الملف السياسي: (لماذا علي أن أموت؟) هكذا كتب الجندى الايطالى سلفاتورى كربونارو ذو الأعوام الأربعة والعشرين وهو يحتضر على فراش الموت. بعد ان بدأ يشعر عقب مرور ثلاثة اشهر، من عودته الى بلاده باعراض مرضية تأكد من الفحوصات الطبية التى اجريت له انها تعنى اصابته المؤكدة بمرض سرطان الدم اللوكيميا. ليتم تسريحه من الخدمة التى كان قد شارك خلالها مرتين فى نهاية التسعينيات فى عمايات عسكرية فى منطقة البلقان. سلفاتورى التى كانت آخر عبارة سطرها قلمه قبل ان يلفظ انفاسه الأخيرة فى شهر نوفمبر الماضى اننى أريد أن اعرف الحقيقة, هو واحد من عشرين جنديا ايطاليا ماتوا على التوالى ودفع موتهم الايطاليين الى التساؤل عن السبب فى موت هؤلاء الذين شاركوا تحديدا فى العمليات العسكرية فى البوسنة وكوسوفو. وهو الأمر الذى دعا الدول التى شاركت بجنودها فى البلقان الى اجراء فحوصات لهم. فيما اعترفت الولايات المتحدة الامريكية بعد فترة طويلة من النفى الى الاعتراف باستخدامها لليورانيوم ذى الاشعاع الخفيف فى منطقة البلقان من خلال 31 ألف قذيفة ألقت بها خلال حرب كوسوفو لتحقيق اختراق أفضل لدبابات الخصم فضلا عن عشرة آلاف قذيفة أطلقتها خلال حرب البوسنة والهرسك مابين عامى 1994 و 1995. ورغم ذلك فان الولايات المتحدة الأمريكية لم تظهر أى استعداد للتباحث حول الموضوع بحجة عدم وجود أى اثباتات تؤكد ان قذائف اليورانيوم يمكن ان تسبب السرطان. بل أكدت انها لن توقف استخدام هذا النوع من القذائف. لكن هذا النفى الأمريكى دحضته الأمم المتحدة حين تمكنت بعثة أرسلتها للتحقيق من تحديد عدة أماكن سقط فيها عدد من ذخائر اليورانيوم فى كوسوفو وقامت بفحصها لتثبت وجود تلوث بكميات كبيرة من اليورانيوم فى بعض المناطق. وفى هذا الشأن عثرت تلك البعثة الدولية على بقايا قذائف استخدم فيها اليورانيوم فضلا عن اثار اشعاعات فى ثمانية مواقع تعرضت للقصف فى كوسوفو. ان ماحدث يشير الى ان هناك اسلحة محرمة دوليا يتم استخدامها من الدول الكبرى. دون مراعاة لتأثيرها القاتل سواء على الجنود أو المدنيين أو حتى البيئة. فالوازع الأخلاقى يبدو أنه اختفى تماما ولم يعد يحكم قواعد لعبة الحرب التى كانت القوانين الدولية قد نظمتها. وان الغطرسة هى المتحكم الوحيد. الأمر ا لذى يغير من طبيعة الهدف المعلن من وراء العمليات العسكرية. ان هذا يجرنا للحديث عما يجرى فى الأراضى العربية المحتلة حيث تقوم اسرائيل بشكل يومى باستخدام أسلحة محرمة دوليا ومنها طلقات دمدم التى توجه بشكل متعمد الى صدور الاطفال الفلسطينيين والبشر العزل فى تلك المناطق. واستخدام اسرائيل المتواصل لتلك الأسلحة الذي يتزامن مع صمت دولى شبه متفق عليه. يعيد الى الأذهان امكانية ان تكون تل أبيب تستخدم اليورانيوم المستنفــد فـى أسلحــة الفتــك التى تستهــدف بهـا الأهالى وأبنائهـم فى الأراضى الفلسطينية. فقد كشفت صحيفة يد يعوت أحرونوت الاسرائيلية الشهر الماضى ان الجيش االصهيونى استخدم قذائف امريكية الصنع تحوى اليورانيوم المستنفد ولم يقم بسحبها من الخدمة. فيما ظلت البحرية الاسرائيلية - وفقا للصحيفة نفسها - تستخدم هذه القذائف فى مدافع فولكان بلانيكس كانت تجهز بها الزوارق القاذفة للصواريخ. وتزامنت