قبل أن تنهي إدارة بوش الابن شهرها الأول في البيت الأبيض لجأت بالتعاون والتنسيق مع حكومة توني بلير البريطانية إلى إرسال الطائرات الأمريكية والبريطانية لقصف مواقع قيل إنها للرادارات العراقية قرب بغداد بذريعة الدفاع عن النفس ضد تشويش هذه الرادارات على الطائرات الأمريكية العاملة في الأجواء العراقية. وقد فوجئت العواصم كافة وفي مقدمتها العواصم العربية بهذا القصف وبهذه الذريعة غير المقنعة. وفوجئت اكثر بالتصريحات الأمريكية المتتالية خصوصاً تصريحات الرئيس بوش ووزير خارجيته كولن باول التي كشفت عن أن الإدارة الجديدة وعلى غير ما كان متوقعاً أو مأمولاً. تعطي الأولوية في سلم اهتماماتها الدولية والشرق أوسطية خاصة لاستئناف العمل وبتعبير أدق العدوان والحصار, ضد العراق, مؤكدة أن الهدف الأول من جولة كولن باول في دول المنطقة هو شرح أبعاد (القلق) الأمريكي المستجد من العراق, وعرض الأفكار الأمريكية الهادفة إلى اعادة احياء التحالف ضد العراق بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة من الدول الحليفة (مثل بريطانيا وكندا وإسرائيل) ومن الدول العربية الصديقة بدعوى ان العراق عاد الى انتاج أسلحة تهدد دول الجوار وأمنها وتهدد بشكل أساسي المصالح الأمريكية فيها. وما أن أفصحت واشنطن عن بعض توجهاتها ضد العراق علانية حتى بادر قادة إسرائيل الى استقبال الرسالة الأمريكية بفرح بالغ والإعلان عن استعدادهم للمشاركة والعمل مع واشنطن من أجل تعزيز هذه التوجهات ودعمها, داعين الى ما وصف بأولوية المقاربة الإقليمية ضد العراق في محادثات باول في تل أبيب. أسئلة كثيرة طُرحت قبيل وخلال جولة باول, وأسئلة كثيرة ستُطرح بعدها خصوصاً وأن الإدارة الأمريكية أعلنت عشية الجولة أن باول لا يملك تصورات محددة وأنه جاء الى المنطقة ليلتقي المسئولين فيها لاستطلاع آرائهم في الأفكار والمواقف الأمريكية المعلنة تمهيداً للانتقال في مرحلة تالية الى بلورة هذه الأفكار والسياسات في برامج وخطط عمل للإدارة الجديدة تجاه مجمل الأوضاع والقضايا ببعديها التكتيكي والاستراتيجي. وقد كان السؤال الجوهري وما زال هو: لماذا العراق أولاً؟ ما الذي فعله العراق مجدداً لاحتلال سلم الأولوية في اهتمامات الإدارة الجديدة؟ وأي تحالف هذا الذي ستسعى واشنطن الى إحيائه ضد العراق ولماذا؟ وجاءت الإجابات الأولية من كل العواصم لتؤكد أن العراق لم يأت بشيء يستدعي كل هذا الاستنفار الأمريكي. فقد تم منذ عشرة أعوام إنهاء غزو الكويت وتم الاعتراف بحدودها وتم فرض تقسيم العراق الى مناطق آمنة وفرض حصار عليه ما زال قائماً. وأصبح من حق العراق التخلص من الحصار والعودة الى الأسرة العربية والدولية. في المقابل تلحظ مختلف العواصم العربية والدولية أن واشنطن وعلى امتداد السنوات العشر الماضية من رعايتها لعملية السلام في الشرق الأوسط والتي انطلقت بناء على مبادرة منها لا تزال تلوذ بالصمت الى اليوم تجاه وجوب انسحاب إسرائيل من الجولان والضفة والقطاع الى حدود الرابع من يونيو وتجاه وجوب تفكيكها لمختلف مستوطناتها في هذه الأراضي تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة التي ارتضتها واشنطن وإلى حد ما إسرائيل أساساً لإحلال سلام عادل وشامل في المنطقة. وقد فوجئت العواصم العربية والدولية بإعلان إدارة بوش انها ستتوقف رسمياً عن استخدام تعبير عملية السلام وستستخدم عوضاً عن ذلك تعبير خطوات سلام. وفوجئت أكثر مصادر أمريكية مقربة من إدارة بوش عن أن عملية السلام ستحتل المرتبة الثانية في اهتماماتها مع ترجيحها (ان يسعى باول الى التلويح بورقة أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب, ومبادلة سوريا ودول عربية أخرى ضمانات حيال مغامرات عسكرية محتملة لشارون في مقابل تجميد هذه الدول انفتاحها على العراق). ردود الفعل العربية لم تتوقف عند المفاجأة بل امتدت لتعكس استغراباً وتوجساً عربياً من النيات الحقيقة لإدارة بوش. المفاجأة كانت تامة نظراً لتوقعات وآمال سادت عشية نجاح بوش في انتخابات الرئاسة انطلقت من حقيقة أن إدارة بوش الأب سبق وأن أظهرت تشدداً حيال إسرائيل لدفعها إلى القبول بالمبادرة الأمريكية وبأسس مؤتمر مدريد وبتجميد المستوطنات بعد أن شاركت الدول العربية في التحالف الدولي ضد غزو العراق للكويت. وبناء على ذلك, وعلى تصويت اللوبي اليهودي الأمريكي ضد بوش الابن في الانتخابات, وبسبب المأزق الذي وصلته عملية السلام والعجز الذي أظهرته إدارة كلينتون وسعيها الى اتهام سوريا والسلطة الفلسطينية بالمسئولية عن جمود وتعطل السلام, توقعت هذه العواصم أن تبادر الإدارة الأمريكية الى