الفساد بكل صورة وأشكاله يعني استخدام وضع شرعي لتحقيق كسب غير شرعي. وهو قديم قدم المجتمعات البشرية. وقد تحدث عنه المصلحون والمفكرون والفلاسفة منذ أيام حمورابي وأرسطو طاليس وحتى يومنا هذا. إلا أن ما يثير الانتباه هو أن الفساد انتشر فى العقود الثلاثة الأخيرة التى هى عقود التنمية الشاملة, وبات يشكل ظاهرة تتغلغل وتنتشر فى الظلام, فطالت الملاحقات القضائية رؤساء دول ورؤساء للوزراء فى أكثر من بلد, ووزراء ونوابا ورؤساء هيئات ومؤسسات عامة وخاصة. الشفافية تقلص فرص الفساد ومما لاشك فيه أن الجاه والمنصب يصبحان مدخلا إلى الثراء حين تتراجع الشفافية فى المجتمع, والشفافية السياسية تصحب معها بالضرورة الشفافية الاقتصادية. إذ كما أن الأولى تعطيك صورة دقيقة لتوجهات المجتمع وخرائطة السياسية, فإن الثانية تكشف لك دقائق الخرائط والتضاريس المالية والاقتصادية. كما يعرف دارسو القانون الدستورى أن النظام الديمقراطى والمالى التشريعية لم تظهر إلى الوجود إلا لتوفير الشفافية المالية. وفي كل الأحوال لا يمكن القول بانعدام الفساد في الدول المتقدمة, ولكن تواجد مؤسسات وقواعد وسلوكيات تباشر رقابة الدولة على المال العام يحد كثيرا من ظاهرة الفساد المالى. لاسيما وأن المؤسسات الدولية أصبح لها دور فى مباشرة هذا الدور. انعكس ذلك فى مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولى, وتقارير التنمية الدولية, وجهود منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية فى هذا الشأن. واستكمالا لهذه الجهود تأسست منظمات دولية غير حكومية تدعو إلى الشفافية, ومن أهمها ما عرف بمنظمة الشفافية الدولية التى أسسها عام 1993 بيتر ايجن وهو أحد كبار المسئولين السابقين فى البنك الدولى, وعقدت أول اجتماعاتها فى نفس العام مناشدة كلا من الحكومات والشركات التى انضمت إلى عضويتها بالتوقف عن قبول أو تلقى العمولات أو الرشاوى. ونتيجة لخطورة ظاهرة الفساد, تعددت الدراسات التى توصلت جميعها إلى نتيجة هامة مفادها أن استفحال الفساد يرجع فى أحد جوانبه إلى احتكار القوة من قبل المسئولين إضافة إلى تدنى مستوى الشفافية, وتراجع نطاق المساءلة. والواقع أنه بالرغم من عمومية ظاهرة الفساد وعدم ارتباطها بالدول والمجتمعات النامية فقط, فإن هناك عددا من الاعتبارات التى تحكم هذه الظاهرة فى المجتمعات المتقدمة, يتمثل أهمها فى أن الفساد فى الدول المتقدمة يمكن التحكم فيه وضبطه من خلال آليات مؤسسية راسخة تستطيع أن توقف الفساد عند أدنى درجة ممكنة, ومن ثم تقويض الآثار السلبية والاضرار المترتبة عليه, كما أن الرأى العام فى الدول المتقدمة ومؤسساته الصحافية يقوم بدور بارز فى الكشف عن الظواهر المنحرفة وغير الاخلاقية فى المجتمع.