نفى الصادق المهدي زعيم حزب الامة السوداني رئيس الوزراء السابق نية حزبه في العودة للعمل داخل صفوف التجمع الوطني الديمقراطي مرة اخرى, وقال في حوار مطول اجرته معه (البيان) في القاهرة ان هذا الامر غير وارد (فالتجمع الوطني كان تنظيما لمرحلة انقضت) ونحن الان بصدد مرحلة جديدة. واعلن ان حزب الامة يواصل حوارات منفردة مع فصائل التجمع ذات الوزن بأمل الاتفاق على تصور اخر يحقق عملا جماعيا في ظل الظروف الموضوعية المتغيرة مما يعني شكلا جديدا وتصورا جديدا للحركة من اجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني في الاستقرار والسلام. واتخذ المهدي موقفا وسطا بين الانتقاد والدفاع عن مذكرة التفاهم الاخيرة بين حزب الزعيم الاسلامي حسن الترابي وحركة قرنق, وعاب فيها انها تفتح جبهة صدامية جديدة وتعمل على التحالف من اجل الاطاحة بالنظام في وقت تبلورت فيه رؤية الحل السياسي السلمي, وقال ان الحكومة السودانية لم تكن لتغض النظر عن اتفاق جهتين احداهما تركز على العمل في الداخل والاخرى تركز على العمل المسلح, الا انه اشار إلى نقاط ايجابية اخرى مطالبا باجراء محاكمة فورية وعادلة للترابي واعوانه مبديا رفضهم في حزب الامة لمبدأ الاعتقال التحفظي. ورجح الصادق المهدي قيام مسئولين نيجيريين بالتوسط بين (الحركة الشعبية) و(المؤتمر الشعبي) لتماثل الاوضاع بين السودان ونيجيريا. وكان المهدي الذي يعد اكثر السودانيين تحركا في الساحة السياسة سواء الداخلية أو الخارجية, مسخرا كل خبراته وفكره وعلمه في البحث عن نقطة يمكن منها البدء في التفاوض من اجل التوصل لحل للازمة السودانية. وقد وصل الى القاهرة هذا الأسبوع لاجراء مزيد من المشاورات مع المسئولين المصريين والتى من المقرر أن يلتقى بوزير خارجيتها مساء الأربعاء المقبل, كما سيجتمع صباح الخميس مع سفراء من خمس عشرة دولة من دول الاتحاد الأوروبى بالقاهرة لبحث سبل دعم حل القضية السودانية, اضافة الى اجراء حوارات مع رئيس الحزب الاتحادى الديمقراطى وبعض فصائل المعارضة وقيادات من التجمع الوطنى الديمقراطي. وبعد غيبة عن القاهرة دامت ثلاثة أشهر بالتمام منذ عودته إلى الخرطوم, كان لابد من لقاء معه للوقوف على آرائه حول آخر القضايا فى الساحة السودانية وتقييمه لهذه الفترة التي امضاها وهو وحزبه فى داخل السودان, فكانت التفاصيل في الحوار التالي: * مذكرة التفاهم التى وقعت بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطنى الشعبي.. هل ترون أن هناك صدقا فى نوايا الطرفين؟ ــ المذكرة من حيث هى حدث موضوعي, وتكاد تطابق نداء الوطن بجزئياتها, ما عدا أنها أدخلت معنى التحالف من أجل الاطاحة بالنظام. فيما يتعلق بهذا المعنى.. نحن نرفض فى المناخ الذى صار فيه التفاوض من أجل حل سياسى شامل ممكن, فتح جبهة جديدة للاطاحة, هذه هى النقطة الرئيسية لخلافنا مع المذكرة. نحن كنا نقول ومازلنا, لو أن المذكرة قالت ما قالت, ولكن ذكرت أن الآن توجد فرصة للتفاوض المباشر ولتحقيق ذلك يجب المطالبة بتأمين الحريات, ونبذ العنف ووقف اطلاق النار من أجل تحقيق هذا الهدف, لو قالت ذلك, لكانت مذكرة قادرة على أن تخطو بالموقف السياسى خطوة الى الأمام. أما فى شكلها الحالى فهى لاشك تفتح جبهة صدامية جديدة فى وقت فيه فرصة لحل سياسى شامل عبر التفاوض والتعبئة لتحقيقه. فيما يتعلق بصدق النوايا, ففى السياسة صعب جدا أن يدخل فيها هذا المقياس.. فهذا المقياس فى الحقيقة فى الدين وفى الأخلاق.. ولكن أستطيع أن أقول الآتي: ما فى شك هنالك ظروف تشهدها الحركة الشعبية وظروف يشهدها المؤتمر الوطنى الشعبى فى الاعتدال بالنسبة لا جندتها الأصلية. فى رأيى أن المؤتمر الوطنى الشعبى فى ظروف تجعله يدرك ضرورة اعادة النظر فى الموقف من العقائد الدينية الأخرى التى يعتقدها ضرورة لاعادة النظر فى الموقف من العقائد الدينية الأخرى التى يعتقدها المواطنون السودانيون, بالنسبة للحركة الشعبية أعتقد أيضا أن هناك ظروفا تجعلها تفكر بطريقة أكثر واقعية فى التعامل مع الاسلام. لاشك أن هذين العاملين يمكن أن يكونا وراء اعادة النظر فى الموقف من بعضهما البعض. الى هذا الحد يمكن أن يكون للتفاهم معنى موضوعي. ولكن, لاشك أيضا أن الموقف السياسى للطرفين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطنى الشعبى لهما فيه أولوية لمواجهة النظام. هذه الأولوية لاشك أنها لعبت دورا, فى رأيى, هاما فى تكوين هذه المذكرة. أيضا هناك جهات يمكن أن تكون وراء التوسط بين الطرفين, أنا لا أذهب الى اتهام أمريكا كما ذهب بعض المسئولين فى السودان لأنى لا أعتقد أن هذا وارد. ولكن الذى يمكن أن يكون هو أن هنالك بعض المسئولين فى نيجيريا, نيجيريا تعانى من مشكلة مماثلة فى التعامل ما بين المسيحيين والمسلمين, وربما كانت هذه الجهات صاحبة دور فى محاولة التقريب بين هذين الطرفين, ومحاولة الانتفاع بهذا المناخ فى نيجيريا نفسها.. هذا فى رأيى هو العنصر الأقرب غير السوداني, الأكثر احتمال أن يكون صاحب وساطة فى هذا الموضوع. * هل ترى أن موقف الحكومة السودانية أو رد فعلها تجاه المذكرة سليما؟ ــ الحكومة السودانية لا تستطيع أن تقف متفرجة لتحالف بين جهة ذات وجود داخل السودان تعمل فى حرية, وجهة تحمل السلاح وتحارب القوات المسلحة السودانية. لا تستطيع الحكومة أن تغض البصر عن هذا التطور, لأن ذلك التطور كان يمكن أن يكون مفيدا اذا كان كما قلت مصحوبا بمفهوم نبذ العنف, ومفهوم وقف اطلاق النار أثناء التفاوض, أما غير ذلك حتى الحكومة البريطانية لم تستطع أن تتجاوز عن موقف الأحزاب التى تؤيد الجيش الجمهورى الايرلندى فى سعيها لايجاد حل سياسي, وكان لابد أن يشترط نبذ العنف للدخول فى أى نوع من التعامل المقبول. لا تستطيع أى حكومة فى أى مكان أن تغض النظر بين تحالف بين جبهتين أحداهما تركز على العمل فى الداخل والثانية تركز على العمل المسلح. ولذلك كان منطقيا أن يتخذ اجراء لكن