بيان الاربعاء : كلما تطرح مسألة (المجتمع المدني) في اليمن طرحت معها بالتلازم المسألة القبلية اما باعتبارها ذلك الكيان الاجتماعي التقليدي المعيق لنشوء وتطور المجتمع المدني في اليمن ، او باعتبارها احدى الديناميكات المساهمة في فعالية المجتمع المدني اذا ما جرى استثمارها استثمارا واعيا حسب البعض الذين ينطلقون من ان هذا الكيان الاجتماعي موجود تاريخيا واجتماعيا وثقافيا ولا يمكن تجاوزه ورغم الحجج التي يوردها هؤلاء فان الاتجاه الغالب هو الذي يرى في البنية القبلية التقليدية ابرز معوقات نشوء وتطور المجتمع المدني. وبرز ذلك جليا خلال الندوة التي نظمها مؤخرا المركز العام للدراسات والبحوث والاصدار التي كرست لتقييم واستشراف المجتمع المدني في اليمن واذا كانت الاوراق المقدمة للندوة قد حاولت ملامسة مختلف قضايا المجتمع المدني واستشراف آفاقه فقط ظهر جليا مدى حضور القبيلة وثقلها في الحياة اليمنية وامتداد تأثيراتها لمختلف نواحي الحياة. ظاهرة معقدة وفي هذا الاطار يجري مهدي محمد الحرازي في ورقته بعنوان (مؤسسات المجتمع المدني والبنى التقليدية في اليمن) ان الحياة القبلية في اليمن ظاهرة تأريخية وسياسية وثقافية كما انها تمثل ظاهرة اجتماعية بنائية معقدة عاش اليمن في ظلها عبر مراحل تاريخه الطويل حياة سياسية واجتماعية مستقرة احيانا واحيان اخرى غير مستقرة رغم مظاهر الوحدة الحضارية والثقافية والدينية التي تميز بها المجتمع اليمني القديم مشيرا الى انه اذا كان البعض يرى ان الظاهرة القبلية في اليمن كانت من اهم المشكلات الخطيرة بعد قيام الثورة اليمنية في 1962م التي اخذت تهدد الثورة والوحدة ومكتسباتهما وتعرقل وتقف حجر عثرة امام بناء الدولة المركزية الحديثة وتعمل على تفتيت وحدة البلاد السياسية وتفتح الباب امام اعداء اليمن للتدخل المباشر في شئون اليمن فان هذه اتهامات لا تستند على ادلة وبراهين وانما عبارات عمومية وانهم بذلك يتهمون القبيلة والدولة في آن واحد فلا الدولة في نظرهم استطاعت السيطرة او كبح جماح القبائل ولا القبائل استطاعت التأقلم مع واقع الحياة الجديدة وهو ما يفنده الواقع من خلال تغير الحياة القبلية في جوانب شتى بعد الثورة نورد منها ان رجل القبيلة اتجه نحو التحضر والتحولات الاجتماعية والثقافية عن طريق انفتاحه واستخدامه وامتلاكه للوسائل الحديثة والتكنولوجية في مختلف مجالات الحياة من آلات اتصال ووسائل ترفيه وتثقيف كالراديو والتلفزيون و (الستالايت) والادوات المنزلية والكهربائية وان هذا التحول ساعد على تغيير جانب كبير من القيم والمفاهيم الاجتماعية القبلية وتأثرت بالاحداث السياسية والتحولات الاقتصادية . ويؤكد الحرازي ان الاستعداد والتعاون التام الذي اظهرته معظم الجماعات القبلية وزعمائها في عملية التفاعل والمشاركة السياسية مع الدولة والهيئات الرسمية والشعبية في فترة الحكم الجمهوري كلها مؤشرات تبرز انه بقدر ما كان يسمح للجماعات القبلية في الاسهام والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية كانت تتحدد انماط العلاقات والتفاعلات بين القبيلة من جهة والدولة او المؤسسات الاخرى من جهة اخرى ليخلص الباحث الى القول ان موقف القبيلة من