العالم قرية كونية, ماذا تعني هذه العبارة على صعيد القضاء والقانون, وهل يمكن لعامل في مصنع حلويات في نيكاراجوا ان يقاضي صاحب المصنع في نيويورك, وهل يصحُّ استخدام قانون التزوير التجاري لإدانة، زوجة انجبت طفلاً غير شرعي ونسبته لزوجها, ثم هل يمكن لكنيسة في بلجيكا أو اسبانيا ان تقاضي وزير الخزانة البريطاني بأنه أصدر قانوناً بتخفيض الضريبة على اعمال ترميم الكنائس في بريطانيا؟ هنا ثلاث قضايا ربما تكون بعيدة عن همومنا واهتماماتنا اليوم ولكن بعضها على الاقل, يمكن غداً ان يؤثر على حياتنا. (تشنتكس) هو اسم مصنع للحلويات يعمل في المنطقة الحرة في مدينة ماناجوا عاصمة نيكاراجوا, صاحب المصنع صيني من تايوان, وهو يواجه دعوى في نيويورك أقامها ضده خمسة من العمال المعروفين في المصنع,. وتبنّت قضيتهم (اللجنة القومية للعمال) ومركزها في نيويورك, وموجز القضية هي ان المصنع قام بصرف (11) قيادياً نقابياً مع 120 عاملاً آخرين لأنهم دعوا الى اضراب للحصول على حقوقهم. وتاريخ اقامة الدعوى هو شهر ديسمبر الماضي, ومنذ ذلك التاريخ خسر المصنع 25% من انتاجه واضطر الى صرف 100 عامل اضافي مما دفع حوالي الف من العمال الى القيام بتظاهرة واعتصام امام مبنى السفارة الامريكية في ماناجوا مطالبين بإسقاط الدعوى المقامة في نيويورك لأنها ستؤدي الى صرفهم من العمل بعد افلاس المصنع. ولكن ما هي العلاقة بين مصنع يعمل في امريكا الوسطى ومحكمة تنعقد في أمريكا الشمالية وعلى بعد آلاف الأميال منه؟ الجواب أولاً هو ان ثلاث شركات امريكية كبيرة تستورد ما ينتجه المصنع من حلويات وتقوم بتسويق هذا الانتاج في السوق الامريكية, وثانياً ان جماعات ناشطة امريكية من اصول لاتينية كتبت الى ممثلها في الكونجرس الامريكي تطلب منه تبني قضية العمال المصروفين والضغط, بسلطة القانون, على الشركات المستوردة.. وهو ما استجاب له عضو الكونجرس. أما المقارنة الكبيرة فهي ان اللجنة القومية للعمال استندت في دعواها الى سلسلة من القوانين الدولية التي وقعت عليها أمريكا والخاصة بمعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية, وبنت دعواها على شهادات ومستندات تثبت ان المصنع يرتكب مثل هذه الجرائم في حق العمال. المصنع استجاب جزئياً للضغوط ووعد بإعادة ثلاثة من النقابيين وكذلك اعادة مقابلة العمال المطرودين, ولكن القضية مستمرة,. وإذا ربحها العمال فإنها سوف تسجل سابقة كبيرة في القانون الدولي بحيث يصبح من حق عمال مصنع في الهند أو اندونيسيا مثلا ان يقاضوا صاحب مصنعهم في نيويورك لمنع الشركات الامريكية من الاستيراد من ذلك المصنع. والقضية نفسها تنسحب على المصانع في العالم العربي. الوزير والكنيسة واوربا المحكمة الاوروبية في مدينة بروكسل تفصل عادة في القضايا الاقتصادية بين دول الاتحاد الاوروبي, ولكنها وللمرة الأولى, تضطر للفصل في قضايا تتعلق بالكنائس. فقد أصدر وزير الخزانة البريطاني قبل اسبوعين قرارا يقضي بتخفيض الضرائب على أعمال الترميم التي تقوم بها الكنائس من 17% الى 5% فقط. المحكمة الاوروبية, وبناء على طلب من الشركاء الأوروبيين اعتبرت ان القرار الذي أصدره الوزير البريطاني يخالف القوانين الاوروبية المشتركة التي تحدد