أقوال الصحيفة الاسرائيلية مع ماكشفت عنه صحيفة يونانية عن ان هناك دولتين هما اسرائيل وتركيا حصلتا من بين عشر دول فى العالم على اسلحة نووية من انتاج الولايات المتحدة. على غرار قنابل اليورانيوم التى قصفت بها طائرات التحالف الغر بى يوغسلافيا خلال أزمة كوسوفو. واذا أضفنا الى ذلك مايتوارد من أنباء عن حيازة اسرائيل لمئات القنابل النووية. وكشف دولة قرغيزستان أخيرا عن انها باعت تل أبيب معامل لانتاج اليورانيوم واستخداماته فى الأسلحة. فان ذلك يؤكد اننا نواجه عدوا يستخدم كل وسائل الفتك والابادة ضدنا. بينما يقف العالم ساكنا أمام جرائمه التى ترتكب بشكل يومى. من هنا فاننا لانتوقع ان يهب العالم لحث اسرائيل على وقف استخداماتها لليورانيوم المستنفد فى أسلحتها. كما يهب الغرب حاليا من أجل اسدال الستار على صفحة استخدام هذا الخيار القاتل بعد ان أصيب جنود من كل دولة باثاره المميتة. خصوصا بعد ان أعلنت بريطانيا ان سلاح البحرية بها سوف يتخلص من قذائف تحتوى على يورانيوم منضب موجود فى 14 سفينة حربية عقب توقف انتاجها من الشركة الأمريكية المصنعة لها. التى كانت قد اضطرت هى الأخرى الى اتخاذ ذلك القرار بوقف تصنيع قذائف اليورانيوم بعد تصاعد القلق من تزايد حالات الاصابة بأمراض السرطان لدى جنود شاركوا فى معارك حرب الخليج الثانية والبلقان. فى الوقت الذى ذكرت فيه صحيفة بريطانية هى التايمز ان سلاح البحرية الأمريكى كان قد سبق نظيره البريطانى بعشر سنوات كاملة. عندما تخلص من قذائف اليورانيوم المستنفد. واستبدلها بقذائف مصنعة من مادة التنجستين وهو معدن غير مشع ولايسبب أضرارا. ورغم ان اقدام السلاحين البحريين الأمريكى والبريطانى على تلك الخطوة تعنى ان هناك خطورة شديدة من استخدام قذائف اليورانيوم المستنفد. فان الدولتين ما زالتا تنفيان وجود دليل علمى على ان ذخائر اليورانيوم التى استخدمت خلال عامى 1994 و 1995. وحرب كوسوفو 1999 هى مصدر انتشار أمراض السرطان. فى الوقت الذى يشير فيه عالم يوغسلافى الى ان نحو 400 من صرب البوسنة توفوا جراء اصابتهم بانواع مختلفة من السرطان نتيجة قصف حلف الناتو لمناطقهم بقذائف تحتوى اليورانيوم المستنفد عام 1994. وان 10 فى المئة من هؤلاء السكان قد ماتوا نتيجة اصابتهم باسلحة مشعة. وهذه النتيجة التى توصل اليها الطبيب اليوغسلافى واسمه زوران ستانوفيتش. جاءت مؤيدة لتقرير كانت قد نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية لمراسلها فى منطقة الحدث روبرت فيسك حول مقتل 300 صربى أصيبت منازلهم داخل العاصمة البوسنية سراييفو, بقذائف تحتوى على اليورانيوم المستنفد عام 1995. مؤكدا فى الوقت نفسه ان الأشخاص الذين قضوا بمرض السرطان وسرطان الدم هم من ضمن خمسة الآف صربى غادروا منازلهم فى حى هادييتش بعد تعرضه لغارات حلف شمال الأطلسى فى صيف عام 1995. واصفا ما حدث بانه أشبه بوباء وقع بين هؤلاء الناس. جعلت الناجين منهم مقتنعين بان الاعراض التى تنتابهم ناجمة عن غارات المقاتلات الأمريكية (اى - 10) التى ألقت قذائف اليورانيوم المستنفد على مصانع فى منطقتهم. واذا كان هذا ماحدث فى منطقة البلقان وهو أقل فى حجمه بمراحل كبيرة من ذلك الذى تعرضت له منطقة الخليج. فان