وعلى النقيض من ذلك فإن البعد القيمى والأخلاقى السائد فى الدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة, وحيث تحاول النخب المسيطرة فى الدول المتخلفة أن تجعل ثقافتها هى المسيطرة, فإنها تخلق حالة من اللاوعى بين الجماهير يصل بها الأمر فى بعض الأحيان إلى النظر إلى الفساد باعتباره قيمة فى حد ذاته وله مشروعيته!! أنواع الفساد الاقتصادي يمكن تصنيف الفساد بطرق مختلفة. فطبقا للمعيار الأول وهو إنتماء الافراد المنخرطين فيه إلى القطاع العام أو الخاص ينقسم الفساد إلى: فساد القطاع العام: ويعتبر أشد عائق للتنمية على مستوى العالم, ويعنى استغلال المنصب العام (خاصة أدوات السياسة مثل التعريفات والائتمان والاعفاءات الضريبية ) لأغراض خاصة. حيث يتواطأ الموظفون العموميون معا لتحويل الفوائد إلى أنفسهم بطرق مختلفة مثل الاختلاس وسرقة الأموال العامة والرشوة.. الخ وستظل ثروة شاه إيران التى قدرت بعشرين بليون دولار مثالا على الفساد العام للحكام, ذلك الذى أسماه دافيد أوسترفيلد (حكم اللصوص ). فساد القطاع المختلط: ويعرف بأنه استغلال نفوذ القطاع الخاص للتأثير على السياسات الحكومية, ويتطلب هذا النوع مشاركة القطاع العام مع القطاع الخاص فى الفساد بهدف تغيير السياسات أو الانحراف بها بما يعود بالنفع لكلا الطرفين على حساب المجموع ويتم ذلك فى شكل رشاوى وهدايا من الطرف الخاص, تقابلها اعفاءات واعانات و تجاوزات عن قيود القوانين والتعليمات من الطرف العام.أما المعيار الثانى لتصنيف الفساد فيتصل بالتنمية الاقتصادية, وتبعا لنوعين من التبادل يوجد أنواع مختلفة من الفساد: حق التبادل غير المشروط: ويعنى به التعاملات الطوعية فى مجال الملكية التى ينتج عنها زيادة المنفعة وإنخفاض التكلفة, وهو أمر مشروع من المفروض أن يفضى إلى التنمية الاقتصادية. إلا أن الفساد الواسع يتضمن الأنشطة والافعال التى تدفع الاقتصاد الحر إلى الدخول فى منافسات غير شريفة بين المجموعات الاقتصادية العملاقة التى تقضى بإمكاناتها الجبارة على المجموعات الاقتصادية الصغيرة والنامية, وبذلك تحتكر الأسواق لصالحها, وتتحكم فى أسعار السلع. التبادل الحر المقيد بشرط: خاصة في ظل السياسات الاشتراكية, وبما يؤثر سلبا على كفاءة الانتاج لغياب عنصر المنافسة مؤديا إلى اللافعالية, ويتمثل الفساد هنا فيما يطلق عليه (الاستثمار الطفيلي ) الذى يعمل على نقل الثروة من أصحابها إلى أفراد آخرين بدلا من توزيعها على أفراد المجتمع. العوامل المساهمة فى الفساد الكتمان والاحتكار والمحاسبة: فكلما تمتع الموظفون العموميون السياسيون بدرجة أعلى من الكتمان والسرية والاحتكار, وبدرجة أقل من المحاسبة, زادت احتمالات وقوع الفساد, ذلك أن المنصب الحكومى يعطى صاحبه درجات متباينة من السيطرة على الأنشطة الحكومية مثل عقود المشتريات والاستثمارات الحكومية المختلفة والحوافز الضريبية (عن طريق الائتمان المدعوم وسعر الصرف المتعدد وقرارات الضرائب .. الخ ) وهى أدوات لا نهائية تغرى بالفساد خاصة مع قصور نظام المحاسبة المعمول به, ووجود سياسات مشوهة, وإطار تنظيمى معوق. النظام القضائي: يتم خرق القوانين بسبب عدم دقتها, مما يفتح الباب للتأويلات والتفسيرات المختلفة من قبل الموظفين العموميين, ويتحول البيروقراطيون بما يتمتعون به من حقوق وكتمان مثل منح الحوافز الضريبية وأذونات الاستيراد إلى محتكرىن لكونهم المصدر الوحيد الذى يمكنه أن يمنح ويمنع. وحينما لا تنحصر السلطة فى إطار محدد من الضوابط والتوازنات, يصبح النظام والقانون وحتى الدستور نفسه مجالات للإختراق والتحايل على موادها, ويعجز النظام القضائي عن الإمساك بمرتكب الفساد ومعاقبته. خاصة مع