الملف السياسي: انتقادات عديدة وجهت للولايات المتحدة الأمريكية فى أعقاب الكشف عن استخدام قوات حلف الناتو لذخائر اليورانيوم خلال عملياتها العسكرية فى البلقان, ودون أن تعرف الدول الأعضاء من المجموعة الاوروبية بذلك, وكان آخر هذه الانتقادات ماوجهته المانيا من خلال وزير دفاعها, ورولف شاربينح الذى وجه لوما عنيفا للولايات المتحدة عند زيارته للقوات الألمانية المشاركة فى قوات حفظ السلام بالبلقان, من انها لم تبلغ شركاءها فى الحلف بأن ذخائر اليورانيوم يمكن أن تحتوى على اثار من البلوتونيوم المشع, وألمح ان الولايات المتحدة كانت تعرف ذلك منذ بعض الوقت, بل وصل الأمر بألمانيا الى استدعاء القائم بالأعمال الأمريكى فى برلين سعيا للحصول على مزيد من المعلومات بهذا الخصوص. فى الوقت نفسه قالت اليونان بأنها أعلمت باستخدام اليورانيوم المستنفد فى عمليات البلقان الا انها لم تعلم بالمخاطر المحتملة التى يمكن أن تخلفها, وهذه التصريحات الألمانية واليونانية تأتى فى اطار حملة الانتقادات والهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية لأنها أخفت على شركائها فى حلف الناتو الحقيقة فيما يتعلق باستخدامها لذخائر اليورانيوم وهو ما أدى الى وفاة خمسة جنود ايطاليين متأثرين بمرض سرطان الدم من جراء استنشاق الغبار الناتج عن هذه الذخائر, ومنذ ذلك الوقت والقضية مثارة والتعليقات مستمرة من الخبراء فى كل الدول الأوروبية التى باتت تخشى على جنودها الموجودين فى البلقان والآخرين الذين شاركوا فى العمليات العسكرية اثناء حرب الخليج الثانية وخاصة بعد أن تكشف ايضا أن قوات التحالف استخدمت هذه الذخائر خلالها, بل ووصل الأمر بالمنظمات الدولية لأن تبحث وتحقق فى الأمر وهناك وفد من خبراء البيئة التابع لمنطمة الصحة العالمية فى كوسوفو الآن بهدف تقييم المخاطر المحتملة لاستخدام هذه الذخائر.. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجى د.جمال الدين مظلوم واللواء عبدالستار أمين مدير أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية السابق لالقاء الضوء على قضية اليورانيوم ومدى امكانية الاتفاق على خطرها على المستوى الدولى, وهل من المتوقع أن تقلص الدول المشاركة فى قوات حفظ السلام التابعة لحلف الناتو من وجودها فى البوسنة وكوسوفو؟ ولم يتم تجاهل الوضع فى العراق وماهى الحقيقة فى استخدام هذه الذخائر لقمع الانتفاضة؟ وامكانية أن تؤدى الانتقادات الأوروبية الحالية للولايات المتحدة الى تصدع حلف الناتو مستقبلا. قواعد غير عادلة بداية حرص د.جمال الدين مظلوم الخبير الاستراتيجى على أن يشير الى هذه الأزمة المتعلقة باليوارنيوم المنضب قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك ان العالم تحكمه قواعد لا تتسم بأى عدل ففى الوقت الذى بح فيه صوت العراق وهو يؤكد ان قوات التحالف ارتكبت ضده فظائع عديدة ومنها استخدام الذخائر التى تحتوى اليورانيوم ولم نجد من يهتم أو يكلف نفسه بالتحقق من الأمر, فى حين انه عندما أعلن عن وفاة خمسة جنود ايطاليين متأثرين بالاشعاعات الناتجة عن استخدام هذه الذخائر فى العمليات العسكرية التى قامت بها قوات حلف الناتو فى البلقان قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن حيث مازالت الضجة مثارة والمطالبات بالتحقيق لا تتوقف, لقد استخدمت قوات التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة ذخائر اليورانيوم ضد العراق وهذه الحقيقة أكدها أحد الخبراء البريطانيين عندما تحدث مؤخرا عن عمليات بحثية أجريت على عينات الهواء المأخوذة من ميادين القتال فى العراق وتبين منها ان نسبة التلوث الاشعاعى تزيد بمقدار 15 ضعفا فى مدينة البصرة عنها فى مدينة بغداد البعيدة عن مسرح القتال وهو ما يؤكد استخدام هذه الذخائر وبكميات كبيرة قدرها البعض بأنه تم خلال حرب الخليج الثانية قصف المواقع العراقية بنحو مليون قذيفة من الطائرات والدبابات تحمل نحو 300 طن يورانيوم, ولقد اعترف وزير الدفاع البريطانى مؤخرا بعلمه بمخاطر صحية محدودة على الجنود من جراء استخدام هذه الذخائر وانه أبلغ مقر القيادة البريطانية فى الرياض عام 1991 بهذه المعلومة. وفيما يتعلق باسرائيل واستخدامها لهذه الذخائر الفتاكة لقمع الانتفاضة الفلسطينية يقول د.