إليكم التحديات الاقتصادية التي سيواجهها جورج بوش مع توليه مقاليد الرئاسة الأمريكية. فمعدلات النمو تشهد انخفاضا في أمريكا (من 5.6% في الربع الثاني من العام الماضي إلى 2.4% في الربع الثالث منه) وهي متباطئة في أوروبا, ولا تزال راكدة في اليابان. وفي أمريكا, لم تكن مبيعات عيد الميلاد أعلى مما كانت عليه قبل عام. وبناء عليه, فإن بيانات الربع الرابع من العام الماضي ستظهر بلا شك انخفاضا آخر في معدل النمو في أمريكا. ويتحدث الرئيس بوش حاليا عن مدى الحاجة لاقتراحه تخفيض الضرائب لمنع حدوث ركود اقتصادي في عام 2001. وفي اطار سيناريو مثالي فإن باقي العالم المتقدم سيتسارع اقتصاديا بينما تشهد الولايات المتحدة تباطؤا, لكن هذا لن يحدث. فالأداء الأفضل لباقي دول العالم في الأشهر الأخيرة يعتبر معتمدا بشكل كبير على مبيعات التصدير للولايات المتحدة. وعندما تشهد أمريكا تباطؤا, فإن مبيعات التصدير تلك تتباطأ أيضا. وعندما يعقد مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي اجتماعا طارئا, ويخفض أسعار الفائدة بمعدل نصف نقطة مئوية (وهو بالعادة يغيرها بمعدل ربع نقطة مئوية فقط في اجتماعاته الشهرية المنتظمة), فإن ذلك يعتبر اشارة لحدوث شيء دراماتيكي. فأعضاء مجلس الإدارة يطلعون على البيانات قبلنا جميعا. وآخر مرة خفض فيها الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمعدل نصف نقطة مئوية في اجتماع طارئ كانت في سبتمبر 1998, عندما كانت روسيا تنهار, وكان صندوق (التحوط) لونج ترم كابيتال مانجمنت) يهدد بالاطاحة بوول ستريت. وقبل شهرين فقط, كان الاحتياطي الفيدرالي لا يزال ينظر إلى التضخم باعتباره الخطر الأكبر الذي يتعين تجنبه. أما الآن, فإن السؤال الوحيد المطروح هو ما إذا كان بالامكان تجنب وقوع الركود الاقتصادي. جميع المقومات لركود اقتصادي أمريكي متوافرة. فأسعار الفائدة تؤثر على الاقتصاد بقدر معين من التباطؤ, وحتى يناير الجاري كان مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي (يعتبر بشكل أساسي البنك المركزي للاقتصاد العالمي) يرفع أسعار الفائدة لكي يتسبب عن قصد في تباطؤ الاقتصاد الأمريكي. ان الآثار الايجابية للتخفيض في أسعار الفائدة لن تظهر طوال بضعة أشهر. فأسعار الطاقة تزداد والشتاء البارد قد سلب القوة الشرائية من المستهلك. فواتير الطاقة مرتفعة وهناك شيء آخر يتعين أن ينخفض. ثروة سوق الأسهم تنخفض والاستهلاك الذي حدث عندما شعر الأمريكيون بأنهم أغنى بدأ يختفي. وانخفضت البنود الكبيرة, مثل مبيعات السيارات بشكل حاد في ديسمبر. يضاهي انفاق المستهلك في ارتفاعه دخل المستهلك. ومعدلات الادخار تقترب من الصفر, ولا يمكن تخفيضها أكثر لتمويل الاستهلاك. ويعتبر دين بطاقة الائتمان عاليا للغاية حتى ان عددا قليلا من المستهلكين يمكنهم بشكل آمن أن يتورطوا أكثر في الدين. ومن غير المتوقع أن يهب انفاق استهلاكي أعلى لانقاذ الوضع. أرباح الشركات تشهد انخفاضا. وبعض الصناعات, مثل الاتصالات, تقلص من استثماراتها بشكل حاد. وحالات الفشل في مجال شركات الانترنت تعتبر حدثا يوميا في الاقتصاد الجديد. وارتفعت حالات الافلاس في الاقتصاد القديم. فقد خرج العديد من كبار تجار التجزئة الأمريكية من السوق, بعد موسم عيد الميلاد السيئ. وقد انضموا إلى بعض الشركات المتخصصة في مجالات الفولاذ والخطوط الجوية. هذه ليست الصناعات الأمريكية الوحيدة ذات الطاقة الاستيعابية الكبيرة, فمن شأن تباطؤ اقتصادي, في حال حدوثه, أن