فمن أهم نتائج التحديث هي التغلب على الفضاء والزمن, (فكلما تسارعت الحداثة مع الزمن كلما انكمش الفضاء) واختصار التواصل المباشر لحساب التواصل غير المباشر, وإخراج كثير من العلاقات الاجتماعية من سياقها المحلي ووضعها في سياق كوني جديد. وعندما نشاهد حدثاً يعرض أمامنا على التلفزيون فإننا نظن أنه يجري حقيقة أمام أعيننا, ثم نفسره بناء على مخزوننا المعرفي أو الرسالة التي زودتنا بها الكاميرات والمراسلون. وهنا نثق بأن ما نراه حقيقي, لكن مفهوم الثقة المرافق للحداثة هو مفهوم مختلف عن ذلك الذي ساد فترة ما قبل الحداثة. وبما أن جوهر حجتي يدور حول وسائل الإعلام والثقة في المفهوم العربي, فإن علي أن أهتم بعواقب فرضيات نظرية الحداثة ونظرية الوسيلة على مفهوم الثقة. الاتصال والثقة إن من الأسباب الأساسية لعدم قدرة الدولة العربية على الالتحام بالمجتمع الأكبر, ولعجزها عن لعب دور ريادي باستخدام وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة هو الاعتقاد المرتبط بالاتصال والثقة. ويمكن للمرء أن يورد كثيراً من الأمثلة التي تدلل على فقدان الثقة بين المجتمعات العربية ووسائل الإعلام الرسمية دون أن تحاول هذه الوسائل كسب هذه الثقة مرة أخرى. وأحد هذه الأمثلة كان في عام 1967 عندما قامت كل الصحف العربية والإذاعة والتلفزيون, على غرار ما قاله مذيع راديو (صوت العرب) القاهري أحمد سعيد, بإعلام الشعب العربي بأن الجيوش العربية قد هزمت الجيش الإسرائيلي وبأن الطائرات الإسرائيلية كانت تتساقط مثل الذباب. ولم يمر طويل وقت قبل أن يعلم العرب بالحقيقة المرة من مصادر أجنبية مثل الإذاعة البريطانية, ففقدوا الثقة في كل البيانات الرسمية من أية وسيلة إعلامية جاءت سواء الإذاعة أو الصحف أو التلفزيون. وما أعنيه بالثقة هو وثوق الناس بأشخاص أو مؤسسات ما واعتمادهم بأن يكونوا امناء على تعهداتهم. ومع ذلك فإن معنى الثقة ونظام التحقق المصاحب له يختلف من مجتمع لآخر. ففي المجتمعات (التقليدية) تعتمد المصداقية على المواجهة المباشرة وعلى طريقة محددة للتأ كد من ذلك. لكن العلاقات الإنسانية صارت أكثر تعقيداً, كما أن الناس ينتقلون من أقصى نقطة في العالم إلى نقطة أخرى, ولذلك فقد استبدل نظام التحقيق من خلال المقابلة المباشرة بالمؤسسات والآليات الأخرى. أما أساس الثقة الجديدة فهي نقطة الدخول إلى أنظمة خبيرة تلتقي فيها المواجهة المباشرة مع الالتزام غير المرئي. إن هذه الثقة المبينة على النظام الخبير هي ما يجعلنا متيقنين بأن سياراتنا لن تتعطل طالما راعينا تعليمات الصيانة. وهذه هي الثقة التي تجعل أعداء الولايات المتحدة يؤمنون بالدولار الأمريكي وبالالتزام الحكومي الأمريكي المؤسسي في الحفاظ على هذا الاعتماد. وقد يحاجج كثير من منظري الحداثة, الذين يؤمنون بالفرق الواضح بين المجتمعات التقليدية والمجتمعات العربية, بأن هذا النوع من الثقة هو (حداثي) ولا يعمل في مجتمعات تقليدية مثل العالم العربي. لكن الشواهد اليومية في مجالات مختلقة تدلل على أن العالم العربي أكثر تعقيداً مما يعتقد, وذلك أن أنظمة الثقة العربية هي أنظمة انتقائية ومتنوعة ومعقدة. فالعرب على ثقة بأن أجهزة تلفزيوناتهم سوف تعمل, ولكنهم نادراً ما يثقون بالرسائل التي تبثها. فبخصوص المال, يثق كثير من العرب في المؤسسات المالية المتواجدة خارج الحدود الوطنية أكثر من ثقتهم في المؤسسات المحلية. وفي الغرب تحظى وثيقة مكتوبة بمصداقية أكثر من المصدر الشفوي, أما في العالم العربي فغالبا ما يكون العكس هو الصحيح. وللثقة, سواء أعاش الإنسان في مجتمع متقدم أو في مجتمع تقليدي, تبعات مثل البيئة