المخاطر الصحية على الجنود والسكان فى تلك المنطقة. يصبح أشد خطورة وأكثر مدعاة للمخاوف و القلق. ولعل ذلك ما دعا رئيس برنامج الخليج العربى لدعم منظمات الأمم المتحدة الانمائية (اجفند) الى توجيه نداء لوزراء الصحة فى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للبدء فورا فى التحقق من المعلومات التى تتردد عن استخدام اليورانيوم المستنفد ابان حرب الخليج الأخيرة والمضاعفات الصحية الأنية والمستقبلية الناجمة عنه. مطالبا باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذه القضية التى بدأ يثار حولها جدل علمى وسياسى على نطاق واسع. محذرا من انه اذا صح مايتردد فان شعوب المنطقة ستتحمل تبعاته وهى التى ستدفع كلفته الاجتماعية الباهظة جدا. وعلى مدى أجيال, مضيفا: ان الله لن يغفر لنا اذا تهاونا فيما كان يجب ان نضطلع برأى او قرار, مستطردا نعلم ان فتح ملف كهذا سيثير حساسيات ويصطدم بعقبات وقيود. ولكن الأمر يفرض علينا ان نتجاوزكل الحساسيات ونتخطى كل القيود والعقبات. فمسئوليتنا امام الله وأمام شعوبنا والحرص على مستقبل اجيالنا كل ذلك يقضى بان نكون على درجة من الشفافية فى معالجة هذه القضية. مخاوف الأمير طلال بن عبد العزيز هى ذاتها التى يشعر بها المواطنون فى منطقة الخليج التى شهدت أراضيها اطلاق القوات المتحالفة فى حرب تحرير الكويت نحو مليون قذيفة. محشوة باليورانيوم المستنفد. مازال الكثير منها مطمورا فى رمال الصحراء. استنادا الى ماقاله خبير البيولوجياالبريطانى روجر كوجهيل. أو مايعادل 320 طنا من اليورانيوم المستنفد وفقا لما ذكرته صحيفة اللوموند. والخبير البريطانى هذا. هو الذى أكد فى مؤتمر دولى ناقش قضية اليورانيوم ان جزيئا واحدا من اليورانيوم المستنفد يدخل فى العقد الليمفاوية يكفى لتدمير النظام المناعى برمته فى الجسم البشرى. ومع ذلك فان هيئة أركان القوات الامريكية قد قررت استعمال قذائف اليورانيوم المستنفد رغم ادراكها للعواقب الصحية المحتملة والتى كانت قد تم تحذيرها من استخدامها منذ ماقبل اندلاع عملية عاصفة الصحراء. فقد كتب الباحث الامريكى دان فاهى تقريرا أوليا للجيش الأمريكى قبل ستة اشهر من بدء تلك العملية وحذر فيه بوضوح من العواقب المحتملة للتعرض لليورانيوم المستنفد. الباحث الأمريكى وهو من قدامى المحاربين أيضا. نشر تقريره هذا فى شهر مارس عام 2000 بمساعدة المركز الوطنى للمعلوماتية. تحت عنوان من لايبحث لايجد وذكر فيه ان تقريرا اوليا نشره الجيش الأمريكى فى 22 يوليو من عام 1990. أى قبل غزو الكويت باقل من عشرة أيام. وقبل بدء عملية عاصفة الصحراء بستة أشهر. وقارن فى هذا التقرير الجيش الأمريكى بين مستقبل ذخائر اليورانيوم المستنفد الجديد. والذخائر القديمة المحشوة بالتنجستين. فأبرز الميزات الاستراتيجية لهذه الذخائر الجديدة باستثناء عيب واحد. خلال المعارك هو ان هذه الذخائر الجديدة تنطوى على خطر انتشار غبار من جزئيات أكسيد اليورانيوم التى تؤدى عند ترسبها الى تلويث مناطق محدودة. وعند استنشاقها الى حدوث سرطان لدى القوات العسكرية أو المدنيين. ومعه ان هيئة الأركان الأمريكية ادركت خطورة استخدام هذا السلاح الا انها قامت بعد بضعة أشهر باستعماله عندما