لم يعد الفساد حديث الغرف المغلقة أو همس الأفواه الصامتة, بل أصبح قضية مهمة على بساط البحث والنقاش العلمي الجاد, لما تشكله هذه الآفة الخطيرة من معوق أمام انطلاق اقتصادات الشعوب, خاصة النامية, لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. كما أصبح الفساد هما مشتركا تعاني منه مختلف مجتمعات الشمال والجنوب, كما يندرج على الأجندة الدولية كبند من أهم بنودها. وبالرغم من أن الفساد ليس مشكلة قاصرة على البلاد النامية أو التي تمر بمرحلة انتقال وإنما هو عام وشامل, إلا أن فساد العالم النامي هو الأكثر كارثية لأنه يغدو بمثابة القانون الحاكم للحياة والقاعدة الأساسية المسيطرة على كل مجالات ومناحي المجتمع. أما الفساد في الدول المتقدمة, فإن قوة الاعلام وتجذر الحريات التي تمتع بها المجتمع, وكفاءة العاملين في أجهزة الرقابة, والشفافية التي تسود مختلف مؤسسات الإدارة, يساعد كل ذلك على الكشف على دوائر وأشخاص الفاسدين, ومن ثم المواجهة الفعالة لشبكات وهياكل وأنماط الفساد السياسي والوظيفي وللأسف تساعد الدول المتقدمة على انتشار ظاهرة الفساد في الدول النامية تحقيقا لمصالحها, وثمة قدر كبير من الفساد في الدول تشارك في صنعه الدول الصناعية نفسها, وكثير من رشاوى العالم الثالث تدفعها جهات من العالم (الأول ) ويتم تصنيف هذا النوع من الرشاوى وما في حكمها تحت نفقات ترويج الأعمال , ويتم اعفاؤها من الضرائب. وأيضا لا يقتصر الفساد على القطاع العام, وإنما يمتد إلى القطاع الخاص, ولعل مأساة هذا الانتشار والشمول أنه يؤدي أحيانا إلى تولد فكرة عامة مغلوطة مؤداها أن الفساد قدر لا يمكن دفعه أو الفكاك منه أو عمل أي شيء إزاءه. وتتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر الرشوة والابتزاز, واستغلال النفوذ, والمحسوبية, والاحتيال, واستخدام حوافز التعجيل, وهو المال الذي يدفع موظفي الحكومة لتعجيل النظر في أمر خاص يقع في نطاق اختصاصهم لحصول المواطن على حقه. وفي الوقت الذي تظهر فيه استغاثات بعض الدول من استشراء الفساد في أجهزتها وأنظمتها, فإننا نجد دولا أخرى تحاول اخفاء عوراتها رغم معاناتها الطاحنة من الفساد, الذي يؤدي بالضرورة إلى اضعاف انظمتها السياسية وحكوماتها, إذ ينتج عنه اثراء الأثرياء من الثروات غير المشروعة, بينما يزيد فقر الفقراء وتتصاعد معاناة البسطاء, كما يؤدي تفاقم ظاهرة الفساد في الدول النامية إلى هروب رؤوس الأموال الوطنية, وأيضا إلى غسيل الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات وتجارة البشر والرشوة والاختلاس. وإذ تتعدد أسباب انتشار الفساد وتختلف من بلد لآخر, إلا أنها تنقسم جميعاً إلى أسباب مباشرة وأسباب غير مباشرة وتتمثل الأسباب المباشرة في سيادة بعض القوانين, وفي الصلاحيات التي تمنح مسئوليات واختصاصات واسعة لموظفي الحكومة والقطاع العام لإقرار منح بعض الخدمات العامة, أو سن قوانين وتشريعات معينة خاصة فيما يتعلق باعطاء التراخيص ومختلف الوثائق الرسمية. أما الأسباب غير المباشرة للفساد فتشمل انخفاض مستوى دخل الموظفين الحكوميين بما يفرز انتشار الفساد, وكذلك