الذين تستهويهم وتأسرهم فرضيات نظرية المؤامرة يذهبون هذه الأيام إلى أن حكومة الإنقاذ السودانية تلعب بدهاء بالغ لعبة أخرى من ألاعيبها السياسية. فإذا كان البشير بتنازلاته الجمّة لحزب الأمة قد استطاع أن تستخلصه من دائرة المعارضة السياسية العنيفة, ويأتي به للداخل في عمل معارض ومفاوض ضمن الأجندة الوطنية التي صاغها الصادق المهدي نفسه, فإن حسن الترابي قد أخذ يقوم بعمل مُجانس يهدف به إلى استخلاص الجناح القوي الآخر, في حركة المعارضة وهو جناح حركة التمرد, ليأتي به إلى الداخل في صورة حزب سياسي مدني, يلقي السلاح ويعمل هو الآخر في اطار التفاوض والتساوم السياسي المشروع. إن هذا هو أقصى ما يمكن قوله ضمن الاطار التحليلي لنظرية الوهم, المسمّآة بنظرية المؤامرة. ولكن الاسترسال في الخيال الى هذا الحد الأقصى, لا يكاد يصل إلى ما ينسجه الواقع المعاش, فالواقع السياسي يفرز أحياناً قصصاً يعجز أبرع الأدباء عن توهمها, وصياغة مثلها! من النقيض إلى النقيض إذا أمكن اختزال الحقائق وتداعياتها, فيمكن القول إن أكثر إنسان حَالَ ــ بسياساته ومواقفه وتدبيراته ــ دون وصول جون قرنق الى هدفه في احتلال الخرطوم وحكم السودان كان هو حسن الترابي, فقد كان جون قرنق يبدو كبطل وطني عقب انتفاضة ابريل 1985 التي أسقطت نميري. وحينها أخذت الأحزاب, بل أخذت حكومة الانتفاضة نفسها تتهافت على الحديث إليه, والتحالف معه, إلا أنه كان يرفض ذلك بإباء شديد, ووصل به العناد إلى رفض مقابلة رئيس الوزراء الذي ذهب للقائه في نيروبي. وفي غمرة ذلك التعالي فجّر حسن الترابي موكب (أمان السودان) وهو الموكب الذي غيّر الكثير في التحالفات وموازين القوى السياسية, وزاد من عزم الجيش السوداني على التصدي لحركة التمرد, وفتح كذلك مجالات كثيرة للتواصل والتعامل ما بين الجيش, وحزب الترابي, ومكّن الأخير من اختراق الجيش واستخدامه ليس ضد جون قرنق وحده, وانما ضد القوى السياسية الأخرى جمعاء. وفي خلال حكم الإنقاذ كان حسن الترابي هو الأب الروحي لكتائب التصدي المباشر لحركة التمرد في الغابات والمدن, فقد كان للترابي إيمانه القاطع بضرورة تجييش المدنيين, كما كان له حذره الأصيل من مؤسسة الجيش. وليس هذا هو غرضنا في التحليل الآن, وانما نهدف إلى الإشارة الى أن تلك الكتائب المدنية المجيّشة هي أكثر ما تأذّت منه حركة التمرد, ولكن ها هو حسن الترابي الذي قلم الكثير من أظافر حركة التمرد يعود بعد ذلك كله ــ لدواع أخرى ــ ليضع يده في يد من تقاطع وتصادم معهم منذ أن برزوا وآذاهم بأكثر ما آذاهم أي إنسان أو جهة أخرى. ما هي الدواعي؟! كان من السهل جداً فهم تحركات حسن الترابي, إذ كان يتحرك وفق سنن محددة فارقها الآن, وهكذا لم يعد من المأمون الآن التنبؤ بما يفعله, وقد طرأ على ذهني سؤال لم يجد إجابة قط وهو: هل هذه التحركات الأخيرة هي تحركات حسن الترابي أم هي تحركات تابعيه؟! وبصيغة أخرى هل اصبح حسن الترابي تابعاً لزمرة شيوخ وكوادر وأصحاب مصالح معينة بالحزب يوجهونه كما شاءوا أم انه ما زال يقود كما كان؟! لقد صعبت الإجابة عن هذا السؤال, ولو وجدت لربما أماطت عن أنظارنا كثيراً أستار الغموض, وجعلتنا على بصيرة في محاولة الربط ما بين ماضي الرجل وحاضره, ومحاولة التكهن بمستقبله السياسي في ظل نظام الإنقاذ أو أي نظام يتلوه. ومهما يكون من أمر فيمكن تقرير حقيقة أولية هي أن هدف الترابي وتابعيه الآن هو إسقاط نظام الإنقاذ وبأي تكاليف من أجل الإتيان بأنفسهم قادة للحكم الذي استُلِب منهم كما يقولون. وفي رأس التكاليف التي يمكن أن تهدر في هذا السياق السجالي والقتالي موضوعا (الأمن) و(الإسلام) فلا أحد يمكن أن يصدق ان الاطاحة بنظام الإنقاذ يمكن أن تتم بغير عنف, ولا ضحايا من الطرفين. وفي حالة انتصار الجناح العسكري لحسن الترابي فلا يمكن التصديق بأن جناح البشير ــ طه, سيبقى ساكتاً بلا مقاومة, وهكذا فسيدخل السودان في دوامة حرب دينية طاحنة يدفع ثمنها السودانيون أجمع. أما في موضوع الإسلام فلقد هاجم الترابي, يوم أن حلّ البشير