الملف السياسي: إن أرجح التقديرات لتطور الصراع العربي ــ الاسرائيلي تؤكد استمرار الصراع منخفض الشدة بين اسرائيل وبعض دول الطوق العربية المحيطة بها خلال العقد الأول، من القرن الحادي والعشرين, وتتوقع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية وتحولها الى حرب تحرير وطنية في المدى القريب. ولن تمنع التسويات السياسية سواء كانت معاهدات سلام مع مصر والأردن, أم اتفاقيات مرحلية مع الفلسطينيين, أو اتفاقات مزمعة مع لبنان ثم سوريا من استمرار المواجهة الاستراتيجية بين العرب واسرائيل الى أن تستقر أوضاع الخريطة السياسية للعالم العربي في نهاية عقدنا الحالي أو بعدها, وتتراجع أطماع الدولة الصهيونية في تهويد فلسطين, والهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة العربية الممتدة من الفرات الى النيل. وقد نذكر هنا استمرار حرب المعلومات بين مصر واسرائيل بعد مضي نحو 22 عاما على ابرام معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية في مارس 1979 . وقد رصدنا في السنوات القليلة الأخيرة الجاسوس عزام عزام الذي اتخذ ساترا من عمله في شركة دلتا للغزل والنسج في مصر, والعميل المهندس شريف فوزي الفيلالي الذي عنى بجمع المعلومات السياسية والاقتصادية والعسكرية على حد سواء, واستقاها من والده وأقاربه ومعارفه في يسر وسهولة في عصر ثورة المعلومات والاتصالات والايحاءات المضللة من جانب بعض أجهزة الاعلام الغربية عن السلام المقبل والوشيك بين العرب واسرائيل, والسوق الشرق أوسطية التي ستحقق الرخاء لشعوب المنطقة, وهو وهم وتضليل في المدى القريب والمتوسط. لا يزال الموساد مستمرا في عملياته في لبنان, وقد شهدنا أيضا نجاح حزب الله في القبض على ضابط برتبة عقيد من ضباط الموساد في ضربة أمنية نظيفة تمت بطريقة مشروعة وداخل حدود الأراضي اللبنانية, وتتفق مع نصوص القانون الدولي الذي يعترف للمقاومة الوطنية بحقها في مقاومة سلطة الاحتلال, ونحن نعرف أن هناك أراض لبنانية لا تزال تحت الاحتلال الاسرائيلي كمزارع شبعا وجيوب الاختراق الاسرائيلي على طول خط الحدود الدولية المشتركة بين لبنان واسرائيل. تطور أساليب الموساد طورت اسرائيل أساليب ومجالات عمل الموساد تطويرا جذريا بعد حرب الخليج الثانية, ليمتد نشاط الموساد الى حرب المعلومات, والتجسس الاقتصادي, واختراق منظمات العمل المدني, والأحزاب السياسية, والمنظمات المناهضة لاسرائيل, وتربية جماعات المصالح للتأثير على القرار السياسي والتوجهات الاعلامية في بعض الدول العربية. ولا يقتصر التجسس الاسرائيلي حاليا على الأهداف العسكرية أو القيادات السياسية كما كان الحال خلال فترة الجولات العربية الاسرائيلية بين عامي ,1948 1982 بل امتدت أنشطته الآن الى مجالات انتاج الطاقة بكل صورها, وشبكات الاتصالات والمراكز الصناعية, والمشروعات المائية. ويجمع الموساد المعلومات التفصيلية عن المشروعات الكبرى سواء مجمعات البتروكيماويات, أو الموانئ الجديدة, أو الصناعات الحربية والثقيلة, أو المشروعات القومية الجديدة التي ترتبط ببناء مجتمعات سكانية وبخاصة في سيناء, والخليج العربي, وجنوب لبنان. وعلى سبيل المثال فقط ضبط مصر في عقد التسعينات من القرن الماضي أكثر من عشرين قضية