بيان الاربعاء : في خريف عام 1971 كان البروفيسور كلاوس شواب يدرس العلوم السياسية في جامعة جنيف وهو استاذ مرموق يتحلى بالتواضع والرؤية الواضحة لمجريات الاحداث وكان يعلم طلابه دائما حسن المتابعة وفهم متغيرات الحياة. ولم يكن يدرك البروفيسور شواب انه في يوم من الايام سيغدو رجلا شهيرا لا يقل شهرة عن ـ بل جيتز ــ عملاق ميكروسوفت او غيره من رجال الاعمال بعد ان انشأ امبراطوريته في اعالي الجبال عندما خطرت بذهنه فكرة ذكية وتتلخص فكرة البروفيسور ـ شواب ــ ببساطة ان يجمع في فصل الشتاء البارد وعلى موقد النار حفنة من رجال الاعمال والمال ويدعو بعض السياسيين الذين تشدهم المغامرة في ممارسة رياضة التزلج على الجليد في بيت واحد صغير ليتذوقوا طبقا سويسريا شهيرا يسمى ـ بالراكليت ــ وهي الجبن المذاب الذي يقطع على جمرات النار مع كأس من النبيذ الساخن وخلال اللقاء تجري احاديث خاصة بعيدا عن الاضواء والكاميرات كما تجري اتصالات وتحل مشاكل مستعصية لا تتم في اطار الجلسات الرسمية. هكذا انطلقت فكرة ـ دافوس ــ الذكية والتي تجسد الآن العولمة بكل اشكالها. فالمنتدى ليس مؤسسة حكومية ولا منظمة دولية وليس له دستور او قانون الا نظام داخلي وضع فيه البروفيسور شواب لمساته ليعطي لهذا الصرح بعدا اقليما ودوليا, والفكرة لا تخلو من الجدة والحلاوة, فرجال المال الذين يحبون ان يجروا لقاءات مع نظرائهم من رجال الاعمال ينشدون السرية والتحفظ الذي تمليه مصالح الاعمال والاجتماع برجال السياسة هدف الفريقين وخلال اجتماعات دافوس تتحقق غايات كثيرة لاتنفذ في اطار المؤتمرات الدولية والمراسم والاجتماعات الرسمية اذ تذخر المدينة في اقليم ــ جريسون وعلى مدة خمسة ايام لتكون قبلة العالم في بحث تطورات ومستجدات العلاقات الدولية والاقتصاد حيث يدعى لدافوس كل عام كبار الاكاديميين والمفكرين ومدراء الشركات والمؤسسات المالية للاستماع الى محاضرات اهل الخبرة والاستفادة من خبرات الآخرين في اجواء حميمية يوفرها منتجع سويسرا السنوي بعيدا عن الاضواء. ويحرص المنتدى كل عام على تنظيم حفلات وسهرات ومهرجانات ينتظرها اكثر من عشرة آلاف عامل تحقق المدينة الجبلية خلالها ارباحا خيالية حيث ترتاد كبار شخصيات العالم هذا المنتجع الجبلي يحدوها الامل في رسم العلاقات الثلاثية ــ المال والاعمال والسياسة. وجهت انتقادات كثيره لشواب منذ الدورة الثلاثين العام الماضي لمنتدى دافوس ان مدير المؤسسة استغل مناسبة المنتدى وجعل من هذه المؤسسة مشروعا كبيرا ولاريب ان حساد كلاوس كثيرون وخاصة من الشركات متعددة الجنسية والمنظمات ولم تنجح مؤسسة شبيهة ان تحقق هذا النجاح وهي مؤسسة ــ كرانز مونتانا ــ التي قلدت دافوس في اجتماعات مشابهة لكنها لم تفلح, فمازال منتدى دافوس يخطف الابصار ويتقاطر مدراء الشركات للحصول على مقعد في اجتماعات دافوس فرسم الدخول لهذه المؤسسة يبلغ 5000 الاف دولار ليغدو المشارك عضوا ناهيك عن النفقات التي تجرها اقامته في فندق ــ بيلفيدير الفخم ذي الخمسة نجوم اذ يحقق ارباب العمال واصحاب الفنادق ارباحا خيالية خلال خمسة ايام في السنة ما يعادل 20 بالمئة من دخلهم السنوي كما يستفيد ايضا اصحاب الجراجات التي تؤمن اكثر من 500 سيارة مراسم من اللومزين الفخمة لرؤساء الوفود من قادة الدول ووزرائها واحتشد اكثر من 300 رجل امن بطواقمهم الدفاعية لحراسة المنتجع خلال ايام المنتدى كما تغلق الحكومة الحدود البرية والجوية مع الدول المجاورة في هذا الاقليم تحسبا للمظاهرات وتدفق المعارضين للعولمة. ففي العام الماضي نجح فريق من المتظاهرين بالدخول وباعجوبة الى المنتجع بلباس رياضيين قاصدين التزلج على الجليد وما ان وصلوا قلب المدينة خلعوا ملابسهم وحملوا رايتهم وعصيهم وانطلقوا الى قصر المؤتمرات وولجوا ابوابه معبرين وبشدة عن احتجاجهم لاجتماعات العولمة في الوقت الذي يعيش في العالم الفقير ما يمثل 20 بالمئة من سكان الارض بأقل من دولار واحد يوميا يعيش 20 بالمئة آخرون يمتلكون 83 بالمئة من ثروات العالم. مؤسسة دافوس * كيف تعمل مؤسسة دافوس وماهي الهيئات التنظيمية المسئولة عنها. يتكون