كانوا يبتسمون وهم يعانون سكرات الموت. بل إن فتاة صغيرة في أحد مستشفيات البصرة ارتدت فستاناً جديداً من أجل الصورة التي التقطتها لها صحيفة (الاندبندنت) لكنها لم تعش سوى ثلاثة أشهر بعد ذلك. جميع هؤلاء كانوا إما ممن لعبوا بشظايا المتفجرات التي خلّفتها الغارات الأمريكية والبريطانية على جنوب العراق في عام 1991 أو كانوا أطفالاً ــ غير مولودين في ذلك الوقت ــ لرجال ونساء علقوا في تلك الغارات. وحتى في ذلك الحين, كانت عبارة (اليورانيوم المنضّب) على لسان الجميع. وقد اهتم قراء (الاندبندنت) كثيراً بهذا الموضوع حتى أنهم تبرعوا بأكثر من 170 ألف جنيه استرليني لشراء أدوية لهؤلاء الأطفال الذين يعانون سكرات الموت. أما السياسيون البريطانيون فقد أهملوا الأمر بحيث أنهم لم يجروا أية تحقيقات بخصوص هذه المأساة, وأهدروا مفتاحاً أساسياً لحل لغز معاناة جنودهم في البلقان بعد ذلك بثماني سنوات. في مارس 1998, أطلعني دكتور جواد خادم العلي, وهو طبيب متدرب في بريطانيا وزميل في الكلية الملكية للأطباء على خرائط لمناطق الإصابة بالسرطان واللوكيميا حول مدينة البصرة الجنوبية وأراضيها الزراعية, التي كانت ساحات للقتل في الأيام الأخيرة من حرب الخليج في عام 1991 والتي تشبّعت بغبار اليورانيوم المنضّب المنبعث من القذائف الأمريكية المتفجرة. وأظهرت الخرائط زيادة بمقدار أربعة أمثال في حالات الإصابة بالسرطان في تلك المناطق التي جرى فيها القتال. وكان الناس من الحقول والضواحي حيث أسقطت القذائف يتحلقون حول عيادة السرطان الخاصة بدكتور جواد العلي في البصرة. كان الحشد يتألف من رجال مسنين وشابات بأورام رهيبة وعائلات بأكملها لم يسبق لها الإصابة بالسرطان تعاني من أعراض لا تفسير لها لمرض اللوكيميا. لقد جلسوا هناك يبتسمون لي, راغبين في سرد قصصهم. وعلى نحو يبعث على الأسى, كانت حكاياتهم متشابهة. فقد كانوا قريبين من ساحة المعركة أو مناطق القصف الجوي. أو أن أطفالهم كانوا يلعبون بشظايا المتفجرات المتخلفة من الغارات الجوية أو أن أطفالهم ــ الذين ولدوا بعد عامين من الحرب ــ قد بدأوا يعانون على نحو مفاجىء من نزيف داخلي. بالطبع قد يكون المسئول عن ذلك أحد المصانع الكيماوية العراقية التي تعرضت للقصف أو الحرائق التي شبت في آبار النفط. لكن مقارنة لموقع ضحايا السرطان بموقع الغارات الجوية في أنحاء العراق من البصرة وكربلاء الى بغداد لا يترك مجالاً للشك حول المسبب. ولم تبدأ المأساة بوصف أجنحة الأطفال في مستشفيات بغداد والبصرة والمعروفة باسم (أجنحة الموت). كان علي هلال في الثامنة من عمره عندما التقيته ــ كان من المتوقع أن يعيش شهرين آخرين ــ وكان يقطن بالقرب من محطة ارسال تلفزيوني وعدة مصانع في منطقة ديالي التي تعرضت لقصف متكرر من طائرات الحلفاء في فبراير 1991. وكان الطفل الخامس لعائلة ليس لها سجل سابق للإصابة بالأمراض السرطانية, وهو يعاني الآن من ورم سرطاني في الدماغ. استرجعت والدته فاطمة في ذاكرتها عمليات القصف. وأخبرتني قائلة: (كانت هناك رائحة غريبة, رائحة احتراق خانقة, شيء أشبه ما يكون بالمبيدات الحشرية). أما الصغير يوسف عبدالرؤوف محمد, فقد جاء من كربلاء القريبة من قواعد عسكرية عراقية تعرضت للقصف في الحرب. كان مصاباً بنزيف داخلي من المعدة والامعاء. وكانت هناك بقع دموية في وجنتيه, وهي علامة أكيدة على وجود نزيف داخلي. ولفظ أحمد الفليح أنفاسه الأخيرة في جناح الأطفال بعد نزيف حاد من الفم والأذن والأنف والمستقيم. واستغرق اسبوعين لكي ينزف حتى الموت. وفي الوقت نفسه تقريباً, كان أوائل الضحايا البريطانيين لما يسمى بأعراض (مرض حرب الخليج) يسردون قصص معاناتهم. كانت تلك القصص في الغالب مماثلة للقصص التي استمعت إليها بالعربية في المستشفيات العراقية. كتبت أقول إن شيئاً مرعباً( حدث في جنوب العراق في نهاية حرب الخليج. لكن الحكومة البريطانية, المتلهفة جدا الآن لتهدئة المخاوف المتعلقة بصحة الجنود البريطانيين الذين كانوا على اتصال مباشر بقذائف اليورانيوم المنضّب في الخليج والبلقان لم تبد استعداداً لسماع أي شيء عن الموضوع. وكتب دوج هندرسون, الذي كان آنذاك وزيراً للدفاع, والذي أصبح فيما بعد