جمال الدين مظلوم: لا شك فى أن اسرائيل استخدمت هذه المادة فى الرصاص المعروف باسم (دمدم) وفى قنابل الغاز التى تستخدمها ضد الفلسطينيين وفى قذائف ودانات الدبابات الاسرائيلية والتى استخدمت فى قصف المؤسسات الفلسطينية خلال الانتفاضة, وممايؤكد استخدام اسرائيل لهذه الذخائر هو منعهم لأحد الخبراء الأجانب المتخصصين فى هذا المجال من أن يصطحب معه مجموعة من القذائف عند زيارته للمناطق المحتلة لفحصها, كما يتأكد أيضا مما نشرته صحيفة (ايديعوت احرنوت) الاسرائيلية فى عددها الصادر يوم 10 يناير الحالى وقالت فيه أن الجيش الاسرائيلى استخدم قذائف أمريكية الصنع تحتوى على مادة اليوارنيوم المنضب ضد الفلسطينيين رغم أنه تدعى انها سحب هذه الذخائر من الخدمة من أكثر من عام. ويضيف د.جمال الدين مظلوم ان استخدام هذه الذخائر ضد الشعبين العراقى والفلسطينى أدى الى تداعيات وآثار صحية خطيرة أهمها تفشى أمراض سرطان الدم بين ابناء الشعبين وهناك مخاوف عديدة من أن تطور هذه الأخطار في المناطق التى كانت قريبة من مسرح عمليات حرب الخليج الثانية, والتى تم فيها تخزين مثل هذه الذخائر, كما من المنتظر أن تمتد لدول شارك أفرادها فى قوات التحالف, أى هذه المشكلة سوف يعانى منها أطراف عديدة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وهو مايشير الى الأخطار الناجمة عن استخدام مثل هذه الذخائر يتسع نطاقها ويجب أن يدرك الجميع أنهم ليسوا فى مأمن من أخطارها. مخاطر صحية وبيئية وحول ضرورة حظر هذه الذخائر وتحريمها على المستوى الدولى يرى د.جمال الدين مظلوم بأن هذا الأمر ضرورى للغاية نظرا لخطورة هذه الذخائر على الإنسان والبيئة وبالفعل هناك مطالبات حاليا بهذا الخصوص من جانب العراق وكذلك ألمانيا نظرا للمخاطر الصحية والبيئية العديدة لهذه الذخائر, فهى مثل الألغام يمتد تأثيرها لعشرات السنين وبالتالى لابد أن يكون هناك تحرك دولى وواضح وملموس وعلى أسس حتى يمكن تدارك مثل هذه الكوارث مستقبلا, وفى هذا الاتجاه لابد أن تقوم الأمم المتحدة والتجمعات الدولية الاخرى بدورها فى هذا الشأن وبحيث يتم منع استخدام مثل هذه الذخائر مستقبلا, كما لابد من اجراء تحقيق مع الدول التى استخدمتها ضد المدنيين وفى مسارح العمليات العسكرية, وأن يتم ادراج ذلك تحت بند جرائم الحرب, وصرف تعويضات لكل الذين اضيروا من جراء ذلك سواء كانوا جنودا أو مدنيين أو حتى الدول التى أصبحت أراضيها مرتعا للآثار السلبية الناتجة عن هذه الذخائر. وعن حقيقة مايتردد من أن الولايات المتحدة قد أخبرت بعض الدول الأوروبية بحقيقة هذه الذخائر واخفت ذلك عن البعض الأخر يؤكد د.جمال الدين مظلوم أن الولايات المتحدة فعلت ذلك بدليل أنه قد ثبت انها طلبت من بعض الدول الأوروبية أن تنبه على جنودها لاستخدام القفازات اثناء العمليات العسكرية فى البلقان وحتى يكونوا فى مأمن من مخاطر هذه الذخائر, وقد أثير هذا الأمر فى بعض الدول الأوروبية التى أضير جنودها ومن المنتظر أن يؤثر على تماسك الحلف ويدفع باتجاه تنمية القدرات الذاتية للدول الأوروبية الاعضاء فى الحلف, وبما يدعم الدعوة لخروج أوروبا من تحت المظلة الأمريكية, أى أن ماحدث غالبا لن يمر بسلام ولابد أن يترك آثاره على حلف الأطلسي فهناك ذعر فى بعض الدول الأوروبية طلبت سحب قواتها من قوات حلف السلام الموجودة فى البوسنة والهرسك وهذا بالتأكيد سيؤثر على تماسك الحلف. سنوات عديدة ومن جانبه يشير اللواء عبدالستار مدير أكاديمية ناصر للعلوم العسكرية الأسبق الى ان هذه الذخائر يجب تحريمها دوليا نظرا لخطورتها البالغة على البيئة والانسان وحتى لا نعطي الفرصة وخاصة للدول ذات السياسات العدوانية مثل اسرائيل لاستخدامها ضد الآخرين فمعروف أنها استخدمت