بيان الاربعاء : في اعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل ظهرت في مصر حركات ضمت نخبة من المثقفين تدعو الى مقاومة التطبيع مع اسرائيل .. وفي فترة التسعينيات من القرن الماضي تعددت الحركات واللجان التي تدعو الى مقاطعة اسرائيل ومواجهة الصهيونية ودعم حركة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وامتدت هذه اللجان لتشمل هيئات التدريس بالجامعات المصرية وحركات شعبية يقودها (الجيل الوسيط) في الحياة السياسية خاصة من الذين لا ينتمون الى أية احزاب سياسية في مصر. وفي غمار الحماس الشعبي الذي تفجر في اعقاب انتفاضة الاقصى الباسلة تكونت مجموعات عديدة تدعو الى دعم الانتفاضة من خلال مقاطعة السلع والشركات الصهيونية والامريكية والبريطانية فضلا عن الشركات المصرية التي لديها تعاملات مباشرة ومفضوحة مع العدو الاسرائيلي, ظهرت في الايام الاولى من الانتفاضة العديد من القوائم التي تحدد سلعا متنوعة يجب مقاطعتها, ومن ثم ظهر التخوف من تشتت حركة المقاطعة او ان تعاني الحركة من بعض التجاوزات في تحديد السلع المدعو لمقاطعتها, ومن هنا بدأت هذه المجموعات في تشكيل وعاء واحد يضمها وهو ما تم بالفعل يوم 29 فبراير الماضي بالاعلان عن تأسيس (اللجنة المصرية العامة لمقاطعة السلع والشركات الصهيونية والامريكية). واكدت اللجنة في بيانها الاول على ضرورة تنظيم المقاطعة وضمان فعاليتها وعدالتها من خلال انتقاء بعض السلع والشركات الامريكية والبريطانية التي لها ارتباطات فعلية وقوية مع الكيان الصهيوني والتي لن تضر مقاطعتها الاقتصاد المصري بشكل مباشر. واعلنت اللجنة المصرية عن القائمة الاولى للمقاطعة وهي القائمة التي ضمت جميع السلع والشركات الاسرائيلية والجهات المصرية المتعاملة مع اسرائيل ومنها شركة (اليكس جروب) وهي وكيل شركة (زيم) الاسرائيلية للملاحة البحرية منذ عام 1981 وتسع شركات مصرية اخرى على رأسها مجموعة شركات بهجت لاستيرادها من اسرائيل مكونات اجهزة التكييف التي تصنعها تحت مسمى (يورواير) ومكونات الكترونية لمنتجاتها مصنعة في اسرائيل . وقد اضافت هذه القائمة رموز السلع والشركات الامريكية والبريطانية المدعو لمقاطعتها وهي كالآتي: سجائر مارلبورو وميريت, مشروبات كوكاكولا, بنطلونات الجينز ماركة (ليفايز), ملابس ماركة (نايك), مطاعم ماكدونالد, متاجر سينسيبري, مسحوق غسيل ايريال, واعلنت القائمة في اغلب الصحف المعارضة والمستقلة كما اشار اليها الاعلامي اللامع حمدي قنديل في برنامجه التلفزيوني (رئيس التحرير) الذي يحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة. ووضعت بعض الشركات البريطانية ضمن القائمة لان بريطانيا تأخذ موقفا مماثلا للموقف الامريكي نحو الشعب العربي .. كما دعت اللجنة الحكومات العربية الى العودة الى سلاح مقاطعة المصالح الاسرائيلية والمصالح الغربية الداعمة لها وهو السلاح الذي اضر فعلا باسرائيل في السابق حتى كان الغاء العمل به من احد اهم مطالب اسرائيل في (عملية السلام). وكانت متاجر (سينسيبري) البريطانية التي دخلت السوق المصري قبل عامين هي الاكثر تعرضا لحملة المقاطعة الشعبية ويأتي بعدها مطاعم مكدونالدز وسجائر مارلبورو ومسحوق غسيل ايريال ومشروبات الكوكاكولا ولكن ظلت (سينسيبرى هي الاكثر