مؤسسات المجتمع المدني يتمثل بكونها من الداعمين لهذه المؤسسات والدليل الذي يورده هو وجود كثير من مشايخ القبائل على رأس بعض الاحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية, واذا ما وجدت من بعض افراد القبائل مواقف عدائية او عوائق فانها في الحقيقة ليست سياسة عامة تسير عليها القبائل بل انها تصرفات افراد, مضيفا انه ليس هناك وثيقة واحدة تعلن فيها قبيلة ما صراحة وقوفها ضد اي من مؤسسات المجتمع المدني او حربها لها. 120 ألف قرية واذا كان الحرازي قد خلص في ورقته الى هذه الاستنتاجات بشأن حدود تأثير القبيلة على مؤسسات المجتمع المدني في اليمن يرى الكاتب والصحفي عبدالباري ظاهر في ورقة له بعنوان (المجتمع المدني النشأة والعوائق في اليمن) ان المجتمع المدني في اليمن لا يزال ضعيفا بحكم التركيبة القبلية والعشائرية ونفوذها في الحياة العامة وتأثيرها على الحكم والمدنية في آن, مبرزا ان الاحزاب السياسية الحديثة لم تخل من تأثير هذه التشكيلة التي سبق فيها الولاء القبلي الولاء الوطني مضيفا ان التشتت السكاني ايضا في ضعف المدينة في اليمن وبالتالي ضعف الحداثة والديمقراطية والتنمية وان اليمن التي لا يتجاوز تعداد سكانها الستة عشر مليون يصل تعداد القرى فيها الى ازيد من 120 الف قرية مما يفرض عزلة وصعوبة تواصل وبالتالي صعوبة التمدن والتحضر والحداثة كمقدمات ضرورية لاي مجتمع مدني وانه اذا ما اخذت العسكرة في القبيلة والريف اليمني وانتشار السلاح المدجج بالأمية مضافا اليها الامية السياسية والمعرفية وكلها عوائق موضوعية في طريق تخلف المجتمع المدني وفاعليته وتأثيره في مجتمع لا تزال القيمة العظمى منه والوزن والتأثير للقوة والسطوة متخما مداخلته بقوله ليس العيب في ان تلعب القبيلة وقوتها وسلاحها ونفوذها لاضعاف هيبة الدولة واعاقة بناء دولة المؤسسات والنظام والقانون وخنق هامش الديمقراطية والحريات العامة ورفض مبدأ التداول السلمي للسلطة. حصاد المساوىء وفي السياق ذاته يوضح الدكتور محمد عبدالله الحوثي الاستاذ بجامعة صنعاء ــ كلية الاعلام ــ ان القبيلة لم يعد لها في الغالب وجود في واقع اليوم الا فيما يندر وفي بعض الجوانب وان الدراسات والبحوث في هذا الجانب اوضحت ان الكثير من قيم وعادات وسلوك القبائل قد تغيرت. فلا هي حافظت على الجيد والبناء من القديم ولا هي اخذت من الجديد الحسن والمفيد, واصبحت السمة البارزة لقيم القبيلة هي مساوىء القديم والحديث وهذا هو السبب الحقيقي لتحول القبيلة وبعض قيادات القبائل الى الانانية والتسلط والجري وراء المال والجاه والنفوذ, موضحا انه نظرا للضعف الذي تظهر به الدولة في كثير من المواقف وعندما لا يجد المواطن الدولة التي تحميه وتمنحه حقوقه فانه يبحث عن البديل والقبيلة هي البديل لكثير من المواطنين. ويرى الدكتور الحوثي انه في ظل قوة القبيلة وسطوتها فان النتائج المترتبة على ذلك هي: ــ ان تقوى القبيلة وتضعف الدولة ــ ان تقوى العصبيات والشلل وتتغلب المصالح الشخصية على المصالح العامة وان تتحول اجهزة ومؤسسات الدولة كما اوضح بعض الباحثين الى واجهات ومراتع للقبيلة والمناطقية. ـ ان ينتشر الخروج على الدولة وعلى النظام والقانون بشكل عام