هذه الذخيرة ضد الفلسطينيين العزل لقمع انتفاضتهم, كما استخدمتها اثناء عملياتها العسكرية فى جنوب لبنان ولن تتوقف عن استخدامها فى المستقبل طالما هى تمتلك منها الكثير والذى حصلت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية, التحريم هنا سيفيد الجميع ويحميهم من أخطار هذه الذخيرة ولذلك لابد أن يكون للمنظمات الدولية دور فى هذا كما لابد أن تقوم الدول العربية من جانبها باثارة هذا الموضوع فى المحافل الدولية وخاصة أن هناك دولا عربية أضيرت من هذه الذخائر مثل العراق التى كانت أراضيه مسرحا لعمليات التحالف الدولى والذى ثبت انه استخدم هذه الذخيرة ضد العراق خلال حرب الخليج الثانية. ويضيف اللواء عبدالستار أمين أن تحريم مثل هذه الذخائر هام للغاية وخاصة بعد أن ثبت انها تؤدى الى الاصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة مثل سرطان الدم وبعض الاصابات فى الكبد, والأورام كما ان تأثيرها يمتد لسنوات عديدة أى انه ليس بالضرورة أن يظهر هذا التأثير على الفور وهنا تكمن الخطورة الرهيبة لليورانيوم المنضب, لقد ذهب البعض فى القول عن خطورته واثاره الحد الذى أكدوا فيه انه أخطر من السلاح الكيماوى و لذلك فلابد ألا يمر هذا الأمر هكذا دون أن يكون هناك تحقيق حتى لا تتكرر مثل هذه الكوارث فى المستقبل. وضع تصور متكامل وفيما يتعلق بتأثير هذه الأزمة على العلاقة بين الولايات المتحدة والناتو يقول اللواء عبدالستار أمين: تصر الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها القيادى فى حلف الناتو, وعلى أن تكون لها اليد العليا فى قرارات استخدام القوات والأسلحة فى عمليات الحلف. لذلك تحفظت الولايات المتحدة على قرار الاتحاد الأوروبى بإنشاء قوة أوروبية للانتشار السريع قوامها ستون ألف جندى بحلول عام 2003 وتؤيد بريطانيا الأمريكان ولا تتفق مع فرنسا وألمانيا فى حق الاتحاد الاوروبى فى وضع تصور متكامل لسياسته العسكرية. وكان ولى عهد بريطانيا صريحا فى تحذيره من الآثار السلبية لقوة التدخل الأوروبية على كيان حلف الناتو. وقد رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا طلب ايطاليا خلال اجتماع الناتو الأخير وقف استخدام قذائف اليورانيوم المستنفد, ورفض جيفرى هون وزير الدفاع البريطانى بشدة فرض حظر على هذه القذائف بالنظر الى فاعليتها المدهشة فى تدمير المدرعات. وأبدى الأمريكيون اعتراضهم على القرار الفرنسى بإخضاع كافة جنودها الذين شاركوا فى حروب البلقان لفحوص طبية شاملة تركز على احتمال تعرضهم للاصابة بالسرطان, وذلك فى غضون عام واحد. ولم تستشر واشنطن حلفاءها فى الناتو بشأن قرارها فى الاستمرار فى استخدام ذخائر اليورانيوم المستنفد حتى عام ,2003 ونفت مسئوليتها عن اصابة بعض جنود حلفائها بعوارض مرض البلقان واعتبرت ان مطالبتها بأية تعويضات عن هذه الاصابات قضية مرفوضة. والغريب أن واشنطن لا تزال تصنف ذخائر اليورانيوم المستنفد على انها من ضمن الذخائر التقليدية, مع أن أغلب دول الناتو تعتبرها ذخائر فوق تقليدية نتيجة تأثيراتها الاشعاعية وسميتها الكيميائية التى تجعلها اشد خطرا من بعض الغازات الحربية كما أنها تلوث البيئة وتضر بأجيال متتالية من البشر. ويؤكد اللواء عبدالستار أمين انه لو كان هؤلاء الجنود الذين لقوا حتفهم بسبب الاشعاعات الناتجة من اليورانيوم من دولة عربية ولتكن العراق لما حدثت كل هذه الضجة فلا تزال قيمة الانسان فى المجتمعات الأوروبية أهم بكثير من قيمة الإنسان فى مجتمعات العالم الثالث بما فيهم الإنسان العربى, وعموما فلابد أن نؤكد على شئ هام وهو أن الضجة الحالية اثارتها الحكومات الغربية وخصوصا ايطاليا والبرتغال ودعمها الاعلام الغربى على نطاق واسع وأصبحت الولايات المتحدة مكشوفة ولم تعد قادرة على تقديم تفسير لصمتها, لقد حدث وتقدم العراق بطلبات عديدة للأمم المتحدة للتحقيق وقت أثير الموضوع وفى حرب الخليج ولكن لم يستجب له أحد فى المنظمة الدولية مازالوا يعتبرونه خارقا القرارات الدولية.