منتدى دافوس من اربع هيئات: ادارة العمليات ـ وإدارة المشاريع الصناعية وادارة الشئون الفكرية والقانونية وادارة الاستراتيجيات الاقليمية وهي بمثابة مركز للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية في شكليها الخاص والعام. المدير التنفيذي كلود سامدجا التقاه البروفيسور شواب في اعوام الثمانينيات واعجب بمهارته وهو صحفي سويسري ذو خبرة ويرأس ادارة الشئون الفكرية والثقافية وقد عهد المنتدى الى السيد خزوية ماريا فيجيرس اولسن وكان رئيسا لكوستاريكا سابقا بادارة مركز الاعمال والتنسيق وكلف امريكية تدعى دونا ريديل مسئولة عن المشاريع الصناعية وفريدريك سيسريك مسئولا عن العمليات الاقليمية. يقوم المركز باجراء الاتصالات خلال العام مع رجال الاعمال ويعرض عليهم جدول اعمال المنتدى للسنة الجارية بحث تتماشى مع مستجدات الاحداث وتطورات العلاقات يوضع شعار كل عام للدورة الشتوية. وقع وضع المنتدى هذا العام شعارا له: (التنمية المستدمية وسد الثغرات في عالم التناقضات). يعتمد منتدى دافوس على الهيئات التالية: المجلس التأسيسي: ويضم 17 شخصية مرموقة من بينهم سياسيون قدامى ورجال الاقتصاد من ابرزهم ريمون بار رئيس وزراء فرسنا الاسبق واستاذ الاقتصاد الشهير. ومجلس المنتدى: يتألف من 40 شخصية بمثابة برلمان المنتدى حيث يقوم الرئيس والمجلس التأسيسي بعرض التقارير على المجلس للمصادقة عليها واقرار الميزانية التي بلغت حتى اواخر عام 2000 الى 6 مليارات دولار. لاشك ان مساهمات رجال الاعمال في ميزانية المنتدى يدفع به الى تحقيق اهدافه بنشر المعلومات وخلاصة الندوات التي توزع على الاعضاء والمشاركين خلال ايام المنتدى وقد بلغت هذه الندوات هذا العام 300 ندوة تعالج كافة القضايا من علاقات الشرق مع الغرب الى مسائل التسلح الى البيئة والنظام العالمي الجديد وطموحات رجال الاعمال في الالفية الثالثة. بعد ان تنبهت المنظمات غير الحكومية الى مدى تأثير دافوس وسلطانها طالبت وبشدة المشاركة في اعمال المنتدى وتشارك 36 منظمة غير حكومية في الدورة الحادية والثلاثين وعلى صعيد ذي اتصال تصدت جماعة اطلقت على نفسها مرصد العولمة لكشف النقاب عن مريدي العولمة ودعت الى تنظيم منتدى مضاد يعقد في البرازيل وبنفس الفترة وكان وراء هذه الفكرة مجموعة من الكتاب والصحفيين واساتذة القانون والاقتصاد تكونت من عشرين شخصية, غاية المنتدى شرح اهداف تلك المؤتمرات ومطالبة المجتمع الدولي بازالة الغبن باتباع الاجراءات التالية: ــ الغاء مديونية العالم الثالث, تحقيق الحد الادنى من الرفاه للشعوب الفقيرة, وتمكين دولها من الوصول الى اسواق العالم الغني, فرض رسوم على عمليات البورصة والصفقات المالية ومراقبة عمليات غسيل الاموال في البنوك وليس الامر سهلا فسلاح انصار العولمة اكبر مضاء وقوة لكن ثلاثة عقود من الزمن ومنتدى دافوس يحظى بالرعاية والاهتمام حتى اصبح يطلق عليه قمة دافوس ومشاركة رئيس الولايات المتحدة الامريكية السابق بيل كلينتون لاول مرة في اعماله ومن قبل نائبة آل جور اعطى دفعا جديدا للمنتدى لتخطي الحدود الاقليمية ويصبح بالفعل المنتدى الدولي الاقتصادي. فهل ينجح العالم العربي بانشاء منتدى مثيل له لعل تجربة الامارات العربية المتحدة رائدة في هذا المجال بانشاء مدينة دبي الاعلامية والاقتصادية واستضافتها عام 2003 مؤسستين دوليتين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي برعاية منظمة التعاون والتنمية الاوروبية. وبحضور مئة رئيس دولة ورئيس حكومة ومشاركة 3000 مندوب يمثلون اوساط المال والاعمال والسياسة انعقد المنتدى لهذا العام وسط العديد من الاجراءات الشديدة التي اتخذتها السلطات السويسرية بمنع الاجانب دخول المنتجع ووزعت بطاقات دخول خوفا من اعمال الشغب التي عرفها المنتجع العام الماضي, ويبقى سؤال واحد هل تنجح هذه المؤتمرات في ازالة العقبات امام العالم الغني والعالم الفقير؟ بالمقابل فان منتدى ــ بورتو اليجري ــ في البرازيل والذي يعقد في نفس الفترة هو الوجه الآخر لدافوس لعالم الفقر فاي منتدى يسمع صوته في عالم المتغيرات وفي ظل النظام العالمي الجديد؟