الملف السياسي: (اقتل ثم اعترف... متأخرا) تحت هذا الشعار تواجه المؤسسة العسكرية الامريكية حلفاءها الاوروبيين في معركة ضارية تشارك فيها جيوش من العلماء ومراكز الابحاث ووسائل الاعلام وشركات، العلاقات العامة ودور النشر التي تتسابق على توثيق المعلومات في كتب تكاد تصدر بمعدل اسبوعي, على ضفتي الاطلسي, وهي معركة ربما تزيد تكاليفها عن نفقات حرب البلقان مع انها ما زالت في بداياتها. اما نتائجها فلن تقتصر على الجيوش في حلف الاطلسي وميادين معاركها في البلقان بل تتجاوزها الى الخليج والعراق وجنوب لبنان. شرارة المعركة اندلعت بعد سقوط (15) جنديا قتيلا بالسرطان من قوات الحلفاء اثر مشاركتهم في حرب البلقان, اما المتهم بالقتل فهو الولايات المتحدة الامريكية التي استخدمت قواتها ذخائر مزودة باليورانيوم المستنفد من دون ابلاغ القوات الحليفة. ما ادى الى اصابة عشرات الجنود وآلاف المدنيين بالاشعاع النووي والى الوفاة بسرطان الدم والعظم. تلك كانت هي البداية فحسب, ولكن بعد اشتعال الجبهات العلمية والاعلامية تبين ان القضية لا تقتصر على استخدام اليورانيوم المستنفد بل كذلك على اليورانيوم (القذر) اي الذي ما زال مشعا وقادرا على قتل الجنود وليس تدمير الدروع وحدها, كما كشف ابرز المختبرات في سويسرا بعد تكليفه من الاتحاد الاوروبي باجراء ابحاث حول هذا الموضوع. وقبل الدخول في اية تفاصيل حول هذا القصف المتبادل بين الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين كلهم من دون استثناء بمن فيهم بريطانيا, ربما كان من المفيد العودة الى بعض (المراجع) التي تعتمدها الولايات المتحدة للتأكيد على براءة ذخيرتها من مقتل جنود الحلفاء والى بعض (السوابق) التي مارستها المؤسسة العسكرية الامريكية (البنتاجون) ومثلها المؤسسات الاستخباراتية (السي آي. ايه) للكشف عن الفجوة الهائلة التي تفصل ما بين ما تقوله امريكا وبين ما تفعله. الفضيحة الحديثة قبل اشهر نشرت صحيفة (وول ستريت جورنال) الاقتصادية الامريكية الرصينة تقريرا على صفحتها الاولى عن شركة امريكية صنفتها الصحيفة بأنها (المرجعية الثانية للمهتمين بالبيئة) مهمة الشركة ان تكشف في مختبراتها عن مدى ملاءمة اي مشروع للبيئة سواء كان بناء محطة وقود في منطقة معينة او انشاء قاعدة عسكرية او مكبا للنفايات (النظيفة) او مستودع في اعماق الارض للنفايات الكيماوية او المشعة. وقد نجحت الشركة في استدراج ( 49) ألف عقد وقعها رؤساؤها مع مؤسسات حكومية ومنظمات اهلية كان من بينها (12) ألف عقد وقعتها الشركة مع وزارة الدفاع الامريكية والبنتاجون. وموجز الفضيحة هو ان عددا من الآلات التي تعتمد عليها الشركة في قياس نسبة التلوث او الاشعاع كان قد تجاوز عمره الافتراضي وبات يعطي ارقاما مضللة وبدلا من ان تستبدله الشركة ابلغت الباحثين لديها ان عليهم تصحيح هذه الارقام والنسب يدويا وبما يرونه مناسبا كما ان المدير التنفيذي للشركة كان (يساعد الباحثين فينصحهم بأن يضعوا الارقام والنسب بما يتوافق مع ما يريده صاحب العقد, سواء كان الزبون عاديا او البنتاجون. ورغم ان البنتاجون حاول التعتيم على عقوده مع الشركة وعدم الكشف عما اذا كان من بينها اقامة مستودعات للنفايات النووية المشعة الا ان صرخة اهل البيئة انطلقت وما زال هؤلاء يبحثون عن سجلات الشركة عن شهادات حسن السلوك التي منحتها للبنتاجون (وفق ما يطلبه الزبون). وهذه السابقة تلغي المرجعيات التي تستند