صنف العقوبات الواردة بالقانون, حيث يقارن مرتكب جريمة الفاسدين ضخامة العائد المالى من الجريمة التى ارتكبها, وبين ضآلة الجزاء المتوقع أن يناله فى حالة ضبطه وإدانته, فيفضل ارتكاب جريمته لزيادة عائدها المادى. انخفاض الأجور الحكومية: توجد علاقة عكسية بين معدل الفساد والمستوى المنخفض للأجور فى القطاع الحكومى مقارنة بالقطاع الخاص أو القطاع الصناعى, لذلك يحاول أصحاب الأجور المنخفضة تحسين دخلهم المادى باستغلال وظائفهم الحكومية عن طريق الرشوة التى تكرس الفساد. العلاقات الاجتماعية والمحاباة: تسود في المجتمعات ذات العلاقات المترابطة منظومة المنفعة المتبادلة, حيث يسعى المسئول الحكومي فى أغلب الأحيان إلى مساعدة الأهل والأصدقاء مما يجعل تطبيق مبدأ المحافظة على الحدود بين المؤسسات غير واقعى. ذلك أن المحاباة التى يمنحها الموظف العمومى إلى أهله وأصدقائه, يتوقع أن يحصل فى مقابلها على رد فورى أو عائد مادى يتمثل مثلا فى هدية ثمينة أو وظيفة لابنه بعد التخرج, أو حتى الزاما بمعروف فى الغد. الاقتصاد المتحول وتحرير السوق والخصخصة: مما لاشك فيه أن وضع القيود على التجار هو المصدر الرئيسى للفساد العام, ذلك أن الموظفين العمومين هم الذين يملكون تقرير حصص الاستيراد وتراخيصه وضبط الاسعار والدعم الحكومى لصناعات بعينها, وبالتالى يسيطرون على الصناعة المحلية, وفى مثل هذا المناخ يتولد الفساد. وعلى النقيض من ذلك يسمح الانفتاح التجارى بالمنافسة ويقلل من الفساد. كما أن الخصخصة كسمة من سمات الإصلاح الاقتصادى, تستخدم كأداة للقضاء على ملكية الدولة وسيطرة البيروقراطية على السوق. وإذا القينا نظرة على التجربة السلوفاكية بعد سقوط الشيوعية, نجد أنها جرت على مرحلتين تواجد الفساد فيها جنبا إلى جنب مع الخصخصة بأشكال متنوعة: ففى المرحلة الأولى (1990 ــ 1992) سادت أشكال اجرامية مثل الإبتزاز والاكراه والرشوة, أما فى المرحلة الثانية (1993) فقد بدأ الفساد يأخذ أشكالا غير مباشرة مثل الخصخصة التلقائية ومحاباة الأفراد وجماعات المصالح.وبمقارنة حجم وأشكال الفساد فى المرحلتين يتضح إنخفاضا مع الوقت. ولقد تضافرت مجموعة أخرى من الأوضاع فى تفشى ظاهرة الفساد لاسيما فى الدول النامية منها أن معظم هذه الدول التى تمر عادة بفترة انتقالية تمثل أرضا خصبة للفساد, حيث تشهد نموا سريعا يتزامن مع تغييرات فى المنظومة القيمية يدعمها ظهور مصادر جديدة للثروة والسلطة مع اتساع ملحوظ فى الجهاز الحكومى. وتدنى مستوى الأداء الاقتصادى مع انخفاض الدخول, خاصة فى المستويات الدنيا للديمقراطية وغياب بورجوازية وظيفية, وهو ما يحفز البعض إلى استغلال مواقعهم الوظيفية لملء هذا الفراغ. أضف إلى هذا القيود المفروضة على الحريات المدنية والمنافسة السياسية, إلى جانب عدم فاعلية المؤسسات الرقابية والقانونية والافتقار إلى الشفافية والمساءلة كما أن ضعف الأحزاب السياسية وبروز مراكز قوى داخل الأجهزة الحاكمة غالبا ما يؤدى إلى مضاعفة قدرة الفساد على الانتشار, بل يصل الأمر إلى اعتبار الفساد بديلا عن الرابطة الأيديولوجية التى تفتقر إليها معظم دول العالم الثالث, وللإلتزام الشعبى المتراجع فى هذه الدول. التكاليف الباهظة للفساد