الملف السياسي: يمثل مصطلح (الوفاق) حضورا كثيفا في مجالس وصحف السياسة السودانية الراهنة. قد يكون ذلك تعبيرا عن شوق دفين للوحدة الوطنية ــ اذ لم يحقق السودانيون عبر تاريخهم السياسي الحديث، انجازا ذا بال في اي من مجالات الحياة العامة الا بشيء من الاجماع الوطني الذي تحركه (من الداخل) روح النفير ونخوة العشيرة, ويحركه (من الخارج) احساس شديد بالخطر الاجنبي. غير ان اشواق الوحدة واحاسيس الخطر لم تعد قادرة ـ هذه المرة ــ قادرة فيما يبدو على تحقيق شيء من الوفاق الوطني كما كانت تفعل من قبل. فأشواق الوحدة لم تعد تكفي لأن (الوحدة) ذاتها لم تعد قيمة أساسية حتى في داخل المجموعات السياسية الصغيرة التي تقدم على الاعتقاد الديني والرباط الايديولوجي. فالاسلاميون ــ مثلا ــ وهم اقرب المجموعات الى التوحد قد انقسموا الآن انقساما كبيرا وصارت المسافة الفاصلة بينهما ــ كما ذكر احد المعلقين ــ اكبر من المسافة الفاصلة بين اي منهما والاحزاب الاخرى. اما التجمع الوطني فقد دخل فيه الصادق المهدي وهو ــ اي التجمع ــ يعج بالانقسام, ثم خرج عنه اخيرا وهو اكثر تفرقا, ويمكن ان يقال مثل هذا عن المجموعات السياسية الاخرى على درجات متفاوتة في الانقسام والتوتر الداخلي, فالاتحاديون والشيوعيون والحركة الشعبية كلهم يشهدون ازمة ويعيشون انقساما. اما الاحساس بالخطر الاجنبي من الخارج فلم يعد ايضا قادرا على تحقيق الوفاق لأن الفواصل بين الاجنبي والوطني لم تعد واضحة كما كانت, ولأن تعريف (العدو) قد صار مائعا. فقد كان السودانيون قديما يعرفون على وجه التحرير ما هو الاستعمار فيتخذونه عدوا, ويقفون متحدين ضده, ولكن الوضع الآن قد تغير كثيرا, اذ صار التعاون مع الاجنبي والاستنصار به امرا عاديا ومقبولا لدى بعض المجموعات السياسية, بل ان الانقسام الراهن في معظم مفاصله ليس انقساما سودانيا ــ سودانيا بقدر ما هو انقسام حول السودان ــ يقف في جانب منه سودانيون وغير سودانيين, ويقف ضدهم في الجانب الآخر سودانيون وغير سودانيين. فإذا لم تعد اشواق الوحدة الوطنية مجدية, وإذا لم تعد المخاطر الخارجية تخيف احدا, فسيكون مصطلح (الوفاق) الوطني شعارا خاويا واقرب منه الى الدقة مصطلح (التحالف) السياسي. فالتحالف صيغة واقعية مثل صيغ التجارة والصناعة, تتقلص فيه مساحة الاشواق والاحاسيس ويفسح فيه المجال واسعا لقانون العرض والطلب, والتحدي والاستجابة وتوازن القوى بعد اختلالها. وتأسيسا على هذا فلا معنى لسؤال عن احتمالات (الوفاق الوطني) في المرحلة المقبلة ــ اذ ليس هناك مجال لوفاق, ولكن السؤال المثمر هو عن طبيعة واتجاه التحالفات المقبلة في ضوء الانحلال الذي شهدته التحالفات السابقة. اذ قد انحل التحالف السابق في داخل الجبهة الاسلامية بين المجموعة التي يقودها الفريق البشير والمجموعة التي يقودها الدكتور الترابي, فما هي طبيعة التحالف الجديد الذي سيسعى نحوه اي من الطرفين, وما هو المدى الذي سيتحرك فيه, هل ستسير مجموعة الترابي مثلا في اتجاه العودة الى المربع العسكري الاول الذي خرجت منه الانقاذ, متكئة على العصبيات الاقليمية والغبن الاجتماعي والخطاب الاسلامي التعبوي (فتقترب بذلك من جماعات الرفض في الداخل والخارج) ام ستسير في اتجاه التصالح الوطني فتعمل على احياء تحالفاتها القديمة مع بعض بيوتات التصوف وقيادات حزب الامة وقطاعات الطلاب. وما هي الامكانات المتاحة لها لتلعب دورا اساسيا في السياسة السودانية؟ ثم ما هي ــ من جهة اخرى ــ طبيعة التحالف الذي تسعى نحوه مجموعة البشير وما هي المساحة التي تتحرك فيها, وما هي الامكانات المتاحة لها؟ ان الاجابة عن هذه الاسئلة ونحوها قد تساعد في تحديد المسارات الاخرى التي يمكن ان يسلكها كل من حزب الامة بقيادة الصادق المهدي والمجموعات العارضة التي يقودها محمد عثمان الميرغني والعقيد قرنق في الخارج فلنبدأ اذن بمحاولة قراءة الرؤية الاساسية التي تتحرك في اطارها حكومة الانقاذ. فهي في تقريرنا ترى انه من الافضل لها ان تشغل نفسها اولا: بتفكيك النظام السابق (الذي عكف د. الترابي على تعميمه) واعادة ترتيبه, يأتي ذلك اما وفقا لقناعات ذاتية وتطلعات من قبل الاعضاء برزت وتبلورت ابان ازمة الاسلاميين الاخيرة, وإما استجابة لضرورات وضغوط اقليمية ودولية (كما تزعم مجموعة الترابي) وكلاهما غير مستبعد وقد اتخذت اجراءات وخطوات عملية في هذا الصدد استغرقت كثيرا من الوقت والاعداد والجهد النفسي والمالي, ففرغ من اعادة تشكيل قيادة الحركة الاسلامية الداخلية بهياكلها وسياساتها كما فرغ من اعادة تشكيل حزب المؤتمر وتتجه الخطوات الان نحو اعادة تشكيل الجهاز التشريعي والتنفيذي للدولة بما في ذلك رئاسة الجمهورية وربما يطال التغيير والتشكيل الاجهزة العسكرية والامنية. ويمكن ان يفهم في هذا الاطار لماذا كان الاصرار على انتخابات رئاسة الجمهورية واجرائها بالصورة التي اجريت بها, كما يمكن ان تفهم التركيبة الجديدة لجهاز الدولة في المرحلة المقبلة. هذا, ويبدو للمراقب ان حكومة الانقاذ تهدف من عملية التفكيك والتركيب هذه لتحقيق ثلاثة اهداف: اولا: ان تستكمل عملية اقصاء د. الترابي والمجموعة الموالية له بصورة كاملة وتشل قدراتهم على التأثير المباشر على افعال الحركة والحزب والحكومة, فتستطيع حكومة الانقاذ ان تتحرك في المرحلة الجديدة بصورة مستقلة وتجرب (حظها) في اودية السياسة بعيدا عن نظام (المشيخة) القديم. ثانيا: ان تبعث رسالة الى معارضيها القدامى الذين كانوا ينادون بتفكيك دولة الحزب (الصادق المهدي) مفادها ان النظام الجديد يمر بالفعل بمرحلـة تشكــل وإعادة ترتيب للأولويات وللهياكل والمواقع, وهي مرحلة مناسبة للانفتاح على الآخر والاستماع اليه والتجاوب مع بعض اجندته. ثالثا: ان تبعث رسالة الى المحيط الاقليمي والدولي بأن مرحلة جديدة من الواقعية والاصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي قد بدأت على اعقاب مرحلة سابقة من التطرف والاصولية والتمرد على النظام الدولي ــ وإن نظام الانقاذ ــ برغم ما وقع من تصدع ــ يتمتع بقدر مناسب من التأييد الشعبي والمرونة السياسية التي تؤهله لانجاز مهمات السلام والديمقراطية والتنمية. هناك بالطبع من يشك ــ ابتداء ـ في كل هذا. فلا التعديلات الحزبية الداخلية والانتخابات الرئاسية تعكس واقعا جديدا, ولا النظام قادر على احداث تقدم في اي من البنود المذكورة, وذلك وفقا للمعطيات التالية: ان تحقيق السلام يقتضي الوصول الى اتفاق مع الجبهة الشعبية التي تقاتل في الجنوب والشرق, وليس هناك ما يدل على امكانية اجراء حوار مثمر معها فضلا عن اتفاق كامل. وإن التحول الكامل نحو الديمقراطية يتطلب اقناع الحزبين الكبيرين ـ وربما اغرائهما ــ بالدخول في الملعب السياسي, ولكن دون ان تفقد الانقاذ مواقعها الاساسية او تتخلى عن مواقعها, وذلك يكاد يكون مستحيلا في الظروف الراهنة التي يرى فيها الصادق المهدي نفسه بديلا شرعيا للنظام من الداخل ويرى فيها الميرغني انه بديل (خارجي) للنظام. اما التنمية فلا يمكن اصلا ان تتحقق في ظل الحرب الدائرة في الجنوب والمعارضة الصامتة في الشمال, على ان هذه الوجهة من النظر قد بدأت تضعف بصورة تدريجية, وذلك لعاملين اساسيين: الاول: عجز التجمع الوطني المعارض على احراز اي تقدم يذكر في الجبهة العسكرية ولم يستفد من ظروف الانشقاق الداخلي الذي مرت به الانقاذ كما عجز التجمع ايضا ان يحرز اي تقدم يذكر في الجبهة السياسية, ولم يستفد من مظلة المبادرة المصرية ــ الليبية. ليس ذلك فحسب, بل ان التجمع المعارض قد فقد حليفا اساسيا ــ حزب الامة. الثاني: نجحت حكومة الانقاذ في مجال استخراج وتسويق البترول, مما رفع عنها عبئا اقتصاديا هائلا, وضغوطا داخلية وخارجية كبيرة, فصارت الحكومة الآن في وضع اقتصادي مريح نسبيا تستطيع معه ان تحسن صورتها داخليا واقليميا, وربما استطاعت ــ بفعل العامل الاقتصادي ــ ان تجذب رأسمالا خارجيا هائلا يكون عاملا جديدا في واقع السياسية السودانية. كل هذا لا يعني ان المرحلة المقبلة في السياسة السودانية ستكون مرحلة وفاق وطني, ولكن يعني انها ستكون مرحلة لاعادة الحسابات والتقديرات, ولكن اعادة التقديرات قد تفضي الى تحالفات جديدة, يأتي على رأسها تحالف غير معلن بين حزب الامة والانقاذ, ربما لحقت به مجموعات سياسية صغيرة في مرحلة انتقالية لا يعلم احد على وجه اليقين ماذا سيكون بعدها.