تجسس, ولم يكشف الستار إلا عن خمس منها, وكانت أغلبها موجهة لأهداف اقتصادية واجتماعية أو لممارسة بعض أعمال التخريب المادي في اطار أنشطة المخابرات الايجابية. ويستخدم بعض الجواسيس الذين لم يكشف عنهم في مبادلات معينة مع بعض الأسرى المصريين ومنهم مدنيون اختطفتهم اسرائيل عامي 67ــ ,1973 أو في مساومات سياسية معينة. واذا كان الموساد قد اعتمد طويلا على الاغراءات المالية والجنسية لتجنيد العملاء, وابتعد عن أصحاب الأيديولوجيات الدينية والقومية, فهو يفتش اليوم عن العملاء ذوي المستويات الثقافية العالية حتى يمكنهم بناء علاقات اجتماعية واسعة النطاق. ويركز الموساد حاليا, وبخاصة في مصر ولبنان والأردن على اختراق منظمات وجماعات العمل المدني للتأثير على القرار السياسي والتوجهات الاجتماعية للرأي العام. ولا جدال في أن الصهاينة قد تمكنوا بدرجة أو بأخرى من اختراق معظم أندية الروتاري, والليونز, والجمعيات الماسونية المنتشرة في أغلب دول الشرق الأوسط. وقد امتدت أعمال المخابرات الى المشروعات القومية الكبرى في الدول العربية, وبخاصة تلك المحيطة باسرائيل بهدف حجب التمويل الدولي لبعض هذه المشروعات الصناعية والزراعية والخدمية مثلما حدث من حرب ضروس ضد مشروع شرق التفريعة في غرب سيناء التي تطالب اسرائيل بالتركيز على النشاط السياحي فيها وحده, وتبدي قلقها للولايات المتحدة من مشروعات استصــلاح الأراضي لزراعتها في شمال ووسط شبه الجزيرة حتى لا تتعمق جذور المواطنين في سيناء وارتباطهم بأرضها. أما فيما يختص بتوشكا في جنوب مصر, فإن اليهود لا يزالوا يحلمون بأن تصل اليهم يوما ما مياه النيل, ومن أهم أهدافهم بالطبع منع مصر من تنفيذ مشروعات ترفع قيمة حصصها المائية وتزيد رقعتها الزراعية وتطور قدرتها الاقتصادية في المدى القريب والمتوسط حتى لا يزداد الدور السياسي المصري في الشرق الأوسط, لأن مصر إذا انكفأت على مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية تقلص دورها الاقليمي, وهذا ما تسعى اليه اسرائيل اليوم وغدا. أما الأساليب الفنية للموساد فقد تطورت في السنوات العشر الأخيرة بصورة خطيرة, فإن اسرائيل تعتمد اليوم على شبكات الحواسب الآلية لسرعة ارسال وتأمين المعلومات عبر الانترنت, واستقبالها في مواقع متغيرة المكان على الشبكات مع استخدام شيفرات معقدة للدخول الى هذه المواقع, وهذه الشيفرات تتغير بصورة شبه يومية لضمان عدم اختراقها. ولم تعد اسرائيل تعتمد على الارسال اللاسلكي سواء كان نمطيا أم سريعا في الاتصال بجواسيسها وعملائها نتيجة امكانية اكتشافه والتنصت عليه بأساليب حديثة. وأصبحت حكاية الحبر السري, ورسائله, مجرد تاريخ قديم لا معنى له في الوقت الحالي. ويستخدم الموساد حاليا الأقراص المضغوطة لتخزين معلومات وتقارير الجواسيس والعملاء, واستخدام أنشطة السياحة والتجارة لسهولة نقلها الى دولة صهيون أو الى مراكز ومحطات الموساد في أوروبا وأمريكا الشمالية. كما تستخدم اسرائيل بعض الشركات المنتجة للحواسب الآلية لادخال فيروسات كامنة في الحواسب التي تباع الى الدول العربية لتدمير جانب كبير من المعلومات والبيانات التي يتم تخزينها في ذاكرة الحاسب الآلي في توقيتات معينة يتم فيها تنشيط هذه الفيروسات. ولا تكتفي اسرائيل