اثارة للجدل بسبب اعتمادها على اسلوب البيع بأقل من الاسعار السائدة في السوق المصري مضحية بخسائر مؤقتة في سبيل محاربة تجار التجزئة المصريين الامر الذي كان يجذب المشتري الى فروعها المنتشرة في البلاد خاصة وان الاحوال الاقتصادية للافراد في مصر هي في حدها الادنى من القدرة الشرائية. آيات قرآنية ورحلات عمرة غير ان القطاع الاعرض من الجماهير المصرية ــ والملفت ان الاطفال ايضا شاركوا في ذلك ــ قبلوا التضحية بفارق الاسعار في مقابل اظهار الغضب الشعبي على هذه الشركة, ومن الواضح ان هذه الحركة كان لها اثرها الفعال في الشركات التي تعرضت لها الحملة بادرت خاصة في شهر رمضان الماضي الى الدفاع عن نفسها من خلال حملات اعلانية واعلامية مكثفة استخدمت فيها آيات قرآنية وتنظيم (موائد الرحمن) وغيرها من الاساليب التي ركزت على الجانب الديني, والتأكيد على عدم ارتباطها باسرائيل باي شكل من الاشكال .. كما ركزت دفاعات هذه الشركات من خلال موسوعات اعلانية مكتوبه في بعض الصحف القومية على تأثر العمالة المصرية من هذه المقاطعة وتأثر الاستثمارات الاجنبية بهروبها من مصر او عدم اقترابها من البلد لاحقا .. حتى ان (سينسيبري) قررت الانسحاب من السوق المصري بعد ان تكبدت خسائر هائله لم تكن في حسبانها وان كانت قد ارجعت ذلك الى تدني قدرة السوق المصري الشرائية وليس دعوى المقاطعة ضدها. تراجع المفتي بيد ان الموقف الرسمي المصري كان له رأى فقد انبرت بعض الاجهزة الحكومية والاعلامية الرسمية للدفاع عن هذه الشركات تحت شعار (لاتقاطعوا مصر) بدعوى ان المقاطعة سببت الضرر للمصريين العاملين بهذه الشركات كما ستؤدي الى هروب الاستثمارات من مصر, حتى ان الرئيس مبارك وصف في احد اجتماعات الحزب الوطني الدعوة للمقاطعة بانها نوع من (العنترية). بل ان فضيلة المفتي الدكتور نصر فريد واصل تراجع عن ذلك في تصريحات كان قالها قبل حديث الرئيس مبارك ونشرت في صحيفة (العرب) المعارضة يؤكد فيها ان كل منتج اسرائيلي وامريكي مستورد حرام. وان اقل انواع الجهاد في سبيل تحرير القدس هو مقاطعة هذه المنتجات وتشجيع التصنيع المحلي . وان امريكا واسرائيل وحدة واحدة ومقاطعة منتجاتها واجبة على الجميع. هذه التصريحات التي ذكرها فضيلة المفتي ونشرت في صحيفة حزبية معارضة ـ العرب ــ عاد وقال في صحيفة (الاهرام) بعد ذلك ان المقاطعة وان كانت عملا مشروعا حتى تعيد اسرائيل النظر في سياساتها العدوانية الا انها لا يجب ان تمتد الى منتجات المصانع والشركات داخل الدول العربية والاسلامية حتى وان كانت تحمل اسماء تجارية امريكية او عالمية, وذلك لان هذه الشركات تعود منافعها ومصالحها المباشرة على الوطن والعاملين فيها. وتتضارب التقديرات حول التأثير الفعلي لحركة المقاطعة في مصر فقد اكدت بعض المصادر ان شركة سينسيبري خسرت قرابة 11 مليون جنيه مصري خلال ثلاثة شهور زيادة عن الخسائر المتوقعة, بينما اوضح احد مديري مبيعات مطاعم ماكدونالدز انخفاض عدد رواد المطاعم بنسبة 50% كما تردد ان خسائر شركة كوكاكولا بلغت 18% من التوزيع منذ اكتوبر وحتى نهاية ديسمبر ويقدر البعض خسائر شركة ايريال بنحو 20% من جملة مبيعاتها خلال نفس الفترة. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الارقام فهي تؤكد تأثر تلك الشركات بدعوة المقاطعة كما يقول احمد بهاء الدين شعبان وهو احد قيادات اللجنة المصرية العامة للمقاطعة, ان سلاح المقاطعة اثبت تأثيره الفعال ضد الشركات التي يجري مقاطعتها وليس أدل على ذلك من ردود الافعال التي نشاهدها من اعلانات الشركات التي تعرضت لمقاطعة محدودة تحاول فيها ان تخفي دعمها لاسرائيل وتعدد مساهماتها المبالغ فيها للاقتصاد وتتخفى في رداء ديني او انساني واضح الزيف. حجج واهية ويرى شعبان ان كان من المتوقع ان يرد لوبي المصالح الاسرائيلية والامريكية في مصر على حملة المقاطعة هذه وبالتالي فقد تم تجنيد عدد من الاقلام والاصوات وعبر آلية الاعلان الصحفي والتلفزيوني ضد حملة المقاطعة الشعبية وارتكز هؤلاء في دفاعاتهم على حجج واهية لايصعب الرد عليها فحجة محدودية تأثير المقاطعة على الاقتصاد الاسرائيلي تغفل الجانب الرمزي المعنوي في هذا الاجراء وهو قيمة الا تتعامل مع عدو يقتلك .. اما حجة ان حركة المقاطعة ستهز الاقتصاد المصري فهي حجة هزلية ... فاين هو الاقتصاد الذي سيهتز لمجرد مقاطعة بعض المطاعم وشركات المياه الغازية ومسحوق الغسيل؟ ثم ان هذه المقاطعة شعبية الطابع اي ان الحكومات العربية لا تتحمل اعباءها حتى نعفيها من مواجهة لا تقدر عليها مع الراعي الامريكي. وتسأل (البيان) الدكتور نادر فرجاني عضو امانة اللجنة المصرية العامة للمقاطعة عن شكوى الشركات من المقاطعة وفي نفس الوقت الحديث عن عدم جدواها فيرد قائلا: من الواضح ان العبارتين لا تستقيمان سويا, واعتقد ان التهويل في الاولى والتهوين في الثانية ينمان عن غرض وسرد قصد. ويضيف من المعروف للخاصة والعامة ان تدفق الاموال الاجنبية لمصر ومجمل البلدان العربية ومن ثم تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي ضئيل وهامشي جدا كما ان تعداد العاملين بالمؤسسات الاجنبية في مصر لا يتعدى 24 الف فرد اي اقل من واحد من كل الف من قوة العمل المصرية. كما اننا لم ندع الى مقاطعة شاملة للمؤسسات الامريكية او متعددة الجنسيات وانما انتقينا بعض رموز هذه المؤسسات التي لها تعامل واضح ومباشر مع اسرائيل .. والعالم ليس وقفا على اسرائيل وامريكيا فقط بل ان الانفتاح الحقيقي يقتضي اقامة علاقات قوية مع دول مثل الصين واليابان وفرنسا ودول اوروبية اخرى ونحن لا نرى ان رأس المال المصري سيضار, بل على العكس سيستفيد , فحركة المقاطعة تنطوي على تقليل المنافسة الاجنبية امام السلع المحلية ويشجع رجال الاعمال الوطنيين الى تحويل تجارتهم الى المنتجات الوطنية. يصبح للمقاطعة جانب ايجابي من جهة تنمية البنية الانتاجية الوطنية وتشغيل العمالة المصرية في مؤسسات مصرية تنتفي عنها شبهة مساعدة الكيان الصهيوني. ويضيف د. نادر فرجاني ان اي اثر سلبي للمقاطعة مثل تعطل بعض المعاملة المصرية في الشركات والمؤسسات الامريكية المقاطعة سيكون محدودا ومع ذلك ينبغي على الحكومة والقوى الوطنية في البلدان ان تتخذ الاجراءات الوقائية التي تحمي هؤلاء مثل اقامة نظام للتأمين ضد البطالة سواء كانت هذه النظم حكومية او خاصة وتنشيط سوق العمل وزيادة خلق فرص عمل من خلال الاستثمار وهذه الامور مطلوبة في حد ذاتها لمعالجة مشكلة البطالة المتفاقمة في مصر اما من يريدون ان يأكلوا اللقمة مغمسة بدماء اطفال فلسطين او شهداء مصر فحري