مناصراً لقصف (الناتو) لكوسوفو رسالة استثنائية يقول إن: (الحكومة على علم بالإيحاءات التي ترد في الصحافة, وخاصة إيحاءات روبرت فيسك في (الاندبندنت), بأنه كانت هناك زيادة في الأمراض ــ بما في ذلك إعاقات مزعومة وأمراض سرطانية وتشوهات خلقية ــ في جنوب العراق, والتي عزاها البعض الى استخدام الذخائر التي تعتمد على اليورانيوم المنضّب من قبل القوات الأمريكية والبريطانية خلال حرب الخليج عام 1990 ـ 1991. وأضاف هندرسون: (غير أن الحكومة لم تطلّع على أي بحث وبائي مدروس بعناية حول هذه الفئة السكانية لدعم هذه المزاعم, وبالتالي, فإنه سيكون من السابق لأوانه التعليق على هذا الموضوع). وعند هذا الحد فَقَدَ هندرسون اهتمامه بالموضوع. ولو تمكن من رؤية هبة مرتضى, الطفلة الصغيرة التي التقيتها في البصرة, وهي تعاني من ورم بحجم كرة القدم في بطنها ربما كانت اجابته ستكون أكثر جدية. كان العديد من الأطفال الآخرين في هذا المستشفى صلعاً, ويعانون من أورام ليمفاوية غير داء هودجكن. وجميعهم جاؤوا من مناطق تعرضت لقصف شديد في العراق. كان عدد قليل منهم يعلم انه سيموت, وبعضهم أخبرني بأنه سيشفى, غير انه لم يشف أحد منهم. وعندما زرت ساحات المعارك خارج البصرة في عام 1998, كان الدبابات العراقية المحترقة لا تزال جاثمة في الأماكن التي هوجمت فيها من فرقة المشاة الأمريكية الأولى بقيادة ميجور جنرال توم رامي, حيث قصفت وسط المزارع والجداول. وهناك الكثير من المزارعين المحليين الذين لهم أقارب ماتوا من جراء الإصابة بسرطانات لا تفسير لها. أحدهم, ويدعى حسن سلمان, جاء إليّ عبر الحشائش الطويلة, وهو رجل ذو وجه مميّز, أضفت عليه الشمس سمرة محببة. وقال حسن: (زوجة ابني ماتت قبل 50 يوماً فقط, كانت تعاني من مرض في المعدة). كان اسمها أمل حسن صالح. كانت تلك المرأة في مقتبل العمر, فهي لم تتجاوز الـ 21 ربيعاً. برزت امرأة من حقل طماطم وقدمت لي حبة خضراء كالحة, كبيرة الحجم, وهي ثمرة مسممة, حسبما يقول أطباء البصرة, من حرب مسمومة نمت على ساق مسمومة, وغسلت في مياه كريهة الرائحة. بالطبع, إن ذلك يشكل دعاية جيدة للنظام العراقي وصحيح أنه استخدم الغازات الكيماوية ضد الأكراد الذين تحيّزوا للجانب الإيراني في الحرب العراقية ــ الإيرانية التي استمرت من عام 1980 الى 1988. وصحيح أن العراقيين وضعوا فيما بعد خطة دعائية تقوم على الاحصائيات المتعلقة بموتاهم, ونظموا جنازات صورية للموتى من الأطفال. لكن الأطفال الذين قابلتهم كانوا ينازعون الموت وقد ماتوا بالفعل. ومرض اللوكيميا الذي كانوا يعانون منه كان حقيقياً, وهو في تنامٍ مستمر. أحد أطباء بغداد كان قد شاهد لتوه طفلاً مريضاً وهو يموت عندما ذهبت لزيارته. كان جالساً على كرسيه في عيادته واضعاً رأسه بين يديه والدموع تنساب من عينيه. وهذا لم يكن من قبيل الدعاية. وفي البصرة, في أفقر جزء من المدينة, والذي لا يزال, على نحو يثير المفارقة, يتعرض للهجوم بشكل منتظم من قبل سلاح الجو الأمريكي وسلاح الجو الملكي البريطاني, سألت مجموعة عشوائية من النساء حول الوضع الصحي لعائلاتهن. قالت إحداهن: (زوجي مصاب بالسرطان). وقالت سندس عبدالقادر (33 عاماً) إن عمتها ماتت لتوها على نحو مفاجىء بمرض اللوكيميا. قاطعت كلامها امرأتان أخريان لكي تقولا إن لديهما اخوات أصغر يعانين من السرطان. وهكذا سارت الأمور في مجتمع يعتبر مجرد التسليم بمرض السرطان وصمة عار اجتماعية. وسألت نفسي: لماذا وقع عدد كبير من العراقيين, وخاصة الأطفال, بشكل مفاجىء ضحية لمرض اللوكيميا في أعقاب حرب الخليج في عام 1991؟ بالطبع, كان الضحايا عراقيين, وكانوا مسلمين, وعاشوا وماتوا في بلدة بعيدة, ولم يكونوا قوقازيين أو جنوداً لـ (الناتو). لكنني أتساءل عما إذا كنت سأضطر الى القيام بجولة على أقسام الأطفال في مستشفيات البوسنة وصربيا في السنوات المقبلة, وأرى مرة أخرى المشاهد التي رأيتها في العراق. أو ربما الأجنحة العسكرية في مستشفيات الدول الأوروبية. ولهذا السبب سألت (الناتو) في أعقاب قصف كوسوفو في عام 1999 عن مواقع تفجير ذخائر اليورانيوم المنضّب. وأخبرت في حينه ان التفاصيل (غير قابلة للنشر). عن روبرت فيسك في (اندبندنت)