أنا أعتقد أن ما حدث يجب أن تصحبه وثائق ومعلومات أكيدة تدخل فى تكوين الاتهام والمحاكمة لأننا من حيث المبدأ نرفض الاعتقال التحفظى الذى هو بنظرنا آلية تتناقض مع حقوق الانسان وهذا ما تقره كل المواثيق الدولية.. إذن المطلوب الآن ضرورة اجراء محاكمة علنية وعادلة وعاجلة للمتهمين فى هذا الأمر واعطائهم فرصة للدفاع عن أنفسهم. موقفنا ببساطة أن الاجراءات التى تتخذ من أى جهة ذات نشاط داخل السودان وجهة خارج السودان أو جهة تحمل السلاح, اتخاذ اجراء فى هذا المجال شىء منطقى لكن يجب أن يتم ما يتم فى نطاق حقوق الانسان والعدالة. أضيف فى هذا الصدد, نحن مثلا, نحاور الحركة الشعبية أيضا ونحاول أن نصل الى تفاهم, ولكن الفرق أننا نحاور من أجل الحل السياسى الشامل, من أجل التفاوض الجاد لتحقيقه ومن أجل تأكيد نبذ العنف وضرورة وقف اطلاق النار أثناء التفاوض. نحن اذن نحاور من أجل قفل جبهات الصدام وتوسيع قاعدة التفاهم وهذا مختلف عما حدث من زيادة جبهات الصدام. * هل للمؤتمر الوطنى الشعبى ثقل يمكن من خلاله تنفيذ بنود المذكرة؟ ــ أولا لنتحدث عن شخص د. الترابي. فالدكتور الترابى هو رمز الحركة التى يمكن ان نسميها إخوانية فى السودان, على اختلاف المسميات, وهذا يعطيه وزنا خاصا, د. الترابى أيضا يكاد يكون مفكرها الأوحد. إذن كل الذين يتعلقون بالمثاليات فى الحركة هو معلمهم واستاذهم, وهذه صفة ثانية. لهذه الأسباب لاشك أنه وجد تأييدا فى أوساط الشباب والطلاب فى الحركة وأيضا المرأة, لأنه هو صاحب الأفكار فى داخل هذا التجمع الأكثر انحيازا لها. فى رأيى هذه الأشياء تعطيه وزنا تعطى حزبه هذا وزنا نوعيا, لا أقول كميا, فيما يتعلق ببقية السودانيين, أى غير الاخوانيين, أعتقد أن موقفهم عموما وهم معارضون للنظام يحملون د. الترابى مسئولية أكثر من الآخرين. ولذلك هم أكثر انحيازا ضده, وهذا يعنى أن امكانية ايجاد تحالفات له أو لحزبه خارج الأوساط الاخوانية.. إمكانية ضعيفة. هذا هو وزنه فى رأيي, اللهم إلا اذا أدى التفاهم الأخير مع الحركة الى أحد أمرين كلاهما وارد: أولهما أن يصاب الذين يؤيدونه من أصحاب مثاليات بخيبة أمل فى مذكرة التفاهم, بأنها غير متدثرة بالقدر الكافى بالوشاح الاسلامي. هذا يمكن أن يسبب ردة فعل مضادة للتفاهم ويقضى للضعف فى الموقف. ثانيهما: يمكن أن يحدث العكس وهو إحساس كثير من قواعد هذه المجموعة حتى التى تقف مع المؤتمر الوطنى بقيادة الرئيس البشير, يمكن أن ينفعلوا باحساس أن شيخهم قد ظلم وهذه تخلق عاطفة قوية تدعم موقفه. فهل يحدث الأمر الأول وهو تعرية الموقف, أم الموقف الثانى وهو دعم الموقف؟ هذا ستكشف عنه الأيام ولكن كلاهما محتمل. * هل تحركاتكم فى الفترة الأخيرة, زيارة ليبيا, ثم الآن مصر, تكشف عن تخوفات من فرض حلول أخرى؟ ــ ليس تخوف, ولكن المبادرة المشتركة تراوح مكانها منذ مدة وهذا معناه اذا لم تتحرك فستفقد دورها. ثانيا, لاشك أن مشاكل السودان الانسانية المتعلقة بالحرب وبالتوتر فى تزايد, هذا يجعل الحاجة للتحرك فى هذا المجال ملحة, ثالثا, يمكن القول بوضوح أن فرص ايجاد حل سياسى فى السودان موضوعيا الآن أفضل من أى وقت مضى لأن الأفكار المتعصبة التى كانت توجد هنا وهناك فى رأيى صارت منحسرة, فانحسار التعصب من شأنه أن يجعل أى مجهود جاد ناجح. رابعا, لاشك أن كثيرا من الجهات المعنية بشأن السودان قلقة الآن خصوصا بعد التأكد من أن مبادرة الايجاد دخلت فى طريق مسدود. فالآن هناك اجتماع لشركاء الايجاد سيما الاتحاد الأوروبى يريدون أن يتحدثوا باهتمام أكبر لأن هناك ضغطا من الكنائس ومن الرأى العام فى بلدانهم لايجاد حل للمسألة السودانية, ولعلك أطلعتنى على بيان القساوسة فى نيروبى الذى أصدروه فى الشهر الماضى كان بيانا ملحا لضرورة عمل شئ بعد عرض المأساة. هنالك أيضا التغيير الذى حدث فى أمريكا.. الحكومة الجديدة, مع أن حكومة كلينتون كانت مهتمة بالشأن, السودانى ولكنها كانت مهتمة فى رأيى بطريقة خاطئة. فالآن الادارة الجديدة تريد التواصل بالاهتمام بالشأن السودانى بدرجة أقل ولكن بتحضير أفضل, هذا يمكن أن يجعل موقفها داعما لضرورة عمل شئ لايجاد حل سياسي. كل هذه عوامل تحوم فى الجو وتلح على المبادرة المشتركة أن تتحرك وإلا سيغرى هذا الفراغ لظهور أشياء أخرى قد تسلب المبادرة المشتركة دورها. * ماذا عنيتم بتعبير (مصر متأنية وليبيا متعجلة) الذى ذكرته فى تصريح صحفى سابق؟ ــ أنا أعتقد أن ليبيا تدرك المشاكل المتعلقة بالإشكال السوداني, وكذلك مصر, وكلاهما مهتم بايجاد حل, والحيلولة دون السماح بسقوط المبادرة المشتركة, وبعدم السماح بتدويل الشأن السوداني, ولكن ما يجعل مصر متأنية هو أنها تعتقد أن الاسراع بعقد الملتقى الجامع مثلا دون تأكيد مشاركة الحركة الشعبية سوف يؤدى الى اتفاق شمالي ــ شمالى وهذا من شأنه أن يكرس الفرقة بين الشمال والجنوب لذلك هم يربطون سرعة تحركهم بإمكان تحريك موقف الحركة الشعبية. طبعا مع حقيقة الأمر إذن يصبح موقف الحركة الشعبية معطلا فى نظرهم للسرعة التى يمكن بها أن تتم الاجراءات. هذا فى رأيى يفسر التأنى والاسراع. * إذن ما هى فى نظركم فائدة الملتقى الجامع دون مشاركة كل الأطراف السودانية شمالها وجنوبها؟ ــ ليس المفترض أن يكون الملتقى الجامع (شمالي ــ شمالي), مفروض أن يكون عاما. لكن فى النهاية وفى رأيى يجب ألا يسمح لأى طرف سودانى أن يفرض (فيتو) على ما يحدث فى السودان. هذا هو الأمر الذى يحتاج الى توضيح, لابد من تحرك فى الشأن السوداني. اذا كان هناك طرف يتباطأ, يجب أن تكثف الجهود لحمله على الموافقة على التفاوض المباشر. اللهم إلا اذا ثبت بعد كل هذا المجهود أن هذا الطرف المعنى فى النهاية غير مستعد نهائيا للتجاوب مع هذا الموقف, وفى رأيى هناك عوامل الآن ربما أثرت على موقف الحركة الشعبية كما ذكرت فى الأول لتغيير موقفها. على كل حال, أيا كان الموضوع فإن التحرك الليبى الحالى لتفعيل وتسريع المبادرة المشتركة ضرورى باعتبار, كما قلت, أن الظرف لا يسمح باستمرار الأمر معلقا. فإما أن تتحرك المبادرة المشتركة بسرعة, وإما أن يخلق فراغا يمكن أن يفرض اتجاهات أخرى. * هل هناك إمكانية لعودة حزب الأمة للعمل من داخل صفوف التجمع الوطنى الديمقراطي؟ ــ فى رأيي, كما قلت سابقا, تجمع الخارج بالشكل الذى قام كان تنظيما ضروريا لمرحلة مضت الآن, نحن بصدد مرحلة جديدة, وفى هذه المرحلة الجديدة نحن (حزب الأمة) نقوم بحوار جاد ومسئول مع الفصائل ذات الوزن فى المعارضة بأمل الاتفاق على تصور آخر يحقق عملا جماعيا فى ظل ظروف موضوعية متغيرة, هذا بالضرورة يعنى شكلا جديدا, وتصورا جديدا للحركة من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني, ولذلك فى هذه المرحلة غير وارد الحديث عن علاقة بين حزب الأمة والفصائل الأخرى المنضوية تحت التجمع, كتجمع, ولكن هذا لا يمنع فى رأيى وجود حوارات جادة بين حزب الأمة وبين فصائل المعارضة كلها من أجل التعاون فى شكل جديد يلائم المرحلة الجديدة. * هل هناك خلافات مع أى فصيل من فصائل التجمع؟ ــ نعم هناك خلافات, ولكن هى خلافات محدودة فى رأيي, ولا تمنع التطلع لمعالجتها, بطبيعة الحال هناك خلافات وإلا لما حدثت الفرقة فى الماضي. أهم مشكلة نواجهها الآن فى أى نوع من الحوار هو أن كثيرا من الفصائل هى نفسها تفتقد المنبر الواحد فى داخلها, وهذا يجعل تعددية فى كل فصيل, هذه مشكلتهم وليس مشكلتنا, بالنسبة لنا لا توجد أى عقبة أو مشكلة خاصة مع أى فصيل كمشكلة خاصة, توجد خلافات فى بعض الأمور, وما دمنا نسعى لتوحيد القوى السياسية السودانية حول الأجندة الوطنية فهذا يعنى أننا معنيون بكل الفصائل ومتطلعون الى مرحلة يكون فيها تلاق حول الحد الأدنى من أجل العمل الذى يحقق الاستقرار والسلام فى السودان. * كيف تصف علاقتكم بالحزب الشيوعى السوداني؟ ــ الآن فى اعتقادى قائمة على أساس حوارات أشبه بالشخصية, ولكننى كنت ومازلت حريصا على أن تجب هذه الأمور بلقاء مباشر مع سكرتير الحزب الشيوعى الأستاذ محمد ابراهيم نقد, وكنت فى الداخل والخارج باستمرار أوجه له نداء أن أخرج من الموقف الحالى وتعال أولا ليتمكن الحزب الشيوعى من تحديد رؤاه فى المتغيرات السريعة الموجودة حاليا, وثانيا ليتمكن من الحوار الجاد.. لكن أنا أعتقد أن هناك حاجة ملحة الآن للقاء قمة بيننا وبين قيادة الحزب الشيوعى السودانى بأمل مناقشة كل الموقف السياسى السودانى والوصول الى الحد الأدنى من التفاهم الممكن. * ما هو تقييمكم لفترة الثلاثة أشهر الماضية, التي تلت عودتكم وتطورات موقف الحكومة؟ ــ كل الذى شهدته فى الداخل يدل على أن هناك اتجاها جادا لدى الحكومة للتفاوض من أجل الحل السياسى الشامل. ولكن توجد مشاكل, لأن هناك من لديهم تحفظات فى هذا الصدد وأيضا هنالك مشاكل تخلقها المواقف الآنية من المعارضة التى تدخل فى اطار المحظورات فتؤثر على الحريات. مثلما حدث من سكرتارية التجمع فى الداخل, نحن كنا نقول لإخواننا فى التجمع يجب أن نتفق على حماية الحريات, لكن يجب أن يقترن هذا مع نبذ العنف, لأنه من الاستحالة المطالبة بالحرية وممارسة العنف فى نفس الوقت, والعنف والقهر فى رأيى مرتبطان, فاذا طالبنا وعملنا على رفع القهر, فيجب أن يقترن هذا بنبذ العنف, هذه معادلة تحتاج منا الى اتفاق لكى نحمى حريتنا لا يعنى هذا أن نتفق مع الحكومة لكن يجب أن ننظم وسائل معارضتنا.. والتى يجب ألا يدخل فيها عامل العنف الذى يعقد الأمور. فى رأيى الآتي: ــ هنالك توجه جاد لدى النظام للتفاوض من أجل الحل السياسى الشامل. ــ داخل النظام توجد عناصر غير راضية عن هذا, وهذا طبيعى ليس به تكتل أو وجهة نظر مختلفة, وهؤلاء يعملون ما يمكن عمله لعرقلة هذا الخط. ــ هذه العرقلة تجد مبررا من مواقف فى المعارضة لا تميز المعارضة عن موقف العنف, هذا يعطى مبررا ويصبح هناك تحالف غير مكتوب بين من لا يريد تغيير داخل النظام حرصا على القبضة الحديدية ومن لا يريد أن يتخلى عن العنف فى المعارضة مما يجعل هناك مبررا لقبضة حديدية. فيما عدا هذا نحن فى حزب الأمة نعتقد أننا غيرنا المناخ السياسى فى السودان لمناخ فيه احساس بمخاض فيه احساس بضرورة التغيير, وفيه احتمالات لهذا التغيير, كما أننا قمنا بتعبئة شعبية كبيرة دعما للحل السياسى الشامل, كذلك أحيينا تنظيمات الحزب العلنية بصورة كبيرة وماضون فى هذا العمل وقد ر فعنا شعار أربعة تاءات سنعمل بها فى المرحلة القادمة, التاء الأولى هى التفاوض مع النظام, وفى رأيى أننا بلغنا بهذا مرحلة محدودة صاغها القرار الأخير, والذى يحتوى على ثلاثة أجزاء. الجزء الأول يتحدث عن ما أمكن تحقيقه من برنامج وطني, نحن على استعداد لمواصلة الحوار حول التفاصيل الباقية للتوقيع على برنامج وطنى يكون بمثابة جيبوتى الثانية. ثانيا, هناك قضايا, نحن على استعداد للتعاون السياسى فيها (ملف السلام) الملفات التى يمكن تسميتها ملفات قومية مثل التعديلات الدستورية المطلوبة, الاصلاحات المطلوبة فى مؤسسات الدولة بالنسبة لاعادة المفصولين.. الخ.. ضرورة تأمين قومية الاقتصاد الوطنى وازالة أسباب التميز الحزبي.. كل هذه الملفات نحن مستعدون على الصعيد السياسى أن نتعاون فيها. الجزء الثالث فيما يتعلق بالمشاركة فى السلطة وتحمل المسئولية التضامنية قرر حزب الأمة امكانية حدوثهما فى ظرفين, فى اطار انتخابات حرة شريفة يتفق على قوانيها وضوابط نزاهتها, أو فى اطار اتفاق جماعى وشكل انتقالي. إذن التفاوض مع النظام بلغ مرحلة بها هذا الوضوح وهذا التطور. التاء الثانية هى التحاور مع القوى السياسية الأخرى. وهذا أيضا قطع شوطا فى المجالات المختلفة, وتستطيع القول أننا الآن أقرب المعارضين للحكومة وأقرب المتفاوضين مع الحكومة للمعارضة, مما يعطينا ــ فى رأيي ــ موقعا نستطيع منه أن نواصل المهمة وهى ايجاد الحل السياسى الشامل, لأنك اذا أردت تحقيق حلا سياسيا شاملا, فلابد من أن تتحدث مع كل الأطراف