الملف السياسي: حالم.. أخذ أبي بيدي وساعدني في إرساء طموحي وأحلامي على ضفاف السينما. عاشق.. علمني أبي أنه لا فرق بين السينما والوطن, فالوطن هو عشقي وأملي وهمي الأول, والسينما هي مرآة هذا العشق والأمل والهم.. تعلمت من أبي أن السينما هي الوجه الآخر من العملة, أما الوجه الأول فهو الوطن. حملت هذه المعادلة على كتفي ودخلت أخوض تجربتي السينمائية ووالدي المخرج أحمد بدرخان كان يدفعني إلى هذا الاتجاه بشكل غير مباشر وأحيانا بمباشرة لا حدود لها. والدي كان له تأثير كبير, إذ اكتشف ميولي السينمائية باكرا فأحضر لي كاميرا فوتوغرافية, وكان لدي معمل صغير لتحميض الصور وطبعها, بعد ذلك أحضر لي كاميرا سينمائية (8 ملم) وكثيرا ما كان يصطحبني إلى الاستوديوهات فعشقت جوها وتعلقت بها كثير حتى قررت أن أكون جزءا منها, فبدأت رحلتي ومشروعي الخاص محاولا أن أترجم عشقي للسينما بشكل عملي, ولذا قررت أن أتعلم كل أسرار المهنة وكل جانب من جوانبها. ومن هنا بدأت عامل كلاكيت ثم سكريبت, فمساعد حركة فمساعد أول وتابعت مديري التصوير مثل عبد العزيز فهمي وأحمد خورشيد وعبد الحليم نصر وتعلمت منهم, كما تعلمت من سعيد الشيخ فن المونتاج, إضافة إلى أنني كنت أراقب عمال الديكور وهم يعملون, كل ذلك أفادني بالطبع فيما بعد حينما إحترفت الاخراج بعد عملي كمساعد مخرج مع مخرجين عظام, لكل منهم مدرسته الخاصة مثل أحمد ضياء الدين وفطين عبد الوهاب وأحمد بدرخان ويوسف شاهين وشادي عبد السلام, وقد تعلمت من كل هؤلاء وبأشكال متفاوتة خصوصا أن لكل منهم وجهة نظر وأسلوبا في التعامل مع فريق العمل ورؤيته في تناول النص ومناقشة أبطال الفيلم. كان من المقرر أن يكون أول أفلامي بعنوان (القفص الذهب) عن رواية أجنبية, وكان من المفروض أن أنفذه مع القطاع العام الذي عاد وتوقف (على حظي) فقررت أن أغامر في القطاع الخاص, بل أن أقدم (الحدوتة) التقليدية عن الثالوث الشهير(الزوج والزوجة والعشيق) ولكن في إطار سينما جديدة, وهذا ما حدث في فيلم (الحب الذي كان), وقصة هذا الفيلم كانت قصة واقعية لأحد أصدقائي سمعتها ثم جلست مع المخرج والسيناريست رأفت الميهي وقصصتها عليه فكتبها ونفذتها أنا, ونلت عن هذا الفيلم جائزة نقاد السينما المصريين, وكانت الأولى في حياتي. وبعد هذا الفيلم الذي أكد خطواتي على درب الاخراج السينمائي, فوجئت بالمخرج الكبير يوسف شاهين يطلب مني أن أعمل معه كمساعد مخرج في فيلم (العصفور) فوافقت على الفور ودون أي تردد لأن شاهين أستاذي ويعد بمفرده مدرسة سينمائية عظيمة, بل أنه لو طلب مني الآن أن أعمل كمساعد مخرج معه فلن أرفض, وأتذكر أنني عندما عملت معه في (العصفور) عرض علي أجرا ولكنني رفضته وقلت له (إن أجري هو الوقوف في جواره). ربما لم تتجاوز أفلامي العشرة أفلام خلال رحلتي الفنية الطويلة ولكني لا أبالغ إذا قلت أنها جميعا بلا استثناء شكلت علامات بارزة في الخارطة السينمائية على مستوى الشكل والمضمون. والكثيرون من النقاد صنفوني كمخرج أفلام سياسية وهذا لا يزعجني, لأنني أعتبر كل أفلامي سياسية لأنها انتجت في ظروف مر بها البلد, كما أنني أرى أن الفيلم السياسي هو أي فيلم يتناول بالتحليل موقفا ما يرتبط بحياة الناس ومجتمعهم, فالسياسة تدخل