وان يلجأ البعض الى القوة للاستيلاء على الحق والباطل واقلاق كل الوطن والاضرار بمصالحه. ويستطرد الدكتور الحوثي قائلا ليس معنى ذلك ان المجتمع القبلي في معظمه مرتاح لهذا الوضع فهو يئن ويعاني من تلك الاوضاع والكثير منهم يصرخ ويطالب بقوة وهيبة الدولة لاعادة الانضباط والنظم والقوانين للمجتمع . تكريس التبعية ويرى الدكتور فؤاد الصلاحي استاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء, ان مؤسسات المجتمع المدني الحديث تخضع لتأثيرات العلاقات القبلية العصبوية وخاصة الاحزاب السياسية التي تلعب هذه العلاقات ادوارا فعالة في نسقها التنظيمي والحزبي وان عملية الولاءات المتعددة لا تزال قائمة بين ولاء الفرد للقبيلة وولائه للدولة بين انتمائه للنسق المهني والمنظمة غير الحكومية وبين تثبيت عضويته في القبيلة, وان الثقافة السياسية السائدة لا تزال غير ملائمة للتحول الديمقراطي وبناء المجتمع المدني, بل ان النظام التعليمي يكرس التقليد والتبعية للسلطة علاوة على ضعف فعالية الدولة كمؤسسة سياسية حديثة داخل المجتمع. وان المجتمع المدني الحديث في اليمن لا يزال تأثيره في الدولة ضعيفا واقل مما تقوم به القبيلة كمؤسسة تقليدية لها تأثير كبير على جهاز الدولة وعلى صنع القرار السياسي بل انها تقف موازية للدولة في اطارها المكاني. شيوخ القبائل ويلاحظ الدكتور عبدالحكيم الشرجي استاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء ان من اهم عوامل ضعف تراكم العمل الاجتماعي وانقطاعاته في اليمن بصفة خاصة ــ وهي خاصية واضحة في المجتمع اليمني اكثر من غيره من المجتمعات العربية ــ يرجع الى الادوار الهامة والرئيسية التي تضطلع بها القبيلة في اليمن والتي تتوسط العلاقة بين الدولة والمجتمع في اليمن, فتارة تعد القبيلة هي الدولة او على اقل تقدير المعبرة عن الدولة وتوجهاتها والقبيلة في اليمن تاريخيا كانت تتحول الى دولة قوية خاصة تلك القبيلة القوية الغالبة كما ان كثيرا من شيوخ القبائل اليمنية في التاريخ الحديث والمعاصر مارسوا وما زالوا يمارسون مهاما ووظائف سياسية هامة .. فهم بذلك يعبرون عن الدولة وتوجهاتها خاصة عند التصاقهم بالجسم السياسي للدولة وفي احيان اخرى ــ عندما تتقوى الدولة ــ او تتصادم مصالحهم مع مصالح الدولة ــ فانهم يعبرون عن توجهات الجماهير وابناء المجتمع باعتبارهم ممثلين فيقفون في الخط المضاد لتوجهات الدولة. وبهذا فان القبيلة ــ او على وجه التحديد كثير من مشائخ القبائل ــ يعملون على قطع الاستمرارية في علاقة الدولة بالمجتمع وخاصة الاهلي منه وبالتالي يحدثون هذا الضعف في تراكم العمل الاجتماعي الذي نتحدث عنه. واذا كانت القبيلة من الثقل والقوة التي تفرض نفسها على اي قضية من القضايا المثارة داخل المجتمع اليمني في كافة نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما جعلها حاضرا في كل وقت وحين فان التعويل على تجاوز هذا المأزق الواقعي الذي يحضر بقوة يفترض حسب دكتور ناصر الذبحاني استاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء ان تصبح الدولة هي المؤسسة لقواعد المجتمع المدني التي تحل محل المرجعيات المحلية لتجاوزها واحلال المواطنة وبذلك