اللغوية وقاعدة المعرفة والمثل المشتركة. أما الاتصال الموثوق به في العالم العربي فهو المبنى على نموذج محلي مثل الإسناد. وهذه هي بالطبع طريقة نقل أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام شفويا, وهي وسيلة نقل للأقوال الموثوقة لا تعتمد فقط على ذكر مرجعية المعلومة (الحديث) وإنما أيضاً اسم الشخص أو الأشخاص الذين نقلوها. وتعتمد مصداقية هذه الطريقة على الحلقة المتصلة للذين تناقلوا أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. ومع أن هذا النموذج هو السائد في الحقل الديني, إلا أنه يشكل عالم المجتمع الأكبر فيما يتعلق بالثقة. ويتطلب الوثوق بمعلومة آتية من مكان بعيد او زمن سحيق قدراً كبيراً من التدقيق, كما تتطلب ذكاء خاصا يستطيع التمييز بين الأخبار الصحيحة والأخبار الكاذبة. ولأن العرب قد تعرضوا للكذب لمرات عديدة فإنه يبدو أن باستطاعتهم إختيار معلوماتهم بسهولة كبيرة. وهذا هو بالضبط ما يفعلونه على أساس يوحي فيما يتعلق بالمعلومات التي يتلقونها من أي مصدر جاءت سواء الصحف أو الإذاعة أو التلفزيون أو الإنترنت. استنتاجات عامة لقد انقطعت الثقة بين مختلف التشكيلات الاجتماعية العربية ووسائل إعلامها في عام 1967 عندما أبلغ (صوت العرب ) مستمعيه بأن العرب كانوا منتصرين في الحرب بينما كانوا في الواقع يخسرونها. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم الحكومات العربية بأي جهد لإعادة بناء هذه الثقة. ولذلك فإن الغالبية في العالم العربي يعتمدون على الأنظمة الخبيرة من خارج الحدود القومية مثل بي. بي.سي أو سي. إن. إن., أو على الاتصال المباشر. إن عدم مقدرتنا على استيعاب مرونة الجمهور العربي في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات يرجع إلى التزامنا بنظرياتنا حول العالم العربي, فمن الخطأ تصنيف الرجل أو المرأة العربية كغربيين, متطورين أو إسلاميين تقليديين. والفرد لا يمكن أن يأخذ شكل المجموعة في عالم التقاليد أو الحداثة. فالعرب كأفراد يلتزمون بالحداثة أحيانا والتقاليد في أحيان أخرى. ولا تتعلق هذه الصورة بالجمل أو الهاتف الخلوي أو بيت الشعر, لأن القضية أكثر تعقيداً من ذلك. وسبب هذا التعقيد يعود إلى خصوصية العرب الثقافية وصراعاتهم مع الحداثة وقبل الحداثة ومفهوم الثقة المرتبط بكليهما, وهي ليست ثقة عمياء وإنما ثقة متفحصة. ويتضح من البحث السابق أن ليس هناك ما يضمن بأن إدخال تكنولوجيا المعلوماتية الحديثة قد يؤدي إلى ظهور المجتمع المدني ناهيك عن أحداث تغيير سياسي, فهناك عدة مشكلات مرتبطة بتعاطينا مع القضية, إضافة إلى مشكلات أخرى خاصة بهذه الوسائل الحديثة وبالتركيبة المحلية. وفي حال الإنترنت, فمن الواضح أن اللغة الإنجليزية سوف تظل لغة التخاطب فيها لمدة طويلة. وللغة المستخدمة نفس أهمية وسيلة الاتصال, فقد تشكل مجموعات الدردشة الإسلامية أكبر عدد من التجمعات التي يمكن تصورها, ولكنها ستظل مرتكزة إلى اللغة الإنجليزية. أما التحول إلى لغة أخرى فله نتائج سلبية وإيجابية لتوضيح الأدب الإسلامي. وتسمح الإنجليزية باستخدام اللهجة المحلية مقابل اللغة الرسمية, كما يمكن للمسلمين استخدام الطريقة ذاتها لنشر الأفكار الإسلامية, بما يجمع بين الحياة اليومية والعالم الرسمي. ولكن استخدام اللغة الإنجليزية في المجال الرسمي, مثل المؤسسات الحكومية والتجارية, قد يكون مفيداً لشريحة من المجتمع ومعقداً لشرائح أخرى. ويضيف خيار الإنجليزية بالنسبة للمواطن العربي العادي شكلا جديداً من أشكال التعلم الضار بفرصه التجارية . فعندما اعتمدت الإنجليزية كلغة رسمية في الهند, رأى المسلمون فيها