تعاني دول العالم بأنظمتها المختلفة من أنواع الفساد: المالي, الإداري, الاقتصادي, بل التعليمي والديني والاجتماعي, وقد استشرت ظاهرة الفساد في العقد الأخير من القرن الماضي بتأثير من سياسات العولمة والعصرنة والتكنولوجيا السريعة وانتشار الشركات العالمية, والتي شكلت جميعها مدخلاً لخلق مصادر جديدة للثروة والسلطة والنفوذ, وهي (الظاهرة) في دلالاتها تعبير عن أخلاقية النظام الرأسمالي التي جعلت المال وكسبه المعيار الوحيد في الحياة, أي ان الفساد ظاهرة عالمية وإن اختلفت من حيث أسبابه وطرقه ونتائجه في البلدان المتقدمة عن الفساد الشائع في البلدان النامية أو المتخلفة. وانطلاقاً من المخاطر الشاملة للفساد على الدول والأنظمة والشعوب والمجتمعات برز ما يشبه إجماع عالمي على مكافحة هذه الظاهرة والتصدي لها, وتجسد ذلك بداية في تأسيس (منظمة الشفافية الدولية لمكافحة الفساد) في مايو عام 1993 ومن ثم تشكيل مجموعة من اللجان والهيئات وعقد اتفاقيات ثنائية وإقليمية بهدف الحد من الظاهرة ومعالجتها, وساهمت وسائل الإعلام وزيادة الوعي والثقافة والمطالبة بتحقيق العدل والمساواة في فضح الفساد المنتشر في دول العالم, وعلى هذه الأرضية جرت اضطرابات اجتماعية وسياسية أدت إلى اسقاط الأنظمة في الفلبين والبرازيل واندونيسيا والكونغو الديمقراطية... كما أدت بالعديد من الشخصيات الحكومية في عدد من البلدان إلى المحاكمة والسجن والاستقالة والانتحار, ومن الأحداث البارزة في هذا السياق, عالمياً: الحكم على رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق بيتينو كراكسي بالسجن أربع سنوات في عام 1995 لقبوله مع شخصيات أخرى رشوة قدرت بـ 94 مليون دولار. واستقالة ويلي كلايس السكرتير العام الأسبق لحلف الشمال الأطلسي 1995 إثر فضيحة مالية ثبت تورطه فيها, إذ تلقى رشوة قدرها 8.1 مليون دولار مقابل تسهيل عقد لشركة ايطالية لشراء 46 طائرة للجيش البلجيكي, واستقالة المفوضية الأوروبية برئاسة جاك سانتير على خلفية فضيحة رشوة, والفضيحة التي دوت في عالم الرياضة عندما كشفت وسائل الإعلام أن مدينة سولت ليك ستي الأمريكية قد رشت ستة أعضاء من أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية للحصول على تأييدهم في اختيار هذه المدينة مسرحاً لمباريات عام 2002م الأولمبية, حيث سارع المرتشون إلى تقديم استقالاتهم... القائمة الدولية تطول وتطول... وعربياً, طالت حملة مكافحة الفساد في سوريا عام 1999 رئيس الحكومة السابق محمود الزعبي الذي انتحر, كما طالت نائبه للشئون الاقتصادية سليم ياسين ووزير النقل في حكومته مفيد عبدالكريم. وإذا كان الفساد في الدول المتقدمة خاضع للسيطرة والمساءلة لما يتوافر في هذه الدول من مؤسسات رسمية والتزام بالقوانين وعدالة نسبية في مسألة توزيع الثروة وتوازن في علاقة السلطات والأجهزة بالمؤسسات الاقتصادية والمدنية, فضلاً عن وجود رأي عام فعّال يراقب ويسأل ويحاسب, فإنه (الفساد) في الدول النامية هو القاعدة وليس الاستثناء وإن كان يأخذ أشكالاً مختلفة تتراوح بين صفقات سرية والقبول بعمولة على شكل نسبة في المئة من قيم العقود, وانتشار ظاهرة (البقشيش) بشكل واسع في معظم الدوائر والمؤسسات وهي عبارة عن رشوة خفيفة للمواطن بغية السرعة في انجاز المعاملة كي لا تنام في الأدراج لأشهر وربما لسنوات, وفي جميع الأحوال, يشكل الفساد عقبة في وجه التنمية وعاملاً مدمراً على الصُعد الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية نظراً لشراهة المرتشين الذين يرون في المال الوسيلة الوحيدة لبناء امبراطورياتهم الشخصية ونفوذهم. في قراءة أسباب الفساد في الدول النامية, تفيد معظم الأبحاث والدراسات التي أجريت في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أن أسباب الفساد وعوامله في هذه البلدان متشابهة وإن اختلفت بهذه النسبة أو تلك من هذا البلد الى الآخر, ومن أهم هذه الأسباب: انتشار البيروقراطية والتضخم الإداري نتيجة طغيان