المعنية. التاء الثالثة هى التعبئة, عملنا تعبئة سياسية واسعة فى سبيل دعم الأجندة الوطنية, وصار هذا جزءاً مهما, وقد ساعدت الصحافة كثيرا فى ذلك لأنها مع الأجندة الوطنية بصورة أو بأخرى.. التعبئة الموجودة فى السودان الآن تجعل أى شخص لابد أن يراعى ماذا يرى الرأى العام, الذي أصبحنا أمامه كقوى سياسية أمام مساءلة, فمثلا الاجراءات الأخيرة التى حدثت داخل حزب الأمة وجدت ترحيبا كبيرا لدى الرأى العام فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية داخل الحزب, ووزن الموقف السياسى نفسه. التاء الرابعة هى التنظيم, وضعنا كل الترتيبات والتنظيمات والمشاكل التنظيمية ونسير فى تنفيذ التصورات التي اتفق عليها. إذن كما قلت فيما يتعلق بالنظام هناك ما ذكرت من حقائق ومشاكل, وفيما يتعلق بالمعارضة يوجد ما قلت من حقائق ومشاكل, فيما يتعلق بنا توجد هذه التاءات التى أعتقد أننا قطعنا فيها شوطا طويلا فى هذه الأشهر الثلاثة الماضية. * هامش الحريات المتحدث عنه, هل اتسع أم ضاق, وما هو تعلقيكم على مسألة الاعتقالات؟ ــ فى رأيى مبدئيا هامش الحريات واسع الآن لأنه لم يعد هناك تردد فى الاعتراف بالتعددية فيما يتعلق بالمبادئ هناك وضوح رؤية, لكن فيما يتعلق بالممارسة توجد مشاكل مثلا لاشك أن استمرار حالة الطوارئ تشكل نكسة وهى مرتبطة الى حد كبير بالتوتر الموجود بين النظام والمؤتمر الوطنى الشعبي.. لأن الأخير حتى قبل مذكرة التفاهم يتحدث عن ضرورة الانتفاضة الآن ويخاطب جماهيره بهذا المعنى وهذا يشكل بلاشك مشكلة. أيضا تعديل قانون العمل الذى حدث بالنسبة لعدم عمل المرأة فى بعض الوظائف كان خطأ ويشكل تضييقا, ولكن فى رأيى هذا الموقف غير مجمع عليه فى داخل النظام نفسه, وأتوقع لهذا القانون مشكلة كبرى أمام المجلس الوطنى الجديد لأنه هو نفسه اجراء غير قانوني, حيث لا يجوز اصدار قوانين بأمر مؤقت فى القضايا التى تتعلق بالحريات, وسيكون هناك طعن فى قانونية الاجراء نفسه, وهناك تيار قوى داخل النظام ضد هذا الاجراء. بدون شك اتخذت اجراءات غير سليمة بالنسبة مثلا لاتهام ومحاكمة لاسيدة آمال عباس.. أيضا الاعتقال غير المبرر للاستاذين غازى سليمان وعلى محمود حسنين, وفى رأيى رغم وجود هذه الأخطاء إلا أن الموقف الآن يختلف عن السابق. ففى الماضى كانت عندما تحدث هذه الأشياء تحدث وهناك موقف أصم من النظام ضدها, وهناك أيضا نوع من التعتيم عليها, الآن هذه الأشياء تحدث ويتضح الرأى والرأى الآخر داخل النظام حولها, ويتضح الرفض لها والتعبئة ضدها من داخل السودان.. وهذا الحديث الذى أقوله الآن قلته من منابر داخل السودان.. إذن هذه الاجراءات حولها درجة عالية من الشفافية, بحيث أنه يمكن ابراز المعارضة لها بل وتحويلها الى مكاسب سياسية للمعارضة, وهذا كله فى رأيى يمكن أن يعتبر من هامش الحريات لأن وجود رأى ورأى آخر داخل النظام حول هذه الأشياء, وجود شفافية للتحدث عنها, ووجود امكانية لمعارضتها من