للفساد تكاليفه الباهظة خاصة فى دول العالم الثالث وهو الذى أدى إلى ما نراه من تدهور الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى معظم هذه الدول حيث أضر الفساد بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية, والتشكيك فى فعالية القانون وفى قيم الثقة والأمانة إلى جانب تهديده للمصلحة العامة من خلال اسهامه فى خلق نسق قيمى تعكسه مجموعة من العناصر العامة الفاسدة, وهو ما يؤدى إلى ترسيخ مجموعة من السلوكيات السلبية التى بدت ظاهرة فى كافة مجتمعات العالم الثالث. وعلى صعيد آخر يؤثر الفساد على كل من العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية نظرا لإرتباطه باعادة توزيع أو تخصيص بعض السلع والخدمات لصالح الجماعات الأكثر قوة ممن يحتكرون السلطة والنفوذ وينتمون لهم, ناهيك عما يسببه الفاسدون من أضعاف قيمة العملة الوطنية نتيجة الاستيلاء على أموال البنوك فى قروض بلا ضمانات حقيقية وتهريب الأموال إلى الخارج, والمضاربات الوهمية على أسعار العملات الحرة.. الخ. ويتسبب الفساد فى تشويه الدور التصحيحى للحكومة ويخرب الكفاءة فى السوق, فبدلا من توجيه الدعم الائتمانى والاعفاءات الضريبية على الصناعات المختلفة التى يحتاجها الوطن, نجدها تتجه فى ظل استشراء الفساد نحو الصناعات الاستهلاكية ذات الإنتاج الضخم والعائد السريع, بل وإلى الاستيراد على حساب الصناعة المحلية, إلى جانب أن النظام الفاسد يوزع عقود المشتريات الحكومية بطريقة تقلل من جودة البنية التحتية ومشاريع الخدمات العامة, نظرا لأن اختيار مثل هذه المشروعات يخضع فى هذه الحالة للفرص المحتملة للحصول على الرشاوى, مما يزيد من التكلفة الكلية للمشروعات الخدمية الحكومية, وبالتالى استعباد المشروعات الاجتماعية فى مجالات الصحة والاسكان الشعبى والتعليم, ناهيك عن الفساد المواكب أيضا لعمليات التشديد والبناء من حيث عدم مطابقتها للمواصفات الهندسية الصحية, الأمر الذى يتسبب فى سرعة إنهيار كثير منها بعد بنائها بفترة قصيرة. كما يتسبب الفساد فى تشويه الانفاق الحكومى من حيث اختيار المشروعات التى تدر رشاو أعلى, إضافة إلى تراجع عائد الضرائب بسبب السماح بالتهرب الضريبى أو حصول المستوردين على اعفاءات ضريبية, وإلى زيادة الانفاق العام نتيجة رفع تكلفة إدارة الحكومة بهيئاتها المختلفة, وإلى ارتفاع مستويات الناتج المفقود. وقد تم عمل مسح فى أوكرانيا بين أصحاب الشركات الذين اعتادوا تقديم الرشوة فى عام ,1996 ووجد أن تلك الشركات تستنفذ ثلث الوقت والجهد مع الموظفين الحكوميين لاقناعهم بالصفقات, وهو ما يساوى 75 أسبوع عمل مقارنة بـ 22 أسبوع عمل فقط للشركات التى يستخدم الرشوة بدرجة أقل. وفى مصر يقدر رأس المال المفقود فى الاقتصاد بسبب الفساد الإدارى بين 2 ــ 30% من الاقتصاد أى حوالى 4 بلايين جنيه مصرى. وفى دراسة أعدها المنتدى الاقتصادى العالمى فى صورة مسح لـ 2000 شركة فى 49 دولة تبين اضطرار المستثمرين لتقديم الرشاوى بسبب القواعد المتعنتة والتدخل البيروقراطى مما يزيد تكلفة تلك الأعمال بمقدار 20% ضرائب خاصة, وهو ما يضعف الحافز للإستثمار ويعيق النمو الاقتصادى. بقلم: لواء ركن حسام سويلم _ خبير استراتيجي مصري