بيان الاربعاء : الأزمة الساخنة التى فجرتها مجموعة الاستقالات من كبار المثقفين في وزارة الثقافة المصرية احتجاجا على إقالة علي أبو شادى انتقلت من حلبة الثقافة إلى ميدان المواجهة السياسية .. فالأزمة لم تعد أزمة مجموعة إصدارات روائية خارجة عن الآداب العامة على حد تقدير وزير الثقافة .. ولم تعد مجرد استقالات إدارية داخل جهاز رسمى في الدولة .. لكنها تحولت إلى معركة سياسية متكاملة التفاصيل .. فمن ناحية مثلت تلك التطورات انتصارا للتيار الأصولى داخل البرلمان المصرى حيث كان مفجر هذه الأزمة هو نائب الإخوان المسلمين في البرلمان جمال حشمت .. الأمر الذي فسره الكثير من السياسيين على أنه تراجع للدولة أمام هذا التيار وفتح الأبواب أمام ممثليه تحت القبة إلى مزيد من مطاردة الأعمال الإبداعية .. فيما حذرت كوادر سياسية أخرى من أن الإخوان سوف يعتمدون على هذه المعركة في الترويج جماهيريا إلى أنهم حماة الأخلاق وضمير المجتمع مما يساعدهم على المزيد من الانتشار داخل الأوساط الجماهيرية القضية من وجهة نظر الخبراء السياسيين هي في مستقبل المعركة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين المحظورة .. ومن جهة أخرى في مدى نشاط الإخوان المسلمين تحت قبة البرلمان .. إلى جانب التأثيرات السياسية التى أدت إلى تلك الأزمة على مستوى العلاقة بين الدولة والأحزاب السياسية الأخرى . رأس الوزير من وجهة نظر الدكتور السيد عليوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان فإن الأزمة بدأت سياسية واستمرت سياسية ولا يوجد أى خيط فيها له علاقة بالثقافة على الإطلاق وإن كانت تجرى في وزارة الثقافة .. فصاحب السؤال حول الروايات الثلاث لا علاقة له بالإبداع وربما لم يقرأ الروايات وعرضت عليه بعض المقتطفات الصغيرة التي أراد أن يضعها في سؤاله .. وهو لم يكن يقصد الهجوم على الإبداع ولكن كان يريد (رأس وزير الثقافة) من الناحية السياسية .. وقد استشعرت جماعة الأخوان المسلمين أن نقل معاركها إلى وزارة الثقافة ربما يخدمها بطريقتين. الأولى .. أنه لا يضعها وجها لوجه مع كبار رجال الدولة أو مع مؤسسة الرئاسة أو الأجهزة السيادية وبالتالى فإن المعارك مع وزير الثقافة أسهل بالتأكيد من معركة مع وزير الداخلية ..وثانيا فإن المعارك من هذا النوع تصب مباشرة لصالح التوجهات التى تتبناها الجماعة وفق مفهوم الحسبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تحت قبة البرلمان إلى جانب أن موضوع الروايات يتناول جانبا أخلاقيا وهو الجانب الذى تتعاطف معه الجماهير في مصر وترفض الإنجراف في تيار لا أخلاقى على الإطلاق .. وقد عالج وزير الثقافة الأزمة نفسها من الناحية السياسية وليس من الناحية الثقافية .. فهو تصرف كما لو أنه يعلم للمرة الأولى بموضوع الروايات حتى يبرأ من أى إتهام .. وتعامل بحسم مع الأزمة ولكن على خلاف الطريقة التي تعاملت بها الدولة مع أزمة وليمة (لاعشاب البحر) .. ولم يشأ الوزير أن يفجر الأزمة أو يوسعها على شاكلة الأزمة السابقة خاصة أنه يعلم جيدا أن البلاد تستعد لتغيير وزارى متوقع .. وهو في هذه الحالة قد يكون قربانا على مذبحة الجماهير الغاضبة . قرار صائب لكن كيف يرى رموز التيار الأصولى في مصر وقائع تلك الأزمة؟ .. المهندس ابو العلا ماضى وكيل المؤسسين ــ حزب الوسط ـ تحت التأسيس يهلل لقرار وزير الثقافة ويصفه بالشجاعة والقوة قائلا .. إن قرار فاروق حسنى قرار حاسم وتاريخى رغم عدم اقتناعى بدور وزير الثقافة الهامشى والسلبي في الحياة الثقافية, الا ان الضغوط التي كان من الممكن ان تمارسها الارادة الشعبية كانت هى الكفيلة بتحريك المياة الراكدة والتى اهتزت بل وكادت ان تعصف بالجميع اثناء ازمة رواية اعشاب البحر .. والفضل لا يعود فقط لوزير الثقافة بعينه وانما القرار كان قرار دولة والوزير لم يكن سوى اداة للتنفيذ . المهم من وجهة نظر ابو العلا ماضى ليس في دور جماعة االاخوان في تحريك طلب الاحاطة ..