البرلمان, هاجم حكومة البشير لأنها وقعت على اتفاق مع حركة قرنق في ظل رعاية منظمة إيجاد يتجاهل موضوع الإسلام, ويوحي بإمكان عودة نظام الحكم إلى العلمانية. وقد استثمر حسن الترابي تلك النقطة جيداً ضد جناح البشير, وحقق قدراً لا بأس به من التعبئة السياسية لصالح حزبه الجديد الذي قدّمه وكأنه الحزب الأوفى لحق الإسلام, وذلك في مقابل تفريط بل خيانة الإنقاذيين كما قال, وذهب به التصريح الى أبعد من ذلك عندما ذكر وجود ضغوط خارجية انهار بسببها الإنقاذيون, وقرروا إبعاد الإسلام عن موضوع الحكم. ولكن ها هو العام ما كاد أن ينفرط إلا وقد أتى حزب الترابي يسعى لتوقيع اتفاق بالملامح نفسها مع حركة التمرد, وأضاف اليها ما أثار نظام الإنقاذ عليه وهو التظاهر مع حركة التمرد لقلب نظام الحكم. نُذر العنف إن أي تعاون مع حركة التمرد هو تعاون عسكري في المقام الأول,وسياسي في المقام الثاني, وعندما تظاهرت أحزاب المعارضة الشمالية مع مجموعة قرنق في حركة التجمع الوطني أشارت الى مجموعة قرنق باعتبارها الذراع العسكرية للتجمع, وكانت احزاب التجمع حينذاك وما زالت صريحة وأمينة في تسمية الأشياء بأسمائها, وهكذا بقي على حزب المؤتمر الشعبي أن يُسمي الأشياء بأسمائها فيُعلن أن حركة التمرد ستصبح الذراع العسكرية لتحالفهما معاً. بعض من قرأوا الاتفاقية التي وزعها حزب المؤتمر الشعبي ونشرتها الصحف قالوا إن بنودها لم تشر إلى أي اتفاق على عمل عسكري. ولكن هؤلاء قرأوا الاتفاقية قراءة ناقصة لم تستوعب جملة الموقف والظرف الذي تم توقيعها خلالهما, والدافع الذي أملاها في الأصل. لأن التحالف مع حركة عسكرية يفيد مباشرة أن ذلك التحالف قد تم لأجل الاستفادة من قوتها العسكرية, حتى ولو جاء نص الاتفاق ينفي ذلك. ويبدو أن حكومة الخرطوم قد قرأت الاتفاقية بتلك الصورة, واضطربت لذلك, ودبّ فيها الذعر, فبادرت إلى اعتقال الترابي, حتى تُجهض تحالفه الجديد مع قرنق وتُجهض تحالفات أخرى أعلن هو عنها, مع أنها ما زالت في طور التكوين, ولأول مرة يتجرأ تلاميذ الترابي ممن كانوا في السابق أقرب المقربين إليه إلى مراشقته لفظياً حيث اتهمه وزير الثقافة د. غازي صلاح الدين بأنه يخون كل الأمانات بكشفه لأسرار الماضي, وأنه تنكر وباع دماء الشهداء.. وأنه لا يمكن أن يحظى بعد اليوم بمعاملة خاصة باعتبار ماضيه (المبجّل), أما د. نافع وهو أحد حراس أمن النظام فقد اتهم د. الترابي بأنه كان (الأمني الأول) وأنه أعلى الحس الأمني لدى أفراد الحركة الإسلامية, وأشرف على بناء المؤسسة الأمنية للإنقاذ.. وقد ساق د. نافع ذلك الاتهام رداً على قول الترابي إن قرنق عُومل معاملة أمنية لا سياسية من قبل نظام الإنقاذ! أما نائب الرئيس, علي عثمان, فقد أقدم على إدخال بعض خصوم الترابي القدامى في الحكومة الجديدة. وكان المثير انه ألغى الوزارة التي شكلها الترابي من وزارات مختلفة وسماها بوزارة (التخطيط الاجتماعي) ووضع على رأسها علي عثمان فيما مضى. وكان الترابي يهدف حينها إلى إشغال علي عثمان بأعباء تلك الوزارة المتشعبة ليبعده عن أعمال الحزب, وبعبارة مختصرة كان يحاول أن يقصقص أجنحته. ولكن علي عثمان كان أدهى, فقد واصل صعوده من تلك الوزارة (الاجتماعية) الى وزارة (سياسية) خطيرة هي وزارة الشئون الخارجية, ثم واصل ترقيه إلى أن أصبح نائباً أول (نافذاً) لرئيس الجمهورية, يقوم بأداء معظم وظائف الرئاسة. لقد كان طريفاً أن علي عثمان ألغى اسم تلك الوزارة وأعاد إليها اسمها القديم الذي يَنفُر منه الترابي (الأوقاف والإرشاد) وعَين عليها خصما لدوداً للترابي هو عصام البشير. هكذا انقطعت كل حبال الود بين الترابي وتلاميذه القدامى الممسكين بأزمة حكم الإنقاذ, وهو الآن مهدد من قبلهم بتقديمه للمحاكمة بتهم جنائية بحتة, أي ليحاكم بموجب القانون نفسه الذي صاغه ودافع عنه في كل المحافل ــ ولا يدري أحد إن كان تلاميذه سيتجرأون على إنفاذ ذلك الوعد أم لا.. ولكن من الراجح أن حسن الترابي سيمكث طويلاً في السجن, حتى يُراجع نفسه, أو ينجلي خطره بفعل الزمن.