الملف السياسي: ضجة سياسية واعلامية دولية تفجرت مؤخرا عقب كشف قضية الاثار المرضية والقاتلة التي نتجت عن استخدام قوات حلف شمال الاطلسي لذخيرة بها يورانيوم مستنفد ــ في حروب بمنطقة البلقان ــ تسببت في حدوث تلوث اشعاعي ادى لاصابة وموت جنود في دول اوروبية مختلفة بمرض سرطان الدم المعروف باللوكيميا وهذه القضية شأنها مثل قضايا دولية كثيرة تضر بصحة وحياة الانسان تنفجر غالبيتها في الغرب, حيث تكشف بمعرفة الفعلة أنفسهم, خاصة حينما تصيب الاضرار مواطنيهم وهو الامر الذي تأكد مؤخرا حيث تجاهل الغرب الوضع ــ منذ حرب الخليج الثانية ــ واستخدام قوات التحالف الاوروبية الامريكية لعدد 100 ألف قذيفة ضد العراق عام 91 تحتوى على اليورانيوم المنضب, ويبدو انها حلقة في سلسلة لم تنته بعد حيث ان خطر البلوتونيوم قد يخلق ازمة جديدة في اوروبا اخرى في العالم. حول اليورانيوم المنضب وفيما عرف بمرض البلقان.. والبولوتونيوم وهو ما لم يتناوله حلف شمال الاطلسي والاتحاد الاوروبي بصورة علنية.. مدى قدرة المنظمات الدولية الانسانية والحكومات في حظر استخدام الاسلحة والذخيرة التي تحتوي على مواد تسبب التلوث الاشعاعي.. الاصابة بمرض سرطان الدم (اللوكيميا) على الاجيال الحالية والقادمة.. خطر التلوث على البيئة خاصة الاراضي الزراعية التي تنتج الغذاء. اجرى (الملف السياسي) تحقيقات في هولندا وبروكسل استطلع من خلالها ابعاد هذه القضية من خبراء عسكريين ونشطاء حقوق الانسان ورجالات سياسة للغوص في اعماق المشكلة. يقول الخبير العسكري الهولندي (فيردناند باردكام) ردا على سؤال حول تاريخ استخدام القوات المسلحة لحلف شمال الاطلسي اليورانيوم المنضب في تغليف رؤوس الصواريخ والقذائف وطلقات الرصاص لرفع قدراته على اختراق الاجسام الصلبة: حقيقة ليست فقط قوات الاطلسي هي التي استخدمت هذه الانواع من الاسلحة والذخيرة لأول مرة وفقا للأزمة التي تفجرت مؤخرا, والتي عرفت بالبلقان وأعراض مرض البلقان ومن البديهي معرفة ان المصانع التي صنعت هذه الاسلحة لم تقصر بيعها على دول بعينها دون اخرى, حيث تملك دولا كثيرة هذه الانواع من الاسلحة, فقد تم استخدام صواريخ مضادة للدبابات تطلق من على حوامل ارضية حيث توجه بالبطاريات, وأخرى تطلق من على الاكتاف ضد الطائرات المنخفضة. وقد استخدمت قوات عربية واسرائيلية هذه الاسلحة في حرب 73 بالمنطقة العربية ونظرا لأن الاطراف المتحاربة كلها استخدمت هذه الانواع لم تتفجر ازمة, ومن ناحية ثانية لكونها حربا تقليدية من اطراف مختلفة وليست حربا تأديبية بغرض الردع كما حدث في منطقة البلقان. اضافة لأن الدول ذاتها التي فجرت الازمة تملك هي الاخرى في مخازنها انواعا من هذه الاسلحة وإن كانت لا تعلن عن ذلك لاسباب سياسية واستراتيجية, وهل لو أن دولاً مثل ايطاليا وبلجيكا وغيرها ــ ممن اعلنت عن اصابة جنودها بسرطان الدم بسبب اليورانيوم وفجرت الازمة ــ قد تعرضت لعدوان من دولة اخرى ستلتزم بأخلاقيات وسلوك سامية في رد الاعتداء او الهجوم؟ ام ستستخدم كل قواتها العسكرية وما تملكه من اسلحة وذخيرة حتى لو كانت محرمة دوليا؟ اذن ينبغي علينا معرفة ان مثل هذه الازمات ترتبط بالزمن والظروف الدولية التي تتفجر فيها. وبسؤال البلجيكي (لويس جورديا) احد نشطاء الجمعية الاوروبية لحماية ضحايا الحرب ــ عن دول وفعالية مؤسسات حقوق الانسان الاوروبية في مثل هذه الازمات يقول: نحن نعتمد على عدة عناصر في قضية من هذا النوع بداية برصد المشكلة وفتح ملف خاص بها يتم فيه تسجيل الاضرار سواء تلوث البيئة او المرض والموت, ثم نجمع آراء وأقوال شهود عيان, وبناء على ذلك نكلف مراكز علمية (حيادية) صحية وعسكرية وقانونية لها خبرة بعمل دراسات وأبحاث نعتمد عليها في اقامة الدعوات القضائية امام المحاكم سواء ضد دولة او هيئة ما. * وهل كانت بالفعل حقيقة استخدام قوات عسكرية لليورانيوم المستنفد مفاجئة لكم؟ ــ لأكون اكثر تحديدا اوضح عدة امور: أولا: الفرق بين الازمة التي ظهرت عقب اعلان موت خمسة جنود بلجيكيين وجنديين هولنديين وجنديين اسبانيين وجندي تشيكي وآخر برتغالي, وبين المعلومات التي توجد لدينا, فاعترف لك بوجود معلومات لدينا منذ بداية الثمانينيات, ومصدرها موثوق حيث تطوع بعض الضباط الامناء في الجيش الامريكي وحلف شمال الاطلسي بامدادنا بتقارير سرية حول وجود عنصر اليورانيوم المستنفد في اسلحة وذخيرة تملكها وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) وبعض من هؤلاء الضباط هو ابن لضابط سابق اصيب بالتشوه في حرب فيتنام. ثانيا: على الرغم من تأكدنا لمصداقية هذه المعلومات الا ان حساسية الموضوع ترغمنا على التروي حيث ان طرح قضية من هذا النوع تتطلب ادلة واثباتات قانونية, وهو الامر الذي لا يتوافر لنا دائما. * اذن ما قيمة المعلومات طالما يتعذر الاستفادة بها للأسباب التي طرحتها؟ ــ نحن لم نلتزم الصمت نهائيا ولم نترك الامر يخضع للظروف, فقد ابلغنا الامر لعدد من جمعيات المحاربين القدامى في امريكا, وقامت هي بدورها في حث بعض القادة العسكريين على اعلان تحذيرات من مغبة ومخاطر استخدام الاسلحة والذخائر التي تحتوي على اليورانيوم المنضب, وبالفعل حدث ذلك قبل نشوب حرب الخليج الثانية بسنوات قليلة, لكن للأسف لم يثن ذلك قوات حلف الاطلسي عن استخدامها لهذه الاسلحة وحدث ما حدث. أما الهولندي (جوردي لاميرس) عضو المنظمة الاوروبية للعسكريين ببروكسل فقال: ــ حينما تكشفت قضية اصابة وموت اعداد بسرطان الدم من جنود شاركوا في حرب البلقان, وثبوت نتائج التحاليل المعملية والفحوصات الطبية بأن الاسباب هي التلوث نتيجة قذائف اليورانيوم المنضب والرصاص الفضي قامت منظمة Euromil على الفور بدورها وإبلاغ رئيس اللجنة الاوروبية (برودى) الذي سارع بطلب ايضاحات عاجلة من قيادة حلف الاطلسي, وبالفعل نجحنا في تدويل القضية ووضعها على الاجندة السياسية العالمية, والدليل اهتمام كل وسائل الاعلام ومنها واحدة التي تمثلها انت, ونحن نطالب في الوقت الحالي بحظر استخدام مثل هذه الاسلحة لخطورتها على البيئة والانسان, كما ان لجنة الشئون القانونية تبحث فيما اذا كانت هذه المخالفات ستدخل ضمن اطار جرائم الحرب من عدمه, وهذا يتطلب تحديد المسئولين المباشرين والتأكد من علم قادة قوات الاطلسي بمدى خطورتها, وهناك البولوتونيوم ــ الذي لا يقل خطورة عن اليورانيوم ــ وهو ما لم يتناوله حلف شمال الاطلسي والاتحاد الاوروبي بصورة علنية. البروفيسور الهولندي (لوينبيرخ) استاذ علم التلوث بكلية طب روتردام ــ الذي يجري ابحاث سرطان الدم في هولندا منذ عام 1970 يقول: يسود حتى الآن مناخ غياب الرؤية الواضحة حول اصابة الجنود في البلقان بمرض سرطان الدم المعروف (لوكيميا) فهل السبب هو اليورانيوم المنضب ام البولوتونيوم؟ ومن لا يذكر الاعداد الهائلة التي اصيبت بسرطان الدم اثر القاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازكي ومن منا ينسى اصابة المدنيين بالمرض اللعين عقب حادث تسرب الاشعاعات من المفاعل النووي (تشرنوبيل), وفي الاوضاع الطبيعية يصاب عدد من 2:3 اشخاص من بين كل 100 ألف انسان بسرطان الدم, وما يزيد على هذه النسبة يحدث في ظروف وحوادث غير طبيعية وهو الامر الذي حدث بالتأكيد في منطقة البلقان, وأن الاصابة بسرطان الدم نتيجة التلوث الاشعاعي يصيب من يتعرض له ويؤثر على الاجيال القادمة, مؤكدا انه بعد مرور نصف قرن من ضرب هيروشيما حتى الآن يولد اطفال نصيبهم المرض والتشوه الخلقي. المتحدث الرسمي لجمعية السلام الاخضر في امستردام يقول: الاسلحة ضد الدبابات التي استخدمتها قوات حلف الاطلسي في البلقان مؤخرا كانت توجد بها مادة (البولوتونيوم) السامة جدا, وكانت جمعية السلام الاخضر قد اعترضت على نقل النفايات النووية التي يعاد استخدامها في تصنيع الاسلحة والذخيرة, كما كشفنا في عام 1992 عقب حادث انفجار الطائرة الاسرائيلية فوق مدينة امستردام عن ان هذه الطائرة كانت تنقل كمية من اليورانيوم المنضب القادم من امريكا وبالطبع كانت ستستخدمه اسرائيل في تصنيع الاسلحة والذخيرة. امريكا وحلف الاطلسي.. تجاهل للحقائق والخطر! اعترف المتحدث الرسمي للمكتب الفرعي لبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة في بروكسل بوجود اثار اليورانيوم في بقايا الذخيرة التي تم العثور عليها في حرب كوسوفو, والتي استخدمتها قوات حلف شمال الاطلسي, وهو الامر الذي سيدحض نفي الحلف لاستخدام ذخيرة بها يورانيوم مستنفد, وقد اثبتت التحاليل وجود (اليورانيوم 236) ويحتوي على اشعة الراديو النشطة تفوق اليورانيوم المنضب وكأن برنامج البيئة للأمم المتحدة قد حذر من استخدام هذه الانواع وأرسل بيانا بهذا الخصوص لوزارة الدفاع الامريكية وحلف شمال الاطلسي منذ سنوات.