كارلا ديل بونتي هي المدعي العام لمحاكم الامم المتحدة الدولية المخصصة لجرائم الحرب التي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة ورواندا, وقد تحدثت مؤخرا مع صحيفة لوس انجلوس تايمز في دافوس بسويسرا على هامش المنتدى، الاقتصادي العالمي المشاركة فيه حول المحاكم الدولية ومدى تعاون بلجراد مع المحكمة الدولية التي تبحث جرائم الحرب التي ارتكبت في كوسوفو وفيما يلي نص الحوار: * باعتبارك قادمة للتو من بلجراد, ما الذي سمعتيه من السلطات الصربية عن التعاون في مجريات المحاكمة عن جرائم الحرب؟ - بلجراد لن تتعاون فقد اخبروني بأنه لا دور لنا هناك واذا كان ميلوسيفيتش سيحاكم في اي وقت, فإن ذلك لن يتم ابدا في لاهاي.. وانما في بلجراد فقط, وتتراوح تفسيراتهم لهذا الرفض بين القول ان (الوضع خطير) او ان التعاون سيضيف عنصرا آخر الى عناصر زعزعة الاستقرار. القول ان اولئك الذين يحاكمون من قبل الامم المتحدة سيتحولون الى ابطال او ان المحكمة تعمل في خدمة الولايات المتحدة, او لا يمكننا التعاون بسبب قصف الناتو الذي كان الصرب فيه هم الضحايا, وهذا خداع كبير من جانبهم. * يقول بيير ساني من منظمة العفو الدولية ان قصف الناتو لاستوديوهات التلفزيون في بلجراد خلال حرب كوسوفو.. الذي تسبب بمقتل 16 شخصا.. ينبغي التحقيق فيه كذلك من قبلكم.. فما هو ردك على هذا الكلام؟ - أولا من المهم القول انني تلقيت معلومات جديدة في الاسبوع الماضي, من صربيا تفيد بأن الناتو ابلغ ميلوسيفيتش مسبقا بأن محطة التلفزيون ستتعرض للقصف. ثم قام ميلوسيفيتش بابلاغ المدراء فقط لكنه لم يبلغ الفنيين العاملين في الموقع لكي يتمكنوا من المغادرة. وهكذا, فإن ميلوسيفيتش نفسه اجبر الناس على البقاء في المبنى وهو يعلم انه سيقصف لكي يتمكن من التلاعب بالوضع ضد الناتو. ان مراجعتنا الاولية لحادثة القصف تلك خلصت الى نتيجة مفادها انه لا يوجد سبب كاف حتى الآن يوجب فتح تحقيق في الامر, لقد طالبنا السلطات الصربية بتقديم المزيد من الادلة واذا كان هناك موجب لفتح تحقيق, فإننا سنقوم بذلك, لكن هذا لا يمثل الاولوية بالنسبة لي. وانا مضطرة للقول بأنني متفاجئة من ان مسألة قصف الناتو تبرز طوال الوقت, كيف يمكن لهذه المسألة ان تحتل الاولوية في الوقت الذي اشاهد كل مرة ازور فيها البوسنة والهرسك او اذهب الى كوسوفو عملية اخراج آلاف الجثث من القبور الجماعية؟ وأولويتنا هي محاكمة الاشخاص الذين ارتكبوا الابادة والجرائم ضد الانسانية ويجب اخضاع كراديتش وميلوسيفيتش وميلاديتش للمحاكمة, فذلك هو هدفنا الآن. وبالطبع ان القتلى الستة عشر من جراء قصف الناتو ليسوا عديمي الاهمية, ولكنهم لا يمكن ان يحتلّوا الاولوية بالنسبة لي الآن. * هناك حديث في صربيا عن تشكيل لجنة (الحقيقة والمصالحة) كتلك التي شكلت في جنوب افريقيا للتعامل مع جرائم الحرب بنفسهم. فهل تعارضين ام تؤيدين هذا الشيء؟ ــ اخبرت وزير الخارجية الصربي بأننا لا نعارض هذه الفكرة اذا كانت تستلزم اجراء تحقيقات سينتج عنها دلائل حول جرائم الحرب. وتخوفي هو ان يتم استخدام مثل هذه اللجنة كبديل عن توجيه لوائح الاتهام في المحكمة. وقد اوضحت لوزير الخارجية بأن مثل هذه اللجنة لا يمكنها ان تحل محل اجراءات العدل القضائية. واخبرته ان بمقدورنا فقط ان نتقدم على كلا المسارين.. فنعم للمصالحة ولكن مع العدل ايضا. * اذا كانت المحكمة الدولية عاجزة عن متابعة هذه المحاكمة وغيرها من المحاكمات بنجاح, فما هي عواقب ذلك؟ ــ اذا لم يلحق المجتمع الدولي الكلام بالعمل, فان الديكتاتوريين المستقيلين سيكونون قادرين على الهرب والاختباء. واذا لم يتخذ العالم اجراءً جماعياً ضد هؤلاء القادة, فانهم حتى قد لا يتعبوا انفسهم في الهرب والاختباء لأنهم يعلمون ان بامكانهم البقاء داخل حدودهم متمتعين بالحصانة. وسيراهنون على انه اذا ساءت الظروف في يوم من الايام وفقدوا سلطتهم, فانه لن يكون هناك وجود للارادة السياسية باخضاعهم للعدالة. واذا كانت زيارتي الأخيرة الى بلجراد تمثل مؤشراً على اي شيء, فانه يبدو ان السيادة الوطنية لاتزال عاملا قويا.. وهذا الوضع لم يتغير. فلاتزال المصالح الضيقة للدول هي السائدة والعمل الجماعي يمثل مشكلة. ومن الواضح ان المحاكم الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا يجب ان تكون نقطة الانطلاق وليس نقطة النهاية بالنسبة للتحرك الهادف الى اقامة العدل بحق الديكتاتوريين ومجرمي الحرب. وحتى ان كان لايزال بمقدورهم الاختباء, فعلينا ان نبذل ما بوسعنا لجعل حياتهم بغيضة قدر الامكان من خلال تجميد حساباتهم المصرفية والتحقيق في صلاتهم الاقتصادية واصدار مذكرات اعتقال دولية تمنعهم من السفر الى الخارج. وعندما ننظر الى مكانة المحكمة الجنائية الدولية المقترحة, فانني اشعر بالقلق من ان الدول المهتمة بمصالحها الذاتية الضيقة, بدأت تتراجع عن فكرة تطبيق العدالة الدولية. ولكن اذا فقدنا جرأتنا الآن, فإن الامر قد يستغرق قرونا لاستعادة التصميم لفرض القانون على العنف. وهذا سيؤدي الى مراكمة المأساة على المأساة في الفترة المقبلة.