أو حتى ان الدولة عملت لجماعة الاخوان أي حساب فموقف الدولة صريح من هذه الجماعة ومازالت تعتبرها محظورة سياسيا على المستوى الرسمى, ولكن ما يهمنا جميعا ان الدولة ادركت ان من واجبها ان تكون الرقيب العادل في ظل مجتمع اسلامي يسعى للرقى بنفوس البشر ويدفعهم للفضيلة , وحتى لا تسمح لبعض مدعي الثقافة الرخيصة ان يدمروا ابداعنا ويتخذوا من قصور الثقافة بابا للتحايل على عقول المجتمع المصرى. وحسبما يرى ابوالعلا ماضى انه لا يهتم كثيرا ان الوزير يحاول ان يكسب جولته السياسية القادمة ويزيد من رصيده في الوقت الذى تكررت فيه الشائعات انه من المرشحين لترك الوزارة قريبا الاهم هو رد فعل الدولة السياسي تجاه هذه التجاوزات الأخلاقية حتى لا تتكرر .. وهنيئا لوزير الثقافة لانه كان منفذا بارعا لسياسة تستحق التصفيق والاشادة من الجميع, وهذا لا يشين الدولة فالاعتراف بالحق فضيله لا يمكن التقليل من شأنها, اما الناقمون على اجراء وزير الثقافة او رئيس الوزراء اقول لهم ..ما فعلته الدولة هو المشرط الذى يستخدمه الطبيب لعلاج مرضاه اثناء العمليات الجراحية التى لا مفر من اجرائها. اطار للحرية الدكتور رفعت السعيد ــ الامين العام لحزب التجمع المصري ــ مع قرار الوزير سواء كان المطالب به من جماعة الاخوان ام من اى تيار اخر طالما كان المنطق هو الدافع وراء اتخاذ هذا القرار فنحن مع حرية الابداع ولكن هذه الحرية لابد ان يكون لها اطار من الاخلاق العامة والاداب وايضا القيم الدينية والروحية وهذا لا يعنى بأى حال من الاحوال اننى مع محاولة المتطرفين للنيل من حرية الابداع ومحاولة صبغ المجتمع بصبغة لا تتماشى مع روح العصر ولا مع روح الدين وانما هى مجرد صبغة سياسية يحاولون من خلالها فرض ارادتهم على المجتمع. وكما جاء في تفسيرات الدكتور رفعت السعيد حول ازمة وزير الثقافة مع المثقفين انها تحتمل احد امرين لا ثالث لهما ..الاول هو اننا امام جماعة سياسية توحي للمجتمع وتحاول ان توهم البسطاء انها حامية الاسلام وانها المفوضة بذلك لانها الاصلح من وجهة نظرها والاقدر طبقا لما تستخدمه من مكونات هتافية تجد الصدى لدى المواطن العادى ..ولكننا لا يمكن كمجتمع فيه من القادرين على التفريق بين الصواب والخطأ ان نخضع لهذه الاطروحات التى تحاول ان تدسها هذه الجماعات السياسية في عقولنا غصبا . الامر الثانى اننا امام انصاف مبدعين الذين يسعون الى الشهرة من خلال الخروج عن المألوف سواء كان هذا المألوف امرا ايجابيا او سلبيا وغالبا ما يكون خروج اولئك سلبيا وهذا ما حدث بالفعل في هذه الروايات الثلاث ونحن لا ننحاز لاي من الطرفين .. ان ما يهمنا حقا مدى رجاحة القرار الذي اتخذته الدولة من ناحية وما استكمل بنوده وزير الثقافة من ناحية اخرى .. والواقع يؤكد انه قد وقع خطأ بالفعل وينبغى ان يعاقب المسئول عن هذا الخطأ وما فعله وزير الثقافة تصرف ذو بعدين اولهما خاص بدفاعه عن قيم المجتمع والذى من المفترض ان يقوم به وزير مثله وثانيهما انه يقوم بتنفيذ سياسة الدولة التى دفعها الفزع لاتخاذ قرار حاسم وسريع. الا ان الموقف الاكثر خطورة من وجهة نظر الدكتور رفعت السعيد هو الحلقة المفرغة التى تدور فيها الدولة من جراء هذة الحالة التي انتابتها بمجرد قيام احد رموز الاخوان المسلمين بتقديم طلب الاحاطة بعدها لم يكن للحكومة خيار تبعا للقائمين عليها خوفا من تكرار المظاهرات التى خرجت من الازهر وقتما حدثت ضجة رواية (اعشاب البحر). هذا الرعب الذي ولدته هذه الجماعات وفرضته فرضا على سياسة دولة بأكملها وهذا مع الاسف الشديد . تنقية الجو الادبي الدكتور رفعت سيد أحمد ــ مدير مركز يافا للدراسات السياسية ــ يفخر بموقف الوزير و قرار سحب هذه الروايات من السوق والتراجع عن موقف هيئة قصور الثقافة ويصف هذا القرار بأنه يساعد على تنقية الادب والثقافة من اسوأ انواع الادب الذي ليس له علاقة بالادب الحقيقى ولا المثقفين الحقيقيين بل مجرد قشور زائفة لأدب اباحى كما اطلق عليه وزير الثقافة ( أدب بورنو) ..