بهم ان يبحثوا عن سبيل آخر, وليس فقدان المعونة الامريكية بمثل الكارثة التي يصورها البعض, فمن المعروف ان هذه المعونة تقريبا تعود مرة اخرى الى الاقتصاد الامريكي وقد آن الاوان لان تبنى الحسابات الاقتصادية في مصر على اساس من الاعتماد على النفس وعلينا ان نتذكر ان بعضا من اهم انجازات التنمية في مصر قد تمت في ظل مقاطعة اسرائيل وداعميها. سلاح فعال ويؤكد الدكتور اشرف بيومي عضو امانة اللجنة المصرية العامة للمقاطعة ان سلاح المقاطعة له تأثير سلبي اقتصادي على الشركات المدعو لمقاطعتها بدليل رد الفعل السريع الذي نشاهده في اعلانات (سينسيبري) في الصحف ودفاع الشركة بأن اموالها ليست يهودية بل واعلانها عن الانسحاب من السوق المصرية مؤخرا؟ ويضيف ان اهمية سلاح المقاطعة تبرز ايضا في امكانية حشد الجماهير والتفافها حول فكرة وطنية وربما كان ذلك يسبق أهمية مجرد احداث اثر اقتصادي. ويؤكد ان المقاطعة هي سلاح فعال وكنا قد جربنا كاساتذة جامعيين ضد كل من يتعامل مع اسرائيل , وبالفعل, قاطعنا بنجاح مؤتمر تكنولوجيا المعلومات الذي كان قد نظمه الدكتور بهاء الحديدي, ومؤتمر الكيمياء الضوئية الذي نظمه د. أحمد زويل وكلا المؤتمرين شارك فيهما اسرائيليون. حتى الاطفال وقد انتشرت الدعوة لمقاطعة منتجات الدول المساندة لاسرائيل حتى بين الاطفال وتلاميذ المدارس فيقول بسام عبدالحميد طالب ثانوي: ( كنت لا استطيع الاستغناء عن المشروبات الغازية الامريكية وساندويتش كنتاكي ولكن بعد الانتفاضة لم اعد استسيغ طعم هذه الاشياء فهي ممزوجة بدم الشهداء, وكنت اقف مع بعض زملائي عند مقصف المدرسة ندعو التلاميذ لعدم شراء هذه المنتجات التي تذهب ارباحها لشراء سلاح يوجه الى اخواننا في فلسطين, حتى اضطر ناظر المدرسة الى ان يطلب من القائمين على المقصف عدم بيع هذه السلع والاعتماد على المشروبات والعصائر المصرية). وتقول تهاني خليل ربة بيت: استغنيت عن جميع المنتجات الامريكية ولم يتأثر البيت بذلك لكنني احسست انني اقدم اقل تعبير ممكن عن الغضب ازاء ما يقوم به الامريكيون من مساندة للاعتداءات الصهيونية بل انني دعوت حفيدتي نهال سبع سنوات وشقيقها حسام خمس سنوات الى الاستغناء عن الحلوى والمشروبات الامريكية واستخدام منتجات غيرها فاقتنعا خاصة مع ما يشاهدانه في التلفزيون من اعتداءات اسرائيلية على اطفال مثلهما, وتضيف الجدة ووجهها يشرق طيبة وتحديا هذا بالاضافة الى دعواتي الدائمة في صلاتي ان ينصر الله الفلسطينيين ويدحر اعداءهم واعداءنا. وتؤكد نجلا عبدالعزيز وهي ام لطفلين ان حتى اطفال المدارس صاروا يشعرون بالاعتزاز لانهم يقومون بعمل وطني مثل الكبار بمقاطعتهم لهذه السلع, وهي لا ترى غرابة في ذلك, فاطفال المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية في مصر كانوا يخرجون في المظاهرات المؤيدة للانتفاضة الى جانب طلاب الجامعات. ويشير هيثم بهاء الطالب بكلية الحقوق جامعة القاهرة الى ان بعض محال البقالة بدأ اصحابها يمتنعون عن التعامل في السجائر والمياه الغازية الامريكية بعدما عزف عنها الزبائن. وتضيف جيهان مصطفى مرشدة سياحية ان بعض محلات البقالة بدأت تمتنع عن بيع السجائر والمشروبات الامريكية ويعلق اصحابها ملصقات تدعو للمقاطعة على واجهة المحلات. كتبت: إكرام يوسف