نسبة 17% على أعمال الترميم. وبالتالي دعت الوزير الى الغاء قراره. واستندت المحكمة في حكمها الى قانون تجاري يتعامل مع القيمة المضافة التي تنتج عن أعمال الترميم للأبنية والمحلات والمنازل, وهو قانون وضع لإلغاء المنافسة غير المشروعة بين شركات العقارات, لأن تخفيض الضريبة على هذه الأعمال في بلد اوروبي معين يعتبر دعما حكوميا غير مباشر قد يؤدي الى زيادة الطلب على العقارات في ذلك البلد, وليس من المعروف حتى الآن ما اذا كان تخفيض الضرائب على ترميم الكنائس في بريطانيا سوف يزيد من عدد المؤمنين الاوروبيين في تلك الكنائس, ولكن حكم المحكمة الاوروبية يؤكد انها تعتقد ذلك. الولد المزور مواطن بريطاني ثري أقام دعوى على مطلقته يطلب فيها تعويضه بمبلغ ربع مليون جنيه استرليني أنفقها على طفل زعمت زوجته انه ابنه ثم تبيّن انه طفل غير شرعي, أي يحمل هوية مزورة! كان عمر الطفل سبع سنوات عندما انفصل الأب عن زوجته وترك لها منزلا يقيم فيه وسيارة بورش تصل نفقاتها الى 600 جنيه استرليني شهريا, وكانت الزوجة قد طلبت مبلغ 280 الف جنيه استرليني بعد الطلاق كجزء من حقوقها ونفقات لحضانة الطفل. ولكن كيف اكتشف الأب الذي عاش مع ولده يرعاه ويداعبه ويحتضنه لمدة سبع سنوات ان ذلك الولد ليس ابنه, بل هو ابن رجل آخر؟ يروي الأب الحكاية لصحيفة (صنداي تايمز) فيقول انه يعمل مديرا تنفيذيا في احدى الشركات العابرة للقارات, وقد التقى زوجته في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي, وقد أحبها وكان يقيم معها في كل مرة يعود فيها الى البلاد. وبعد سنوات من العشرة بينهما, وبينما كان في رحلة خارج بريطانيا ابلغته الزوجة انها حامل, فعاد من رحلته ليكون الى جوارها في المستشفى, ويضيف: كنت أعرف ان لديها علاقات سابقة ولكنها قالت انها حملت مني فتزوجتها, وسعدت بالطفل سعادة كبيرة وكنت أحب مرافقته, مع ان لدي ابنتين من زوجتي السابقة, ولكنهما كبرتا ولم تعودا في حاجة اليّ فعلا, لذلك فقد كنت أقضي معظم أوقات فراغي في ملاعبة الولد ومرافقته الى أماكن التسلية, وبالطبع فإن الآباء يحبون ان يروا في أولادهم سلبياتهم وايجابياتهم ولكن لم أكن أرى في الولد الكثير مما يشبهني, ولذلك بعد الطلاق طلبت رؤية الولد, وقد نجحت في الحصول على شعرة من رأسه أرسلتها الى المختبر مع شعرة من رأسي, وجاءني الجواب صاعقا: ان صاحب هذه الشعرة, أي شعرتي, لا يمكن ان يكون أبا لصاحب الشعرة الأخرى. وأسقط في يدي, وشعرت بغضب هائل, إذ ان مطلقتي كانت وعلى مدى سنوات تعرف ان الولد ليس ابني, وان حياتنا قائمة على كذبة, ولم أعرف ماذا أفعل, الا ان زوجتي الجديدة وهي محامية اقترحت عليّ اقامة دعوى تزوير بموجب قانون تجاري يعاقب على التزوير ويفرض تعويضات للضحية, وهو أنا, وقالت زوجتي انها الدعوى الأولى من هذا النوع التي تقام في بريطانيا, ولكن هناك أربع دعاوى مشابهة في الولايات المتحدة, وان لي حقاً في الحصول على تعويض لقاء التزوير الذي تعرضت له. إذن, هل ما يصح على السلعة المزورة يصح على الاطفال ايضا, كما ترى المحامية البريطانية, ثم هل من حق الطفل ان يقاضي أمه فيما بعد بتهمة تزوير أبيه؟.. أسئلة ربما تشغل المحاكم البريطانية ولفترة طويلة.