بيان الاربعاء : بدأت مخاوف الآثار الصحية السيئة لليورانيوم المنضب منذ ايام حرب الخليج حيث استخدم الجيش الامريكي حينها مايزيد على 315 طنا من اليورانيوم المنضب, ومنذ ذلك الحين اشتكى اكثر من 150 الف جندي، امريكي, وفي رواية اخرى 250 الف جندي امريكي, من اصل 700 الف شاركوا في حرب الخليج من مجموعة من الاعراض سميت باعراض حرب الخليج. والاعراض المختلفة التي نشرتها جميع صحف العالم بعد حرب الخليج, والتي تشابهها اعراض حرب البلقان هي: وقوع الشعر, تعفن الاسنان, التهابات المفاصل, ازدياد ظهور السرطانات وبشكل خاص سرطان الدم بمعدل زيادة تصل الى 4.2 مره, ازدياد ظهور العيوب الخلقية بين اطفال الجنود السابقين واطفال المدنيين الذين تعرضوا لاشعاعات هذه القذائف بنسب وصلت الى 67% في احدى الدراسات, وامراض الكلى والجهاز العصبي. ووفقا لتقارير عسكرية وصحفية كثيرة فان اول من استخدم هذه الذخائر المشعة في الشرق الاوسط هي اسرائيل فقد اعترفت مصادر الجيش الاسرائيلي باستخدامها اليورانيوم ضد مجموعة فدائية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1985. وكشفت دراسات اخرى عن قيام اسرائيل باجراء خمس تجارب تفجيرات لقنابل نيوترونية قرب ميناء ايلات بين شهري سبتمبر 1979 ومايو ,1998 اضافة لخطتها في تلغيم هضبة الجولان بالقنابل النيوترونية لمنع الجيش السوري من الهجوم على قوات الاحتلال, وفي الانتفاضة الفلسطينية الاخيرة اكدت مصادر رسمية وغير رسمية اهمها منظمة انترناشيونال اكشن سنتر الامريكية ان قوات الاحتلال الصهيوني قصفت مكاتب حركة فتح في رام الله بقذائف وصواريخ احتوت قشرتها الخارجية على اليورانيوم المنضب اطلقت من طائرات الهليوكوبتر آباتشي وكوبرا. وليس خافيا ان اسرائيل استخدمت اليورانيوم المنضب في قصفها للبنان طوال سنوات احتلاله وهذا يفسر تصاعد معدل الاصابة بالامراض السرطانية في الجنوب اللبناني. وتجهز طرادات البحرية الاسرائيلية القاذفة للصواريخ بمدافع خاصة عيار 20 ملم قادرة على اطلاق مابين 4000 و 6000 طلقة يورانيوم في الدقيقة, وفق الكشف الذي قامت به (يديعوت احرونوت) فان هذه القذائف موجودة ومستخدمة من قبل اسرائيل على مدى عشرين عاما. منذ عشر سنوات اثار العراق قضية اليورانيوم المنضب التي استخدمت بكثافة شبهت بانها تعادل سبع قنابل من تلك التي القيت على هيروشيما وناكازاكي, وطالب بالتحقيق فيها لكن قوات الحلفاء وحكومات الغرب تجاهلت الموضوع, وتكتمت عليه حتى اثارته قضايا الجنود الغربيين. ومخاطر هذا السلاح كانت مثار جدل بين الكونجرس والحكومة الامريكية وفشل الكونجرس الامريكي في التحذير من مخاطرها, ويجد خبراء عسكريون كثيرون ان المعلومات حول هذه القذائف حجبت عن الجيوش مثلما حجبت عنهم طرق الوقاية منها, فما هي هذه الاطلاقة التي يسميها البعض بالقضية والتي توصف بانها ارخص واشد قتلا. الذخائر المشعة يقول الخبير الكيميائي الدكتور عديسان ابو عبدون: اليورانيوم المنضب هو الفضلات الناتجة عن عملية زيادة نسبة اليورانيوم 235 لاستخدامه كوقود بتحويل اليورانيوم 238 الى سداسي فلوريد اليورانيوم وهو سام ومشع ويتعامل مع الرطوبة ليعطي حامض الهيدروفلوريك السام. استخدم هذا اليورانيوم في مصانع السلاح الامريكية لتصنيع قذائف واسلحة دون علم العسكريين بطبيعة وخطر التعامل باليورانيوم الذي له نشاط اشعاعي معروف وبدون وجود طريقة لقياس كمية الاشعاعات بالنسبة للعاملين في العمليات العسكرية. ويضيف الخبير ان اليورانيوم 235 هو النظير الوحيد لليورانيوم 238 القادر على احداث سلسلة متتالية من التفاعلات الذرية التي ينتج عنها اشعاعات نيوترونية من استمرار التفاعل الذري وكمية كبيرة من الطاقة بالاضافة لعناصر غير مستقرة (قابلة للانشطار) وهذا يبقي التفاعل في حالة مستمرة. ويشير الى كتاب صدر حديثا من تأليف ساره فلوندرز بعنوان (معدن الخسة) الذي استعرض استعمال اليورانيوم المنضب في حرب الخليج والنتائج الصحية التي لحقت بالبيئة وصحة الافراد الذين تعرضوا للاشعاع سواء كانوا مدنيين او عسكريين. وتورد ساره فلوندرز مقارنة بين حالات الاصابة بالسرطان والتشوهات