في خبزنا وشرابنا وكل شئ في حياتنا, وهذا المفهوم ينطبق على كل أفلامي. ومن هذا المنطلق فهو ينطبق على فيلمي (الكرنك), فقد أعجبتني رواية (الكرنك) لنجيب محفوظ وقلت لابد أن أقدمها في فيلم سينمائي فقد كنت شغوفا ومهتما بالمجتمع والحال الاقتصادية والسياسية وغيرها من قضايا شغلت بالي منذ كنت طالبا في المعهد العالي للسينما, وفي تلك المرحلة كان هناك مد اشتراكي وايديولوجيات مطروحة وشباب يقرأ ويستوعب.. وكانت التقدمية واليسار يكتسحان العالم, فكان من الطبيعي أن نتأثر وننجز هذا الفيلم, والمثير أنه تم اعتقالي وأنا أفكر في تقديم هذا الفيلم, اعتقلت مع أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام, وقد أفادتني مدة اعتقالي في إخراجي لهذا الفيلم لأنها قربت لي بعض التفاصيل الدقيقة وجعلتني أنقل صورة أقرب إلى الواقع. صحيح أن هذا الفيلم صادف هجوما نقديا عنيفا, ولكن هذه هي أزمة النقد في بلادنا, لأننا للأسف الشديد لا نمتلك نقدا فعليا ولا مدرسة نقد, في الماضي كان لدينا نقاد, أما الآن ففي إمكان أي شخص أن يكتب نقدا من دون دراسة, كما هي حال الفن إذ صار في إمكان أي شخص أن يعمل فيه, لذلك وصلنا إلى حال يرثى لها. والنقاد الذين تناولوا (الكرنك) لم ينظروا إليه من الناحية الفنية.. لم ينظروا إلى التصوير والتمثيل والاخراج والمونتاج والموسيقى, وإنما نظروا إليه فقط من ناحية أحادية وهاجموه لأسباب سياسية, لم يذكروا أخطاء حرفية وتقنية, لم يستوعبوا أنني من حقي كمبدع أن أعبر عن فكري بحرية وأن من حقهم كنقاد رفض هذا الفكر ولكن ليس من حقهم أن يرفضوا العمل الفني. وفيلم (الكرنك) رسالة قهر الإنسان أينما كان, ولأنه عندما يقهر الإنسان ويدمر من الداخل يصبح بلا فائدة وبلا مستقبل. وإذا كنت أعتبر أن كل أفلامي سياسية فإن فيلمي (شيلني وأشيلك) لا يخرج عن هذا الاطار, فهو أول فيلم تنبأ بظاهرة الانفتاح الاقتصادي, وإذا كان البعض رأى أن هذه الفكرة تاهت في الأداء الكوميدي للفنان محمد عوض, فإن هذا خطأ شخصي مني لأنني كنت مهتما جدا بقضية الانفتاح وسيطرت على (فحشرتها) في الموضوع وأخذت حيزا كبيرا منه, حتى أنني ألغيت كثيرا من المشاهد الكوميدية كي تصل فكرتي إلى الجمهور, وهذا انعكس على أداء محمد عوض. وظللت طوال رحلتي ومع أفلامي التي توالت بعد ذلك لا أحيد عن الفكر الذي أخترته, والتأكيد دوما على القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية ضمن النسيج الدرامي لأعمالي, وهذا ما كان في (شفيقة ومتولي) الذي قدمته برؤية سينمائية جديدة و(أهل القمة) الذي تضمن رؤية مستقبلية لما حدث أخيرا, وكان رصدا لواقع حل فيما بعد, عندما تعاونت الحكومة مع أشخاص مثل الريان والسعد وغيرهما.. و(الجوع) الذي جذبني فيه فكرة الصراع بين الرأسماليين والعاملين.. الصراع تحميه سلطة أو قوة. وهذا ما راعيته في أفلامي الأخرى مثل (الرجل الثالث) الذي كان عن قصة حقيقية حدثت مع اللواء محمد عباس في قضية مخدرات في إطار درامي وعلاقات ذات بعد إنساني. وحتى في فيلم (نزوة) الذي دارت أحداثه حول موضوع سبق وأن قدمته في بداية حياتي الفنية وهو عن الثالوث الشهير(الزوج والزوجة والعشيقة) والذي يكشف جزءا عن الخيانة الزوجية والخيانة الاجتماعية.