الدور المركزي للحكومة في المؤسسات المختلفة, ويشكل ذلك أرضية خصبة لممارسة الرشوة وانتشار الفساد والالتفاف على القرارات وتجاوز القوانين ووضعها في خدمة أصحاب الشركات والمشاريع الخاصة الذين يرون في تقديم رشوة بنسب 5 إلى 20% من نسبة أي مشروع أربح لهم مادياً من الالتزام بالقوانين والبيروقراطية والأمراض الإدارية التي قد تطول وتطول. غياب أنظمة الرقابة وأجهزتها, وكذلك غياب المحاسبة وقواعد العقاب والتأديب الأمر الذي يجعل من الفساد ظاهرة شبه حرة شائعة في هذه البلدان, ما دام المرتشي والراشي بعيدين عن المساءلة والمحاكمة والعقاب. ضعف الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي مقارنة بقوة الحكومات وأجهزتها في دول العالم النامي, حيث لا تقيم هذه الحكومات الوزن للرأي العام والمؤسسات المدنية, في الوقت الذي يفتقر فيه الرأي العام الى الوسائل الإعلامية للتعبير عن رأيه وترجمة مواقفه ورغباته مقابل امتلاك الدولة لهذه الوسائل وغيرها. ضعف الجهاز القضائي ومحدودية دوره, والتدخل الحكومي الصريح أو الضمني في عمل الجهاز القضائي, فضلاً عن غياب الفعالية من قبل المؤسسات والهيئات الرقابية المعنية. غياب العدالة في توزيع الدخل الوطني, وفشل التنمية في رفع مستوى المعيشة, وضعف الدخل وسيادة القيم الاستهلاكية والأنماط السلوكية السلبية ووسائل الإغراء, كل ذلك في ظل العصرنة والعولمة والانفتاح الهائل والتكنولوجيا السريعة. هذه الأسباب وغيرها تشكل الأرضية الأساسية للفساد في الدول النامية التي تقول الدراسات إن دولة مثل ألمانيا تدفع سنوياً نحو ثلاثة مليارات دولار على شكل رشاوى الى المسئولين في هذه الدول بينما يضع المسئولون المتورطون في قضايا الفساد في هذا البلدان نحو عشرين مليار دولار في الحسابات والمشاريع الخاصة لهم في ألمانيا! ورغم أن السيطرة على الفساد ومكافحة هذه الظاهرة ــ الآفة صعبة ومعقدة, فإن معظم الدول والمنظمات اتجهت إلى التصدي لهذه الظاهرة ومكافحتها, وبرز نوع من الحمى في اصطياد المرتشين وفضحهم ومعاقبتهم, وفي الوقت نفسه برزت اتجاهات داعية الى معالجة جذرية لهذه الظاهرة عبر اتخاذ خطوات وإجراءات مركبة في أبعادها القانونية والأمنية والسياسية والاقتصادية, وفي معرض المعالجة يرى المعنيون أنه ينبغي اتخاذ مجموعة خطوات أساسية لابد منها, وأهمها: معاقبة الفاسدين, لا سيما رموزهم البارزة, كإجراء رادع لهم وللآخرين من جهة, ومن جهة ثانية تأكيد على ان العقاب يطول الجميع وأن القانون فوق الأشخاص مهما كانت مناصبهم ومسئولياتهم ونفوذهم, وهذا يتوقف على نزاهة القيادة السياسية بالدرجة الأولى. تطوير أنظمة المراقبة وقوانين الرقابة واستخدام الأجهزة الحديثة والدقيقة لمراقبة المرتشين وكشفهم بالسرعة القصوى. استقلالية الجهاز القضائي وعدم التدخل في عمله في مجال المحاكمة والأحكام والمحاسبة, وتحديث القوانين والأنظمة المتبعة في هذا المجال. تحقيق العدل الاجتماعي في مسألة توزيع الدخل, وتحسين الظروف المعيشية بتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية, بما يتناسب الدخل مع الحاجات المعيشية والاستهلاكية. جعل الرأي العام قوة فعّالة موازية لقوة الدولة وأجهزتها, من خلال خلق توازن بين دور الدولة ودور المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية, وتفعيل الإعلام ودوره في حياة المجتمعات والشعوب والدول. عقد اتفاقيات ثنائية وإقليمية ودولية في هذا المجال, وإعطاء دور فعّال للمنظمات الدولية المعنية في مجال مكافحة الفساد والحد منه, وامتلاك الآليات والأدوات والأطر اللازمة لمنع انتشار الفساد بين البلدان عن طريق النشاطات الاستثمارية والشركات المتعددة والأشخاص. وفي الختام, إن وعي واقع الفساد, أي مجمل الظروف التي أدت إلى ظهوره هو الشرط الأول لتجاوزه (الفساد), وهو الشرط الذي يجعل منه ظاهرة طارئة قابلة للمعالجة, مع الإقرار باستحالة القضاء على الفساد بشكل نهائي. بقلم: خورشيد دلي _ كاتب سوري