للمواليد في العراق استنادا لتقارير علمية بعد عام 1991 وبين تقارير علمية نتيجة ابحاث اجريت على اكثر من 100 الف جندي امريكي واعداد للجنود البريطانيين شاركوا بنفس الحرب, وبين حالات مرضية انتشرت بين سكان مناطق تجربة الاسلحة النووية في جزر المحيط الهادي فتتوصل الى انها متشابهة. ويذكر تقرير صدر عام 1995 عن معهد الجيش للسياسات البيئية ان دخول اليورانيوم المستنفذ للجسم ينتج عواقب صحية خطيرة لكون المخاطر كيميائية واشعاعية ويقول التقرير في مكان آخر ان الافراد الموجودين داخل مركبة (عسكرية) مضروبة باسلحة مزودة باليورانيوم المنضب او حتى قربها يتعرضون الى جرعات كبيرة من الاشعاع. وفي مكان آخر يوضح تقرير عن وكالة الطاقة البريطانية نشرته جريدة (الاندبندنت) البريطانية عام 1991 مخاطر انتشار الغبار المشع في المناطق المحيطة بساحة القتال ودخوله الى سلسلة الغذاء والماء مبينا في ذلك الوقت ان اكثر من 400 طن من المواد المشعة التي لوثت جنوب العراق والكويت وشمال السعودية ستسبب وفاة ما يقارب من 500 الف نسمة. ويرى الخبير ابو عبدون ان استخدام كلمة مستنفذ او منضب هو امر مغلوط فهي تدل او تعني عدم وجود المخاطر, وهذا هو السبب الذي جعل امريكا تستخدم لفظ المستنفذ او المنضب بدلا من (الذخائر المشعة) لتبرر استخدامها له وتعزز ادعائها بانه غير مضر. والواقع ان هذا الكم الكبير من الفضلات اليورانيومية قد وجد طريقه عبر القذائف المشعة لينتشر في الطبيعة وهو وفق تقارير علمية سيتسبب بهلاك ودمار الارض من انسان ونبات وحيوان لمئات الالاف من السنين من الاجيال القادمة. ويشير تقرير عن جريدة (التايمز) الاردنية الى ان الولايات المتحدة قد تركت في منطقة الخليج 60 الف رطل من اليورانيوم المنضب. اضرب وامض كانت تعليمات القادة الامريكيين لجيوشهم في الخليج والبلقان قد اسست لسابقة غير معهودة, فقد جاء على لسان قادة الجيش ان التعليمات ركزت على: * لا تحم قواتك الخاصة من اليورانيوم المنضب. * لا تحذر السكان المدنيين. * لا تتحمل اية مسئولية في تنظيف او تنقية البيئة عندما تضرب. وتقول كاتلين سوليفان وهي احدى الباحثات في آثار هذه القذائف: احدى المشاكل التي واجهت اللجان العسكرية والمدنية التي حققت في امر اليورانيوم المنضب كانت في عدم توفر معلومات كافية حول كميات او انواع الاسلحة التي سمتها التعليمات الصادرة بـ (الاسلحة المبيدة) بدلا من الاشارة اليها باسمها (قذائف اليورانيوم المنضب). وتضيف: لم يقل احد الجنود كيف تستعمل هذه القذائف دون ان تضرهم ولم يعطهم اي شخص تحذيرا من اي نوع او تعليمات من اي نوع حول الوقاية منها. وليام شاوجينسي العالم والخبير البيئي يقول: لم تكن هناك مراقبة لهذه (القذائف المبيدة) ولا مراقبة او اختبارات للتأكد من عدم تأثيرها في البيئة والانسان, كل الاختبارات شملت تأثيرها في المدرعات هو ما يحقق نصرا تهافت عليه صناع السلاح. نخلص بعد ذلك الى نتيجة واحدة مفادها: ان الولايات المتحدة حرصت في مخاطباتها واوامرها وتحذيراتها على استخدام لفظة (الاسلحة المبيدة) بدلا من (قذائف اليورانيوم المنضب) وهي رغم اعترافها باستخدامه تملك فرصا كثيرة بالنفاذ من اية محاكمة لانها: * اورطت الجيوش الغربية معها في هذه الجريمة. * ربطت حكومات الغرب بعقود تسليح تشمل هذه القذائف حتى باتت ترسانات اوروبا واسرائيل مليئة بها. * تضمن ان اوروبا لن تدينها فالاوروبيون لن يتخلوا عن سلاح متطور فعال وزهيد الثمن مقابل اي شيء خاصة وان امريكا لن تتخلى عنه, بمعنى لا يمكن اعطاء الفرصة لامريكا للحفاظ على التفوق العسكري. * ليست مستعدة لدفع أية تعويضات. وبالتالي فان اوروبا نفسها غير مستعدة لدفع اية تعويضات لافراد او جهات ولذلك فان هذا الملف مهما ازدادت اوراقه وثقلت سيغلق, فالقرار لا يمكن الغرب بل لوبي صناعة السلاح الامريكي الذي يسيطر على القرار العالمي بشكل او بآخر, وهكذا نجد ان المعدن الخسيس ينتصر على الحياة وعلى ضروراتها, وان الزمن القادم لن يخلو من حرب اخرى بتجربة ما تطور منه, تلك هي استراتيجية امريكا وصناع قرارها ولا نملك الا ان نكون فئران اختبار.