الداخل تعتبر جزءا من هامش الحريات. ما أريد قوله أن هامش الحريات من حيث المبادئ متفق عليه, من حيث الممارسات حدثت انتكاسات ولكن هذه الانتكاسات ليست من نوع العودة للمربع الأول, وإنما تصب فى خانة مربع جديد فيه هذه الانتكاسات نفسها وظفت من قبلنا لصالح توسيع هامش الحريات, ولذلك لا أعدها مثل الشكل القديم إنما شكلا آخر من أشكال التجاذب حول قضية الحريات فى السودان. * كيف تفسر قول الحكومة بأن الحل السياسى يجب أن يكون وفق ثوابت الانقاذ؟ ــ فى رأيى أن هذا الحديث مجرد شعار لا معنى له. الآن أعتقد أن كل العصبيات قد انحسرت واذا سألتنى ماهى ثوابت الانقاذ؟ فان الانقاذ كانت ترفض التعددية, وكانت ترفض المواطنة أساس الحقوق والواجبات, فى رأيى أن لغة النظام تغيرت الآن, وأصبح حديثه ليس عن ثوابت الانقاذ وإنما ثوابت السودان, فى السيادة الوطنية, والوحدة الوطنية وكل القوى تؤيد ذلك, لذلك حدث تغيير, نحن فى حوارنا مع النظام لم نتحدث أبدا لا من قريب أو بعيد أو حتى سألنا سؤالا أو هم ذكروا (ماهى ثوابت الانقاذ)؟ نحن نتحدث عن ما هى ثوابت السودان؟ وما هى ثوابت السلام؟ وقد حدث تطور فى الموقف, فقد كان فى الماضى الحديث أن المسلمين يحددوا انتماءهم ثم يتحدثوا مع الآخرين بحقهم كأقليات فى السودان. صار الحديث الآن أننا كمسلمين نمارس حقوقنا مراعين ثلاثة عوامل أساسية هي: لا يوجد شخص لديه حق وصاية على الآخرين, ثم مراعاة حقوق الآخرين فى المواطنة, وأن يكون ما ننادى به عبر آلية ديمقراطية.. وهذا انتقال فى الفكر الاسلامى لنا ولغيرنا.. أننا نتحدث عن الاسلام بمنطلق صحوى وليس منطلق منكفىء وهذه خطوة الى الأمام فى تعاطى الملف الاسلامي. نتحدث عن ثوابت السودان: استقراره, عدم التدخل فى شئونه, وقف الحرب, تحقيق السلام فيه, الوحدة الوطنية الطوعية, منع التدويل, تحقيق التنمية.. نتحدث عن ثوابت الاسلام بمنطق صحوي, وثوابت السودان بمنطق وطني, هذا انتقال عن الثوابت التى كانت مربوطة ببرنامج الجبهة القومية الاسلامية وانتقلت الى المناخ الذى أتحدث عنه الآن.. الذى آسف له كثيرا أن كثيرا من اخواننا المفكرين والمثقفين لا يستطيعون رؤية هذه الأشياء التى حدثت. لم يجد الحديث عن الثوابت هو تلك الثوابت, صار الحديث عن ثوابت أخرى يمكن لنا جميعا أن نقبلها كمسلمين أو كمواطنين سودانيين. لم أواجه خلال أى حوار مع النظام أن عددوا لى ثوابت الانقاذ, لأنه اذا حدث ذلك فسيكون ردنا كحزب أمة أو كمعارضين هو تعديد ثوابتنا, ثم يصبح الحوار حوار طرشان. وتكون المعادلة كما يقول الأمريكان معادلة صفرية.. أعتقد أنه لم تعد هناك هذه المعادلة وأهم من ذلك اختفاء التعصب من الطرفين وهذا مناخ يمكن تطويره. الخلاصة ان أى حديث أو تطلع لتغييرات عن طريق مواجهات فى بلد واسع وملئ بالبارود والأحقاد والمشاكل هو التمهيد لحالة خطيرة, لذلك إذا أمكن ايجاد حل للسودان متفاوض عليه أفضل من أى خيار آخر الآن. حوار ــ رجاء العباسي