بهذا التخريب الالكتروني أو المعلوماتي, بل تحصل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على جزء كبير من معلومات شبكة التجسس الالكتروني بالأقمار الصناعية (ايشيلون) وهذه الشبكة اقامتها الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا واستراليا ونيوزيلندا طبقا لاتفاقية (أوكوزا) للأمن التي تستهدف التعاون المشترك في مجال المراقبة والمخابرات الالكترونية, ويعتمد التنفيذ على الاستطلاع من الفضاء والتداخل والتنصت على كافة الاتصالات الخطية واللاسلكية بلا استثناء في مناطق معينة من العالم, ومنها الشرق الأوسط. وتنفذ حاليا برامج ايشيلون للتجسس على مراكز القيادة السياسية والعسكرية في أغلب الدول العربية, والتقاط الاتصالات التي تنقل بواسطة الأقمار الصناعية من خلال عدد من القواعد الأرضية المتصلة بشبكة أقمار التجسس الالكتروني (فورتيكس) ويتطلب الأمر إذن أن نقلل من محادثاتنا الهاتفية في المسائل الأمنية الحيوية وأن نستخدم شيفرة متقدمة ودائمة التغير عبر البريد الالكتروني, حتى لا يتكرر ما حدث من خطف الطائرة المصرية, التي اتجهت من القاهرة لتونس, بواسطة الطائرات الأمريكية في حادث الباخرة (أكيلي لاورو) الشهيرة في الثمانينيات. ومن جهة أ خرى هناك تدريب مشترك للقوات الأمريكية والاسرائيلية على ادارة ومواجهة هجمات الحواسب على نظم المعلومات العسكرية والمدنية ذات الطابع الاستراتيجي. ومن جهة أخرى أعاد الموساد في عام 1998 تنظيم محطاته في أوروبا, واختصت محطته في اسبانيا بأنشطة المخابرات في مصر وفلسطين والأردن والسودان ودول المغرب العربي, ومحطته في ايطاليا بليبيا بوجه خاص والشام, بينما تركز محطته في بريطانيا على دول الخليج العربي, وتدار عمليات الموساد في الشرق الأوسط من محطة رئيسية في المانيا. ولا تكفي هذه المحطات بنشاط الجاسوسية, فهي تهتم باستخدام الأساليب العلمية في اختراق بعض المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية في العالم العربي من خلال شراء بعض أسهمها, وبخاصة تلك التي تقام في مناطق حيوية بالدول العربية المجاورة لاسرائيل. ومن هنا يبدو الاهتمام الفائق للموساد بجمع المعلومات عن مشروعات تعمير سيناء والموانئ المصرية على البحر الأحمر مثل مرسى علم والغردقة, وعن مشروع توشكا الذي تسعى اسرائيل لمحاولة الاستثمار الزراعي فيه. وتتصيد اسرائيل السندات الدولية التي تطرحها بعض الدول العربية للاستثمار حتى تستخدمها لممارسة ضغوط اقتصادية مؤجلة في أوقات التوتر والأزمات. حرب المعلومات القادمة شهدت حرب أكتوبر 1973 بداية حقيقية لحرب المعلومات في منطقتنا من العالم عندما نجحت مصر وسوريا في الخداع الاستراتيجي لاسرائيل بشأن نوايا الهجوم المشترك في سيناء والجولان, وبذا أمكن للبلدين العربيين احراز المبادأة والمفاجأة في السادس من أكتوبر 1973 وتعديل توازن القوى العسكري مع اسرائيل في بداية الحرب لتحقيق التكافؤ الاستراتيجي المطلوب لادارة العمليات. وفي الجانب العسكري المباشر نجحت القوات المصرية في دفع (22) مجموعة استطلاع في مؤخرة العدو في أماكن شتى من شبه جزيرة سيناء وصحراء النقب, ونشطت عناصر الخدمة السرية والخاصة في سيناء وأراضي اسرائيل في رصد أعمال تعبئة وتحركات القوات