عدم استقرار البيئة القانونية التشريعية التي تحكم المؤسسات الحكومية, ذلك أن افتقار نظام قانوني وضريبي عادل وفاعل, إضافة إلى عدم وجود حكومة قادرة على تطبيق القوانين, تؤثر بالضرورة سلبا على قيام مؤسسات الدولة بالمهام الموكلة إليها بشكل فاعل يحد من انتشار الفساد. كما أن عدم شفافية القوانين والتشريعات المتعلقة بالفساد يجعل القوانين غير واضحة وقابلة للتفسير بشكل خاطئ. وتختلف أثار الفساد في درجات الضرر التي تنبع منه, فهناك فساد يدمر النمو الاقتصادي والسياسي, وهناك فساد يدمر البيئة والمجتمع, ولكن أسوأ أنواع الضرر أن يصبح الفساد هو القاعدة. ولاشك أن مكافحة الفساد تتطلب في جميع الأحوال, مواقف حاسمة وغير منحازة هدفها المصلحة العامة. كما لابد من تكثيف الأجهزة الرقابية والاستخبارية والشرطة في أية دولة لجهودها. نحو كشف رموز الفساد والإيقاع بهم, مهما تكون مواقعهم انقاذا للمجتمع من الانهيار. وإذا كانت معظم مجتمعاتنا العربية على اختلافها تعاني من ظاهرة الفساد بهذه الدرجة أو تلك, كجزء من العالم النامي الأوسع من حولها, وهي الظاهرة التي تهدد في الصميم كل محاولات التنمية والتقدم, وتقف عقبة كأداء في مواجهة جهودها في التطوير والتجديد خلال القرن الجديد, فالذي لا شك فيه أنه يتوافر اليوم اجماع شعبي على النطاق العربي حول ضرورة اعادة الهيبة إلى دولة القانون وسيادته على العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلادنا. ان جميع الفئات الاجتماعية في بلداننا العربية على اختلافها ترى أن غياب القانون وانتهاك قواعده وأحكامه, يمثل أحد الأسباب الرئيسية لسيادة الفوضى وعدم الاستقرار, وشيوع الاحساس بغياب العدالة والكيل بأكثر من مكيال, وسيطرة القوة المادية والاقتصادية لمن يحوز مصادرهما, دون رادع من سلطة القانون, ولا من المؤسسات المنوط بها تطبيق أحكامه على الجميع دون استثناء أو تمييز على أسس اجتماعية أو دينية أو عرقية.. الخ. ان ثمة اجماعاً قومياً على ضرورة تطبيق القانون بصرامة وحسم على الجميع, أيا كانت مواقعهم الطبقية أو السياسية أو البيروقراطية, وأيا كانت ثرواتهم وقوتهم الاقتصادية وذلك إن غياب حكم القانون في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي, أدى إلى شعور فئات اجتماعية عريضة الطبقة الوسطى والفقيرة المعسرة من الصناع والفلاحين وصغار الموظفين بأن القانون لا قيمة له في الواقع الراهن, وأن القانون لا يطبق على الكبار اجتماعيا وسياسيا ــ وأن الأجهزة الأمنية والتنفيذية المنوط بها تطبيق القانون هي ذاتها التى تنتهك أحكامه, وتميز بين المخاطبين بأحكامه, على أساس مدى نفوذ وقوة الشخص المطلوب تطبيق قواعده عليه. ان العديد من وقائع انتهاك القانون من جانب اعضاء النخبة السياسية والبرلمانية والأثرياء أكد لدى غالبية مواطنينا أن هؤلاء جميعا وأسرهم وذويهم ومن يعملون بالقرب منهم, خارج دائرة سلطة القانون, وأنهم يستطيعون الافلات من المحاسبة والعقاب بأموالهم ونفوذهم, وراحوا يمارسون انتهاكات واسعة يوميا للقانون. وكان من شأن ذلك بالضرورة أن يقود إلى حقيقة أن الفساد والفوضى