عاملا معوقا جديداً لكفاحهم في تحقيق المساواة السياسية والاقتصادية مع الهندوس. وقد لا تتكرر الحالة الهندية في العالم العربي لكنها توضح لنا كم هي معقدة قضية التعليم هذه. وعلى المرء أن يقارن ذلك بالوضع في الشمال الإفريقي حيث تتصارع عدة لغات على احتلال الموقع المركزي مثل العربية والفرنسية ولهجة البربر. وقد تحدثنا عن المشكلات المرتبطة باللغة لكننا لم نتحدث عن التكلفة المترتبة على استخدام الإنترنت في العالم العربي فيما يتعلق بالأجهزة والبرامجيات. ويقلل كثير من المدافعين عن الإنترنت من حجم تكلفة بدء العملية على افتراض انخفاض هذه التكلفة مستقبلاً يتناسون حقيقة أن كلفة التعليم سوف ترتفع كلما ازداد استخدام وسيلة الاتصال هذه وتصبح هذه القضية مهمة في المناطق التي تواجه ضغوطات كبيرة من (الولايات المتحدة والبنك الدولي.. الخ) لخفض الإنفاق العام. وبما أن العرب مستهلكون لأجهزة الكمبيوتر وليسوا منتجين لها فسوف يواجهون قضية الاعتماد على الآخرين في هذا المجال وما تحمله من مشكلات. أما بالنسبة للباحثين الاجتماعيين المهتمين بجمع البيانات من قراءة الصحف العربية أو الاستماع إلى الإذاعات أو مشاهدة الفضائيات العربية, فإن عليهم أن ينظروا إلى الموضوع اللغوي والتنوع الاجتماعي بجدية كبيرة ويتطلب الحركات الإسلامية على سبيل المثال, معرفة السبب في شعبية طريقة اثنين من الدعاة الراحلين وهما: الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911 ــ 1998) والداعية الكفيف الشيخ عبد الحميد كشك (1933-1996) الذي اشتهر بخطبه المعارضة. فالاثنان لهما شعبية أكثر من شعبية كثير من الإسلاميين والمعارضين الآخرين. والسبب في شعبية هذين الشيخين يعود إلى استخدامهما اللهجة العامية لتفسير القرآن والحديث المكتوبين باللغة الفصحى. أما الإسلام الرسمي المتمثل بالأزهر فقد فشل في إحداث عملية الربط هذه بين اللهجة المحلية واللغة الفصحى المكتوبة, وهذا ما يفسر فشله في تحقيق أية إنجازات بين الجماهير الفقيرة, ولذلك فليس مصادفة لجوء الإسلاميين إلى أشرطة الكاسيت لنشر رسالتهم في الأحياء الشعبية في القاهرة والمناطق الريفية. وقد تساعد دراسة اللغة الباحثين الاجتماعيين في ألا يندهشوا عندما يرون المفكرين الماركسيين يتحولون إلى المعسكر الإسلامي بسهولة تامة. ولو نظرنا إلى لغة الوطنية الرسمية ولغة الإسلام الرسمي لوجدنا أن المعسكَرَيْن يستخدمان اللغة العربية الفصحى كوسيلة اتصال, كما يعتمدان على الكلمة المكتوبة لتحديث عالم اللهجة المحكية, إذ ينظران إلى هذا العالم كعلاقة للتخلف. ولأن كلا من الوطنية الرسمية والإسلام الرسمي هما جزء من النظام الحديث, فقد فشلا في التواصل مع عالم الشفوية الواسع. وإذا ما عالجنا الأمر من هذا المنظور فلن نندهش عندما نرى ماركسيا حداثيا مثل عادل حسين يصبح عضواً إسلاميا في حزب العمل. وليست هناك أية صعوبة في هذا الانتقال لأن كلا من الإسلاميين والماركسيين وحتى القوميين يستخدمون اللغة ذاتها ولذلك فهم يدخلون إلى هذه المعسكرات الأيديولوجية ويخرجون منها بسهولة ويسر. ونظراً لتداخلات الدولة وقمعها, في العالم العربي وكما هو الحال في كثير من الأنظمة الاستبدادية, فإن الصحافيين والكتاب المبدعين يتبادلون المواقع, كما أن الخوف من الانتقام يجعل المعلقين الاجتماعيين والمؤرخين الاجتماعيين يلجأون إلى طرق إبداعية للكتابة, كوسيلة لحماية أنفسهم. وفي هذه المعادلة تصبح مهمة الصحافيين ومذيعي التلفزيون ومثقفي النظام, إلى حد ما, هي صهر المواطنين ضمن بوتقة الوضع القائم. بقلم: د. مأمون فندي _ استاذ البحوث السياسية في جامعة جورج تاون