الاسرائيلية قبل وخلال الحرب. واستطاع المصريون والسوريون أن يحولوا عيد الغفران اليهودى الى يوم للتكفير بتوجيه ضرباتهم النيرانية ضد أهداف مختارة بدقة في عمق العدو باستخدام القوات الجوية والصواريخ. ودمر المصريون محطة أم خشيب الالكترونية في سيناء مثلما فعل السوريون في جبل الشيخ. ولكن التفوق التكنولوجي بدأ يتدخل في مسار الحرب عن طريق علاقات التحالف مع الولايات المتحدة. فقد قامت طائرات الاستطلاع الأمريكية SR-71A باستطلاع منطقة القناة والدلتا ظهر 13 أكتوبر 1973 على ارتفاع ثلاثين كيلو مترا وبسرعة تعادل ثلاثة أضعاف سرعة الصوت, وقدمت صورها لاسرائيل فورا لتدبر اسرائيل اختراقها للجبهة المصرية والثغرة غرب القناة مستغلة نقطة ضعف في منطقة الاتصال بين الجيشين المصريين الميدانيين شرق القناة بعد فشل تطوير هجومها شرقا يوم 14 أكتوبر لأسباب متنوعة. واليوم أصبح ضروريا مواكبة التحدي التكنولوجي المعاصر في مجال تكنولوجيا المعلومات والاستطلاع الفضائي لمواجهة أقمار التجسس الاسرائيلية من سلسلة (أفق), وانتاج البرمجيات في الدول العربية لحماية أنظمة معلوماتهم من الاختراق بل وانتاج الأجيال المتقدمة من الحواسب الآلية ذاتها في بعض الدول العربية القادرة ماليا أو تكنولوجيا. ويدير الموساد حرب المعلومات بالتنسيق الكامل مع المخابرات العسكرية مما يدفع دولا عربية عدة للتفكير في انشاء هيئة للاستخبارات على مستوى الدولة تتبع مستشار الأمن القومي أو رئيس الوزراء لمواجهة العدو الاسرائيلي. وفي هذا المجال قد نستفيد من تقويم نشاط الوحدة (8200) في المخابرات العسكرية الاسرائيلية التي تقوم بالتنصت والتخابر الالكتروني على كافة المحادثات الهاتفية واللاسلكية في جبهات المواجهة في دول الحوار العربية سواء كان طابعها عسكريا أو مدنيا, وهذه الوحدة تضم آلافا من ضباط وجنود المخابرات والحرب الالكترونية في الجيش الاسرائيلي. وتضم المخابرات العسكرية الاسرائيلية كذلك الوحدة (504) التي تعتمد على العملاء في الدول العربية, وتدبر وتدير عمليات اغتيال قادة المقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان, الى جانب الوحدة (262) التي تستخدم في التخريب المادي لأهداف معادية في اطار اعمال المخابرات الايجابية. وبينما يتزايد حجم قوة المخابرات العسكرية من أفراد ومعدات بما فاق عدة أضعاف قوة الموساد ذاته, فإن التعاون بينها وبين أجهزة المخابرات في الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف شمالي الأطلسي يتدعم يوما بعد يوم, ويرتبط بنظم مستحدثة للانذار الاستراتيجي في الشرق الأوسط ترعاها واشنطن بالدرجة الأولى, مما جعل من المخابرات العسكرية الاسرائيلية الجهاز الأول لتقديرات الأمن القومي في الدولة الاسرائيلية على حد تعبير الدكتور رؤبان بدهتسور استاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب. ويطول الحديث أو يقصر عن الموساد والمخابرات العسكرية, لكن العبرة الاساسية هي ضرورة المواجهة العربية بمنظومة قوى شاملة للتهديد الصهيوني المستمر للأمن القومي العربي, واستناد هذه المواجهة الى قاعدة معلوماتية شاملة تواجه مخابرات العدو ومؤامراته التي تستهدف موارد القوة في النظام الاقليمي العربي كله في الحاضر والمستقبل.