وينبغى ان نفرق بين امرين بين حق المثقف الحقيقى في حرية الابداع والرأى ولا يوجد من يقف في مواجهة هذا الحق الامر الثانى ان القضية ليست بين اسلاميين ومثقفين كما يحاول ان يشيع البعض, ولكن الامر برمته ان هناك حالة تلبس تم اكتشافها عن طريق احد نواب الشعب ..تم انتخابه بارادة الشعب ولم يثور ويدافع لانه ممثلا للشعب وليس لكونه احد رموز الاخوان فاذا كان المثقف يحترم ارادة الشعب فهذا النائب جاء من الشعب ومن ثم عليه ان يحترم نائب الشعب وما يقدمه من اقتراحات ..وكل ما فعله هذا النائب انه قام باثارة القضية على المستوى السياسى والثقافى والامر ليس له اى علاقة بالاسلاميين فحسب فالمثقفون هم مسلمون والاسلاميون هم بالضرورة مثقفين .. ويدعو الدكتور رفعت سيد احمد جميع المعارضين للقرار ان يعيدوا قراءة الروايات الثلاث حتى يدركوا حجم الكارثة التي يعاني منها المجتمع المصرى وتدنى مستوى الابداع والذي تشوهه اعمال اولئك الانصاف ..واذا كان القرار ذو صبغة سياسية فلأن الظرف تطلب من الدولة التدخل لحسم اى مهاترات قد يجلبها هذا النوع من الأدب الذى يستفز الجماهير ولا يعني بأى حال من الاحوال دورا مستقبليا للاخوان فعلاقة الاخوان بالنظام السياسي لها ابعادها السياسية المتشعبة وليس من السهل تجاوزها. اذن فالضرورة وحدها هى الدافع الوحيد وراء اتخاذ هذا القرار الاستراتيجى وليس خوفا من جماعة الاخوان المسلمين ..او حتى تقديرا لدورها في المجتمع فلو كان صاحب طلب الاحاطة ناصريا او حتى من حزب التجمع او الوفد لكانت الدولة اهتمت لهذا الطلب وكانت اثيرت نفس الضجة حول قرار وزير الثقافة دلالات كثيرة الكاتب الصحفى حسين عبد الرازق ـ رئيس تحرير مجلة (اليسار) ــ ينظر الى قرار الوزير من منظور مختلف بعض الشئ عن سابقيه ويعتبر ان هذا القرار له دلالات كثيرة ..الدلالة الاولى هى الضعف الشديد للحكومة في اتخاذ القرار بإقالة علي ابو شادي والذي يدل على ان الضجة التى اثيرت اثناء ازمة رواية (وليمة لاعشاب البحر) هزت اركان الحكم وجعلته بالغ الحساسية لاى عمل ادبى او فنى يمكن ان يكون له رد فعل عنيف ..وهذا يفسر القرار المتسرع غير المحسوب سواء على المستوى السياسى او الثقافى ..والشرارة فجرها احد نواب البرلمان المنتمين لتيار الاخوان والتقطها رئيس الوزراء الذى تحرك سريعا هو ووزير الثقافة وارادا ان يكون لهما الاسبقية في حسم اى مطالبات قد يدعواليها النائب ومن ورائه بقية النواب . الدلالة الثانية ان موقف الدولة من حرية الابداع هو موقف غير اصيل او جاد ..وقد استغلت الفرصة حتى تفرض على المثقفين والجماهير عدم العودة للمحرمات الثلاث الدين والجنس والسياسة, والدلالة الثالثة : ان التيار المحافظ المعادى لحرية الثقافة والفكر في المجتمع والذى يحمل على كاهله شعار المحافظة على الدين والقيم تيار ــ مع الاسف ــ ما زال قويا وقادرا على كسب جولة وراء أخرى ..كل هذا سيدفع هذا التيار الى خوض المزيد من المعارك التى من شأنها قمع حرية الابداع والفكر! ..واذا كان التيار المحافظ لم يكسب جولته اثناء ازمة الوليمة فانه بالتأكيد استطاع ان يأخذ بالثأر ويحقق انتصارا لا يستهان به خاصة وان الدولة استحلت وأد حرية الابداع والمقابل لاشيء يذكر ..ولا يمكن وصف هذا القرار الا انه قرار عصبى وغير صائب. الا ان الموقف لا يقاس فقط من ناحية مدى الحرية المسموح بها ولكن لا نستطيع اغفال الدور القوى والمؤثر للتيار الاسلامى في المجتمع, وحالة الرعب التى ترى بها الدولة هذا التيار والتحفز الكامن في تصرفات المسئولين بالدولة ..وهذا يفسر ايضا الموقف المستغرب لوزير الثقافة الذى يعتبره المبدعون حامى حمى الابداع, وتبقى الشكوك تدور في فلك ان القضية تمت معالجتها سياسيا مما ادى الى كل هذه الضجة التى لم تكن تتوقع في مثل هذه المواقف ويختتم حسين عبدالرازق بقوله: اذا كان وزير الثقافة يخشى على هيبته السياسية ووضعه الوظيفى فمن حق المبدعين ان يقاتلوا من اجل حقهم في الابداع والفكر.