يجري تهميش مختلف المرجعيات القبلية والقروية والمناطقية وغيرها من المرجعيات المحلية التي قد تحاول الحلول محل مرجعية المجتمع وتحويل السلطة لصالحها. مرجعية بديلة ولتجاوز هذه الوضعية يقترح الدكتور ناصر الذبحاني مرجعية بديلة التي تقوم في نظره على تحريك المجتمع وتفعيل الشخصية وتحريك المجتمع تعني تحويله الى مجتمع مدني لان الابقاء على التكوينات التقليدية الاجتماعية يعني استمرار فرز هذه التكوينات لايديولوجيتها القبلية والفردية والمناطقية الذي يفرز التداخل المرجعي, وتفعيل المجتمع يعني تجاوز هذه المرجعيات مباشرة وجعل الفعل الاجتماعي او الشخصية تتصل مباشرة بالمرجعية الام وبالمجتمع الاكبر دون الوسائط التقليدية. وفيما يتعلق بتفعيل الشخصية يقول نقل اسلوبها التفاعلي من حالة الايعاز التقليدي الى حالة الابداع اي التخلص من اشكال الاتباع والتقليد وتعامل الشخصية بقدرتها الذاتية وليس بما ترثه وهذا ينسحب على الشخصية في كل تفاعلاتها في العلاقات الاسرية (الاتجاه نحو الزواج) والاجتماعية (رفع مستوى التعليم) والاقتصادية (العمل المنتج) والعلاقات القانونية (المعايير المؤسسية) والدينية (عدم التمذهب). ويرى الذبحاني ان الشخصية اليمنية اصبحت بفعل تعدد الضغوط موزعة على النحو التالي: * شخصية فاعلة تمثلها الدولة او السلطة بعد ان همشت الشخصية التي يمكن ان تقود التغيير سواء بالاقتصاد او الاستقطاب وحلت بدلا عنها. * شخصية منفعلة متأثرة غير فاعلة سواء عن وعي او مرارة الوضع فتميل الى الاحباط والانسحاب بسبب الضغوط عليها. * شخصية مقاومة لكنها محدودة التأثير ربما لا تملك سوى سلاح الكلمة. واضاف ان الدولة (السلطة) استطاعت دمج الشخصية في اسلوبها السلطوي وادخلت عليها المؤسسة السياسية للحد من تأثير العائلة كما استخدمت المؤسسة الدينية التقليدية لاضفاء شرعيتها التقليدية وصارت المشكلة واضحة اذ ظل المجتمع يحكم بالعلاقة اي مجتمع محلي وظلت علاقة الدولة مع كل جماعة محلية بحسب ولائها الاجتماعي التقليدي وانه لابد للهوية اليمنية ان تتبلور في صيغة مواطنة تتجاوز التكوينات الاجتماعية التقليدية المعيقة للتطور, وان احداث تغيير في بنية وآلية هذه المؤسسات والدولة هي التي تمتلك امكانية التغيير ــ سوف يسهم في تفعيل الشخصية اليمنية لان الشخصية هي حصيلة تلك المؤسسات ومن ثم فان معالجة الامراض تفضي الى معرفة اسباب المرض وعلاجه. يبرز بشكل جلي ان المؤسسة الاجتماعية التقليدية وبما تمثله من فعالية وديناميكية داخل المجتمع اليمني ستظل حاضرة لتلقي بظلالها على الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وان المحاولات لتفعيل دور المجتمع المدني في ظل التوجه الديمقراطي ستظل محكومة بهذا (الميكانزم) الذي يعود الى خيار سياسي واع مالم تظهر ارادة سياسية تنفصل عن توظيف الغائي لاستثمار القبيلة سواء تعلق الامر بالتكوينات السياسية الحزبية الاخرى او مؤسسات المجتمع المدني ذاتها التي تميل الى الرهان على هذه القوة التقليدية في الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والتاريخ الحديث يشهد على ذلك في كثير من المحطات التي تبرز فعالية القبيلة وتتراجع طبقا للتوجه السياسي نحوها.