ان اعمق الاسئلة على الاطلاق التي يمكن ان يواجهها العلم هي تلك التي تخص اصول الاشياء اما اصعبها فهو كيف بدأت الحياة؟ من اين أتت الذرات؟ كيف بدأ الكون بحد ذاته؟ ان احراز اي تقدم في محاولات الاجابة على مثل هذه الاسئلة يتطلب نظرة متبصرة في نطاق واسع من المجالات تمتد بين الكيمياء والرياضيات والفيزياء الذرية الى علم الكونيات وغيرها. انها مهمة صعبة جدا لاشك وفرض النجاح فيها ضئيلة للغاية لدرجة ان العديد من العلماء يؤمنون بأنه من الحماقة قبول هذا التحدي اصلا. لكن على مدى اكثر من نصف قرن ظل عالم واحد يرفض التركيز على الانتصارات السهلة وكرس حياته للتصدي لذلك التحدي الكبير, انه فريد هويل الذي استطاع اكثر من اي عالم معاصر آخر ان يثبت ان الاصالة العلمية والمقدرة الفكرية المحضة يمكنهما ان تنجحا في مواجهة مثل هذه الاسئلة المعقدة, وكانت مكافأة هويل على هذا الايمان الراسخ هو اكتشافه الاصل الكوني للعناصر الكيميائية. كما ان عبقرية هويل اخذته الى ابعد من ذلك بكثير فلقد كرس عقودا من حياته لحل لغز نشأة الكون, وخرج بنظرية (حالة الثبات) الثورية التي تقول بأن الكون كان دائما موجودا. كما سبر اصول الحياة على الارض قائلا انها تكمن في اعماق الفضاء الخارجي. لكن كلام هويل الجاف ورفضه الالتزام الصارم بالخط العلمي السائد بين معاصريه جعلا منه شخصية مثيرة للجدل, حتى ان اصراره على الجهر بعدائه للمؤسسة العلمية ربما يكون قد حرمه من نيل جائزة نوبل. ومنذ نعومة اظفاره كان هويل ميالا للتفكير والتأمل ومصدرا للمتاعب وقد ولد هذا العالم عام 1915 في بلدة بنجلي بمقاطعة يوركشاير البريطانية لأب يعمل في التدريس ثم في تصدير الملابس. وقد بدت عليه مظاهر التفكير المستقل منذ سن مبكرة حيث علم نفسه جدول الضرب في سن الرابعة. ولم يمض وقت طويل حتى اعلن الحرب ضد المؤسسة التعليمية حين قرر ان الجلوس في غرفة الصف بالمدرسة وتنفيذ اوامر المعلمين امر لا يطاق. وهكذا وفي سن السادسة وجد هويل طريقة لاقناع والديه انه في المدرسة في حين ظن معلموه انه كان مريضا, وذهب الى سينما محلية وهناك علم نفسه القراءة من مراقبة التعليقات السينمائية الخطية التي تظهر على الشاشة بين مشاهد الفيلم الصامت او تبدو كترجمة للحوار في اسفل الشاشة اثناء العرض. وخلال السنوات القليلة التالية تعلم ما يكفي لحصوله على منحة دراسية للالتحاق بمدرسة ثانوية محلية حيث تفوق في العلوم وفي سن الثامنة عشرة دخل كلية ايمانويل بكامبردج ودرس الرياضيات التي كان يفترض انه ضعيف نسبيا فيها. ورغم هذا (الضعف) تخرج بامتياز وكان من الاوائل على دفعته, وفي اواخر الثلاثينيات بدأ بأبحاثه التي سرعان ما رسخت مكانته العلمية الرفيعة عالميا. في ذلك الوقت كان هناك قدر كبير من الاثارة في الاوساط العلمية حول اكتشاف مصدر طاقة النجوم, وركز اكتشاف ما عرف بالاندماج النووي على كميات الطاقة الهائلة التي تمرر عندما تندمج نوى ذرات الهيدروجين تحت تأثير الحرارة الشديدة جدا داخل النجوم. وبالتعاون مع باحث شاب آخر من جامعة كامبردج هو رايموند ليتلتون استخدم هويل هذا الاكتشاف ليثبت انه يمكن قياس درجة سطوع النجم بسهولة اذا ما عرفنا كتلته وكانت تلك نتيجة بارعة فتحت الطريق امام اكتشافات كبيرة تالية. وفي عام 1944 حدث لقاءان بالصدفة وضعا هويل الذي كان حينها في التاسعة والعشرين من عمره على بداية الطريق الى اعظم اعماله فخلال رحلته الى كاليفورنيا تعرف مصادفة على عالم فلك الماني يدعى فالتر باد الذي اخبره في حديث عابر عن انفجارات نجمية هائلة تدعى (المستعرات العظمى). وبعد بضعة ايام التقى هويل بمحض