تفعيل الدور الأمريكي في عملية السلام ودفع إسرائيل الى التجاوب مع متطلبات السلام والضغط عليها لتوقف العنف الذي تمارسه ضد الانتفاضة الفلسطينية تمهيداً لاستئناف مفاوضات السلام. وجاء الاستغراب من التجاهل الذي أظهرته إدارة بوش حتى الآن لضرورات ومتطلبات عملية السلام والانتفاضة الفلسطينية وما تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين من عمليات قتل وإرهاب وتدمير مبرمج وما تحمله تصريحات أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل المنتخب من رسائل تهدد بتفجير الأوضاع في المنطقة. أما التوجس السائد الآن فإن منبعه الخوف من أن تكون واشنطن وتل أبيب تنسقان معاً لتفجير الوضع في المنطقة لفرض هيمنة أمريكية إسرائيلية مشتركة عليها. فواشنطن تدرك جيداً مأزق إسرائيل الناجم عن رفضها المستمر للسلام العادل كخيار استراتيجي ومأزقها في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية بوصفها فعلاً أو انتفاضة استقلال فلسطينية هدفها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة والقطاع وبناء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. وتدرك واشنطن أيضاً أن العرب في خيارهم السلمي واستجابتهم لمتطلباته لم يضعوا إسرائيل فحسب في المأزق بل وضعوا أيضاً الولايات المتحدة في المأزق ذاته: مأزق الرعاية غير العادلة لعملية السلام عبر الانحياز لإسرائيل ومتطلباتها والامتناع عن دعوة إسرائيل الى وجوب الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة. وبالتالي استمرار الاتهام العربي لواشنطن بالكيل بمكيالين مختلفين تجاه العراق وتجاه إسرائيل. فالولايات المتحدة لم تفعل شيئاً لإنهاء احتلال إسرائيل للضفة والقطاع والجولان رغم مرور نحو 34 عاماً على هذا الاحتلال. ولم تقل شيئاً حتى عن وجوب إنهاء هذا الاحتلال. بينما لجأت في المقابل إلى قيادة تحالف دولي شارك فيه العرب من أجل انهاء الغزو العراقي للكويت ومن أجل إلزام العراق بالانصياع لقرارات الأمم المتحدة بما في ذلك قرارات الحصار المفروضة حتى اليوم والقرارات المتعلقة بالمنطقتين الأمنيتين في جنوب وشمال العراق, والقرارات المتعلقة بتدمير قدرات العراق العسكرية. الاتهام العربي لواشنطن ما زال قائماً, والدول العربية مدعوة اليوم الى تفعيل هذا الاتهام والارتقاء بلغته وبالمتطلبات التي يفرضها. فواشنطن التي تدعو اليوم الى إحياء التحالف الدولي السابق بمشاركة عربية ضد العراق وإمكاناته العسكرية تغض النظر وتتجاهل, بل تدعم, امتلاك إسرائيل لقدرات نووية وصاروخية لا تمتلكها أي دولة من دول منطقة الشرق الأوسط, وقد حالت, ولا تزال تحول, دون أي قرار أو إجراء دولي يجبر إسرائيل على القبول بتفتيش دولي لمنشآتها النووية ويجبرها على التخلص من مخزونها النووي والصاروخي الذي يهدد مجمل دول المنطقة وكذلك العديد من الدول الأوروبية. والسؤال المطروح في العواصم العربية الآن: لماذا العراق وليس إسرائيل أولاً؟ إذا كان العراق يملك أسلحة تدمير شامل فإن إسرائيل تملك أضعافاً مضاعفة من هذا السلاح بما في ذلك السلاح النووي والصواريخ المضادة للصواريخ والأقمار الصناعية التي تجوب سماء المنطقة, وإذا كانت واشنطن ترى في قدرات العراق تهديداً لمصالحها في المنطقة بما في ذلك إسرائيل كمصلحة حيوية أمريكية فإن العرب يرون في إسرائيل تهديداً ليس لمصالحهم وانما لوجودهم ذاته ويرون في قدرات العراق, إن وجدت, قوة لهم في مواجهة سلاح الإبادة الإسرائيلي المدعوم أمريكياً. هل تريد واشنطن من هذه السياسة التي لم تجد مؤيداً لها سوى تل أبيب أن تدفع نحو فرض حرب جديدة ضد العراق من أهدافها تدمير العراق وفرض واقع جديد في المنطقة يتيح لإسرائيل الخروج من مأزق السلام والاندفاع نحو عدوان إسرائيلي كاسح ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وضد كل من لبنان وسوريا؟ لقد دفع العرب ثمناً باهظاً لمشاركتهم قبل عشر سنوات في التحالف الدولي لإنهاء غزو الكويت حين اضطروا للقبول بالحصار الذي فُرض على العراق. وقد عملوا خلال الأشهر الماضية من أجل كسر هذا الحصار عبر إعادة العلاقات مع العراق وعودة العراق الى المشاركة في القمة العربية وأظهروا خلال جولة كولن باول رفضاً لشعار العراق أولاً وللمساعي الأمريكية من أجل إحياء التحالف ضد العراق. وهم مدعوون اليوم وغداً عبر القمة العربية المقررة في العاصمة الأردنية هذا الشهر من أجل اتخاذ موقف موحد رافض للطروحات الأمريكية وما تبطنه من نوايا وأهداف لا تخدم سوى إسرائيل وأهدافها الراهنة والمستقبلية. بقلم: عمر كيلاني _ مدير المكتب الصحفي بوزارة الإعلام السورية