اليها الولايات المتحدة وتكاد تحول مراكز الابحاث الى (عملاء) لدى الآلة العسكرية الامريكية. وفضائح فيتنام وحرب الخليج في عددها الصادر يوم 15 يناير الجاري كشفت صحيفة (وول ستريت جورنال) في تقرير كتبه غريج جاف ان ازمة ثقة تفصل ما بين البنتاجون وبين العالم, واستعاد الكاتب سوابق التعتيم على ضحايا حرب الخليج الثانية من الجنود الامريكيين فيما بات يسمى (اعراض حرب الخليج) يقول الكاتب: بعد خمس سنوات من النفي الشديد والمتواصل على ان الجنود الامريكيين لم يتعرضوا الى اية اصابة كيماوية اضطر البنتاجون للاعتراف بأن آلاف الجنود قد اصيبوا بالتلوث جراء تفجير مستودع عراقي يحوي مخزونا من المواد الكيماوية, وقبل ذلك فإن البنتاجون وعلى مدى عقود كان ينفي باستمرار ويضرب شعارا من التعتيم على النتائج الصحية المدمرة التي يتركها استخدام عنصر الاورانج, او المادة النووية التي استخدمتها الجيوش الامريكية في قصف فيتنام الشمالية وأدت الى اصابة جنودها بالسرطان وسواه ليعترف البنتاجون بعد ذلك بهذه النتائج. وينقل الكاتب عن مسئول رفيع في البنتاجون قوله (لقد كنا متسرعين فيما قلناه على الجبهة وبعد نهاية الحرب وهو ما ألحق الاذى بمصداقيتنا. وفي السياق نفسه فإن كتابا يصدر هذا الاسبوع في العاصمة الفرنسية باريس تحت عنوان (اليورانيوم المستنفد: الحرب غير المرئية) لثلاثة مؤلفين بحثوا في استخدام هذا السلاح ونتائجه يكشف عن تقرير عسكري امريكي صور في العام 1995 ورد فيه بالحرف الواحد ان اليورانيوم المستنفد المرسل من قبل المفاعلات النووية الاتحادية الى صانعي السلاح ربما يحتوي على اثار من اليورانيوم 236 اي اليورانيوم المشع والقذر. كما يكشف الكتاب ايضا عن رسالة تحمل تاريخ 18 اغسطس 1993 مرسلة من قيادة الجراحة في الجيش الامريكي الى المختبرات العسكرية الكيماوية تطلب فيها المزيد من التفاصيل عن اليورانيوم المستنفد لأن التعرض لغبار اليورانيوم ربما يؤثر على حياة الجنود بما فيه احتمال الاصابة بسرطان العظم او الدم وتدمير الكليتين). وكما تشير صحفية (نيويورك تايمز) فإن نشر موجز عن الكتاب اثار ذعرا كبيرا في فرنسا وفي اوساط الحلفاء الاوروبيين. والطبيب المنتحر والسجناء الفئران وفي سياق السوابق الامريكية في التعتيم كانت مجلة (اي الجاسوسية المعتادة) الامريكية المتخصصة في فضح (السي. آي. ايه) والبنتاجون قد كشفت قبل اعوام عن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية السجناء باعتبارهم (فئران تجارب) وقامت بمقابلات مع سجناء من الافارقة ــ الامريكيين تحدثوا خلالها عن تجارب كانوا (يتطوعون) خلالها لتناول حبوب الهلوسة (S.L.D) لمعرفة مدى تأثيرها عليهم, مقابل تخفيف الاحكام عنهم. وقد ارتبطت هذه الحبوب بقضية مدوية نتيجة انتحار طبيب وعالم امريكي القى بنفسه من نافذة في مقر (السي. آي. ايه) في نيويورك وبينما قالت وكالة الاستخبارات انه انتحر, فإن ارملته اقامت دعوى على الوكالة وقالت انه (نُحر) وعن سابق تصور وتصميم. وبعد حوالي 23 عاما من انتحار العالم, تقدم الرئيس الامريكي جيرالد فورد بالاعتذار الى ارملة العالم, مع دفع مبلغ 150 ألف دولار تعويضا لها بعد ان اعترفت (السي. اي. ايه) ان العالم كان أداة بحث لمعرفة تأثير حبوب الهلوسة على من يتناولها وأنه دفع لتناول كميات منها, على امل استخدامها في سحب الاعتراف من الخصوم. وهو ما يجعل من (اقتل ثم اعترف متأخرا) شعـارا امريكيا لكل المراحل.