أطلقت نحو 320 طنا من القذائف الجديدة فى حرب الخليج الثانية. فأدت الى تلويث آلاف الدبابات والعربات العسكرية. بل ان 113 جنديا أمريكيا جرحوا باصابات مباشرة نتيجة النيران الصديقة المتبادلة بين بعض القوات الحليفة. ومنهم من استقرت فى جسمه شظايا اليورانيوم المستنفد. فى حين 220 ألف جندى أمريكى لامسوا الدبابات المعادية المدمرة لالتقاط الصور التذكارية. فخاطروا باستنشاق جزيئات اليورانيوم . ان مايثير الخوف حقا هو التكتم الشديد لوزارة الدفاع الامريكية. ذلك ان البنتاجون أفرط منذ حرب الخليج الثانية فى الهروب الى الامام بعيدا عن المصارحة حتى لاتضطر الى اجراء دراسات علمية دقيقة تفضى الى اعادة النظر فى هذه الذخائر وهى حتى عندما اضطرت بفعل ضغوط الكونجرس الى الاعتراف بوجود مايسمى باعراض حرب الخليج فى عام 2000. فقد قللت من دور اليورانيوم المستنفد وفضلت احتمال التعرض لعناصر كيماوية على تهديد مستقبل الترسانة الجديدة. وقبل ذلك. لم تتخذ وزارة الدفاع الأمريكية اى اجراء استثنائي. ذلك ان قوات الهندسة التى تكفلت بازالة الدبابات المدمرة أو المتضررة لم تحمل أى تجهيزات خاصة بالوقاية. وبعد الحرب لم تتخذ وزارة الدفاع الأمريكية أى تدابير لفحص الجنود الجرحى او العناية بهم. انما انتظرت سنتين بعدما بادرت جمعية المحاربين القدامى الى احصاء المصابين. ان أكثر النتائج التى يمكن ان تتمخض عنها الضجة الحالية التى هى فى النهاية تأتى انعكاسا لحالة هلع تسود الدول الغربية التى شارك جنودها فى القوات المتحالفة فى الخليج والبلقان. وتسود ايضا بين السكان فى المنطقتين اللتين تعرضت أراضيهما لتجارب القنابل والذخائر المشبعة باليورانيوم القاتل. تكمن فى ان هناك تساؤلات حول الوازع الذى يدفع بدول صانعة للسلاح الى استخدامه على نطاق واسع وبكميات كبيرة جدا. دون انتظار لما ستسفر عنه الأبحاث . ولعل هذا السخط الأوروبى الحالى ضد الولايات المتحدة. الذى بدأت الاشارات تخرج عنه. قائلة ان الدول التى تنضوى تحت لواء الناتو. ربما ترفض فى المستقبل ان تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى فى مهمات عسكرية حصد بسببها جنودها ثمارا ملوثة بسبب القذائف الأمريكية. وهو ما قد يزيد من دور قوات الأمم المتحدة فى مجال حفظ السلام والدور الأوروبى. بينما يتوقع ان ينحسر الدور الأمريكى فى مثل هذه المهمات فى مناطق الصراعات المختلفة التى تهم الدول الغربية. بل قد يصل الأمر الى تمرد الجنود الأوروبيين والأمريكيين وعدم تنفيذهم للأوامر العسكرية والعزوف عن التوجه الى مناطق الصراعات حتى ولو كان ذلك بهدف حفظ عملية السلام . ولكن ما يثار حاليا حول استخدام القذائف المشبعة باليورانيوم المستنفد. يجب ان يكون دافعا جيدا لنا. لكشف استخدام اسرائيل لهذه الذخائر بكثرة لافتة ضد الأطفال العرب فى الاراضى العربية المحتلة. حيث تسقط يوميا أعداد منهم جراء هذا السلاح القاتل . ان هذه الفرصة المتاحة يجب استغلالها. فى هذا الوقت الذى تتجه فيه أنظار العالم نحو ادانة هذه البشاعة التى اختارت تجريب الأسلحة الفتاكة فى مناطق كالخليج والبلقان. وبشكل قد يؤدى ولعشرات السنوات المقبلة فى اضرار صحية واجتماعية وانسانية لايدرك أحد مداها حتى الآن .