الصدفة ايضا ببعض اصدقاء كامبردج القدامى في كندا وبتجميع الاشياء مع بعضها وتحليل بعض المعلومات المتناثرة هنا وهناك استنبط هويل انهم كانوا يعملون على اختراع سلاح نووي يحرر طاقة هائلة بتحطيم ذرات المواد المشعة نوويا, وباستعادة الحديث الذي دار بينه وبين الفلكي الالماني تساءل هويل ما اذا كان انفجار ضمني مشابه يمكنه تفسير الطاقة الجبارة التي يحررها المستعر الاعظم. وفور عودته الى كامبردج دون هويل على عجلة بعض الافكار التي ربما تفسر كيفية حدوث الانفجارات النجمية. وفيما هو يعالج هذه المسألة اكتشف ان درجة الحرارة في داخل المستعر الاعظم قد تصل الى مليارات الدرجات المئوية.. لقد كان اكتشافا حاسما لانه اظهر لاول مرة ان النجوم قد تكون الافران التي نشأت فيها العناصر الكيميائية. ان كل عنصر كيميائي من الارجون الى التوتياء هو في جوهره مكون من وحدات البناء نفسها ألا وهي نواة من البروتونات والنيوترونات تدور حولها الالكترونات والاختلافات بين العناصر تكمن في نسبة اعداد هذه المكونات الذرية ابتداء من الهيدروجين الذي تضم ذراته الكترونا واحدا وبروتونا واحدا, وصولا الى ذرة اليورانيوم التي تضم 92 مكونا بين الكترونات وبروتونات ونيوترونات, اذ نظريا على الاقل من المفترض ان يكون من الممكن ايجاد اي عنصر كيميائي بدمج عنصر ابسط منه من حيث المكونات. انها فكرة بارعة ولا يفسرها الا حقيقة ان نرى الذرات جميعها تحمل شحنات كهربائية موجبة ومعروف ان الشحنات المتماثلة تتنافر وللتغلب على هذا سيكون على النوى ان تندمج مع بعضها تحت درجات حرارة هائلة جدا حينها وجد هويل فرنا نجميا تتوفر فيه مثل هذه الحرارة الهائلة. لكن في الوقت الذي توصل فيه هويل الى هذا الاكتشاف, اقترح عالم فيزياء روسي يعيش في الولايات المتحدة وجود فرن محتمل آخر وتلخصت نظرية جورج جاموا بأن الانفجار الذي ولد منه الكون يمتلك كل المقومات الضرورية لبناء جميع العناصر الكيميائية. وسرعان ما واجهت فكرة جامو الرائعة المشاكل, فعلماء الفيزياء اشاروا الى ان هناك فجوات غير ملائمة في تلك العناصر الكيميائية حسب الوزن الذري وهو ما يعرف باسم (فجوات الكتلة) التي لن تجسر قبل ان يتبرد الكون واثبت هويل ان نظرية (طهي العناصر داخل النجوم تحل هذه المشكلة لان النجوم بقيت حارة لمليارات السنين مما يسمح بحدوث تفاعلات نووية من نوع خاص. وبحلول عام 1954 اثبت هويل ان العناصر الكيميائية الاخف وزنا مثل الهيليوم والكربون, يمكن ان تصنع داخل النجوم الحمراء العملاقة التي تصل الحرارة فيها الى 100 مليون درجة مئوية. وهذا يعني ان العناصر الاثقل تتطلب درجات حرارة اعلى وتأثيرات اخرى متنوعة بما في ذلك انفجارات المستعمرات العظمى.. وتابع هويل ابحاثه بالتعاون مع خبير التفاعلات النووية الامريكية وليام فاولر والزوجين البريطانيين جيفري ومارجريت بوربدج, واكتشف سبعة تفاعلات مختلفة مكونة للعناصر في النجوم. وباستخدام هذه الاكتشافات استطاع الفريق ليس فقط تفسير وجود العناصر الكيميائية بل تفسير غزارة وجود كل منها في الكون واصبحت نتائجهم التي نشرت عام 1957 واحدة من اهم المقالات العلمية التي كتبت على الاطلاق. وواصل هويل اكتشافاته في هذا المجال الدقيق المعقد من الابحاث ليحفر اسمه الى الأبد في تاريخ العلم وينال اعلى مراتب الشرف العلمية وان كان قد حرم من جائزة نوبل التي استحقها بإجماع كل النقاد عام 1983 وذلك حسبما يقال لانه كان قد وجه انتقادات لاذعة لهيئة جائزة نوبل قبل ذلك بسنوات. لكن ذلك لا يقلل في حال من الاحوال من شأن عبقرية هويل الذي بحث في اصل العناصر واصل الحياة. ترجمة علي محمد