لم يعد يقتصر على حالة بعض قطاعات النخبة السياسية والاقتصادية كما يرى البعض, وإنما أصبحت حالة عامة, يمثل الانتاج الجماعي للجريمة, واعادة انتاجها أبرز معالم الحياة الاجتماعية في بلادنا العربية, كما أدى ذلك إلى توريث الاجرام في بعض الأوساط, وتحول فعل الاجرام اليومي إلى عادة وسلوك وقيمة اجتماعية مضادة لقيم القانون واخلاقياته وقواعده. ان مكونات بؤر الفساد الاقتصادي والمالي والمصرفي في معظم المجتمعات العربية, تشير إلى طبيعته السياسية بالنظر إلى اطرافه وحدوده, وحجم الهدر في المال العام دون رادع أو ضابط, الأمر الذي يؤكد لا مبالاة عناصر عديدة من النخبة السياسية والتشريعية بالقانون الذي يفترض أنهم يسهمون في سن قواعده, فضلا عن رقابتهم لاعمال وأنشطة السلطة التنفيذية, كأبرز أدوارهم الدستورية. ولعل أخطر التداعيات السلبية لشيوع ظاهرة الفساد وتمكنها من كل مقدرات الحياة الاجتماعية في بلادنا, هو شيوع ثقافة تحتقر العمل والعاملين, كما تحقر من شأن مفاهيم رفيعة, كالشرف والنزاهة والصالح العام, والانتماء الوطني, وهي جملة المفاهيم التي كانت موضوعا للاحترام العام من قبل سائر فئات المجتمع وأبناء الشعب جميعا. ولا شك أن النزعة واسعة الانتشار لدى عناصر عديدة في الوظيفة العامة لانتهاك قواعد القانون واللوائح المنظمة للعمل الإداري, تعود إلى تحويل البعض الوظيفة العامة التي يشغلونها إلى وظيفة قطاع خاص, أي قيام بعض كبار وصغار الموظفين والسياسيين بخصخصة الوظيفة العامة وتحويلها إلى مشروع استثماري يوظف صلاحياته واختصاصاته الإدارية ــ أيا كانت مستواها في الهيكل الإداري للمصلحة الشخصية, أو لمصلحة تشكيلات عصابية تعمل معه أو لأولاده وأقاربة. ولا يخفى أن شيوع الفساد في المستويات العليا للوظيفة العامة, كان ولايزال له انعكاساته في تشجيع المستويات الدنيا من الموظفين في الانغماس في بيئة النشاط الفاسد. ومن المؤسف أن ذلك كله قد أدى إلى طغيان ظاهرة انتشار الفساد والجريمة في أغلب مجتمعاتنا العربية على اتساع الوطن, وشمول دائرتها لفئات اجتماعية ومهنية وسياسية واسعة وفي الاعلام وفي الحياة الحزبية وفي البرلمان, وفي مختلف قطاعات الحياة, حيث انهارت القيم الاخلاقية المهنية والسياسية, وتحولت قيم الفساد والجريمة إلى سلطة حاكمة ومهيمنة. ان فرض سلطان القانون وتطبيقه على الجميع كائنا من كان, هو جزء لا يتجزأ من الدولة الحديثة وهياكلها المعاصرة, ولا أمل في ديمقراطية دون التصدي الحاسم لظاهرة الفساد كخطوة أولى وأساسية تمهد الطريق أمام التطور الديمقراطي. كما أنه لا مواطنه ولا مساواة ولا استقرار إلا من خلال اقرار مبدأ دولة القانون وسيادته, تشريعا وتطبيقا وممارسة. ان البدء في تنفيذ حلول جذرية للفساد بإصلاح الانظمة التي تولد الفساد, والحرص على اشاعة قيم العدل والتجرد والنزاهة والمساواة بين جميع المواطنين, سيكون هو معيار ما تعكسه دقات, الزمن في القرن الجديد من إيقاعات للتغير تقرب بلداننا العربية من محيط البشرية المتقدمة, وتبني لمجتمعاتنا العربية موقعا لائقا في عالم المستقبل. بقلم: د. محمود مرتضى _ كاتب سياسي مصري