يسرع عمليات الاندماج هذه. وبالنسبة للاقتصاديين, فإن الركود, من ناحية فنية, هو فترة ستة أشهر بمعدل نمو سلبي. أما بالنسبة للشخص العادي, أو الشركة التجارية, فإنه لا يعني لهم الكثير سواء أكانت معدلات النمو أعلى أم أقل بقليل من الصفر. وتحل الأوقات الصعبة ومعدلات البطالة المرتفعة والأرباح المنخفضة قبل وقت طويل من تحول معدلات النمو إلى الاتجاه السلبي لمدة ستة أشهر. فالانخفاض واسع النطاق في أرباح الشركات على سبيل المثال, قد ظهرت بواكيره بالفعل. والمسألة المتعلقة بما إذا كان سيحدث ركود فني بالفعل لا تزال قضية خاضعة للرهان. وأعتقد ان احتمال وقوعها يبلغ 20%. سيواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي تخفيض أسعار الفائدة, لكن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على ابطاء الاقتصاد أكبر بكثير من قدرته على تسريع وتيرته. وإذا خلص المستهلكون ومصالح نشاط الأعمال إلى نتيجة مفادها ان الوقت قد حان لتخفيض الديون غير المسددة, فإن فرض أسعار فائدة أقل على الديون الجديدة لتمويل استثمارات جديدة لا علاقة له بالموضوع. وفي صناعة الاتصالات, نرى عددا من الشركات (ايه تي اند تي وبريتش تليفون على سبيل المثال) تبيع أصولا لديها بديون مخفضة. وإذا أراد المرء أن يكون متشائما حقا, فيمكنه أن يقول ان الركود أو التباطؤ الاقتصادي الأمريكي يشعل فتيل أزمة تجارية خارجية. وفي ظل عجز في الحساب الجاري يبلغ حوالي 450 مليار دولار, فإن ذلك القدر من الأموال الأجنبية يجب أن يتدفق على الولايات المتحدة لتمويل هذا العجز التجاري في كل عام. والأموال الضرورية تدفقت على الولايات المتحدة لان الاقتصاد الأمريكي كان ينمو بوتيرة أسرع من باقي الاقتصادات العالمية ولان سوق الأسهم الأمريكي كان يشهد ازدهارا. ومع تباطؤ الاقتصاد وهبوط سوق الأسهم, ما الذي سيدفع باقي دول العالم للاستمرار في الاستثمار في أمريكا؟ وإذا صدر قرار بعدم الاستثمار في أمريكا, فإن قيمة الدولار ستنخفض بحدة, وسيخفض الأمريكيون بصورة أكبر مشترياتهم من السلع المستوردة. وفي الوقت نفسه, ستكون هناك ضغوط لرفع أسعار الفائدة الأمريكية للحفاظ على تدفق الأموال الأجنبية الضرورية وللحيلولة دون هروب تلك الأموال المستثمرة في أمريكا. وسيواجه الاحتياطي الفيدرالي ورطة كبيرة. هل يخفض أسعار الفائدة لمنع حدوث ركود اقتصادي أم يرفع أسعار الفائدة لكي يمنع حدوث أزمة في القطع الأجنبي. وإذا كان الاقتصاد هو العلم الكئيب, فإنه الوقت المناسب للشعور بالاغتمام. وفي جميع الظروف الاقتصادية هنالك فائزون. فعندما تهبط أسواق الأسهم, يكسب أولئك الذين يبيعون على المكشوف. وبالنسبة للاقتصاديين المحترفين, فإن الأوقات التعيسة هي أوقات سعيدة. فعندما تكون الظروف جيدة, لا يهتم أحد كثيرا في السبب الذي يجعلها جيدة ويكون هناك حاجة ضئيلة لتشريع سياسات اقتصادية جديدة. وعندما تكون الظروف سيئة, يكون الجميع مهتمين بالسبب الذي يجعلها سيئة وبما يمكن القيام به حيال ذلك. ويكون الطلب على تبني سياسات اقتصادية جديدة عاليا جدا. لقد اختفى المستشارون الاقتصاديون للرئيس كلينتون عن الأنظار مع تحسن الاقتصاد أكثر فأكثر. من يعرف اسم الرئيس الأخير لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس كلينتون؟ لا أحد! فنحن نعرف حاليا اسم المستشار الاقتصادي الرئيسي للرئيس بوش وهو لاري ليندسي. وهذا علامة على وجود ظروف سيئة في طريقها إلينا. بقلم: لستر ثرو عميد كلية سلون للإدارة