الملف السياسي: لا يمكن قراءة تاريخ الموساد بمعزل عن نشأة الكيان الصهيوني. فالدولة الوحيدة في العالم التي انشأها الجيش والذي تكون بدوره من المنظمات الارهابية وتحديدا (الهجاناة), فالهجاناة التي تكون اساسا منها جيش الدفاع الاسرائيلي. كانت الموساد قسما من اقسامها. فالنشأة والتكوين بين المنظمات الارهابية. وبين منظمات التجسس والوكالة ــ اليهودية ــ الأم الاولى للموساد ــ وبين القوى الاستيطانية المختلفة: العمالية: الهستدروت والحزبية الماباي والكيبوتزات الزراعية والمنظمات الدولية ــ الوكالة اليهودية كلها قد نشأت موحدة ومترابطة لتخدم غرضا واحدا هو اقامة الكيان الاستيطاني اليهودي. والموساد احدى مؤسسات جهاز الاستخبارات الاسرائيلي. وكان قبل 48 تابعا للوكالة اليهودية. وقد اوكل اليها انذاك مهمة تنظيم الهجرة السرية الى فلسطين على نطاق واسع. وتكريس الاسلحة استعدادا للمواجهة الشاملة مع العرب الفلسطينيين. وتقوم الموساد ومنذ النشأة بمسئولية الاستخبارات الخارجية. وتقوم بأعمال التجسس والحرب النفسية ضد الدول العربية خاصة مع التركيز على الشعب الفلسطيني فهي منذ تأسيسها تقوم بوظيفة الحرب النفسية. وتدمير المقاومة الوطنية الفلسطينية واغتيال القادة الفلسطينيين. والتعاون مع المخابرات المركزية الامريكية وقبلها البريطانية, والفرنسية ابان العدوان الثلاثي وبناء المفاعل النووي ــ مفاعل ديمونة ــ ومعروف ان جهاز المخابرات الاسرائيلي كان ثمرة من ثمار التعاون الصهيوني ــ البريطاني قبل 48. ويربط الدارسون للموساد بنشأة الوكالة اليهودية عام 1920 لتنظيم الهجرة الى فلسطين, عرف حينها بالمكتب السياسي على ان تمتد فروعه الى البلاد العربية واوروبا وامريكا. وقد تولى الامر الجاسوس البريطاني (اليهودي) (كيتس) وكانت المنظمات الصهيونية قد انشأت شبكات تجسس منذ مطلع القرن الا ان اثرها كان محدودا. وقد قررت قيادة الهجاناة في الثلاثينيات انشاء شبكة لاعمال المخابرات سميت (الشين يود. تخصصت الشين يود في اعمال التخريب وتدريب الجواسيس. واعداد الدراسات وحشد المعلومات السرية عن الاوضاع السياسية والاقتصادية للفلسطينيين والحصول على المعلومات المهمة عن نشاط الحركات والمنظمات الثورية وامتدت شبكات (الشاي) الاسم الكودي للشين ـ يود لتشمل البلاد العربية والاجنبية. وحتى اليهود انفسهم. وفي عام 1940 افتتحت دائرة عربية في استخبارات الهجاناة (الشاي) برئاسة عزرادفين, وكلفت بتأسيس ارشيف للمعلومات عن التركيب الاجتماعي للقرى والمدن العربية في فلسطين بالاضافة الى شبكة من المخبرين العرب. ويشير القاموس السياسي لعدد من المختصين الى انه على اثر قيام الدولة الصهيونية بدأ التفكير باعادة تنظيم جهاز الاستخبارات وتحديد مهامه. فقد صدر عام 1953 قرار بتنظيم الاستخبارات الاسرائيلية. وانشاء لجنة تنسيق تجمع كافة فروع المخابرات ترتبط برئيس واحد وهو (ايسر هارنيل) وعرفت باسم (اللجنة العليا لرؤساء الاستخبارات) وبناء عليه اصبح جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يتألف من مؤسسة رئيسية مشرفة هي (ادارة امن الدولة) ترتبط بها خمس مؤسسات اخرى. وتعمل على ادارة أمن الدولة. وعلى التنسيق بين اختصاصات وواجبات وميادين المؤسسات الخمس. وتضم المؤسسة مجلسا اعلى لأمن الدولة يرأسه مفوض أمن الدولة. واعضاؤه هم رؤساء المؤسسات الخمس. ويقوم المفوض والرؤساء بالاشرف على المؤسسات الخمس والتخطيط العام لأعمالها ونشاطاتها وتعقد اجتماعا اسبوعيا وبشكل دوري. ويحدد القاموس المنوه به الدوائر الاستخبارية الخمس: ــ المؤسسة المركزية للاستخبارات والامن والموساد. ــ جهاز الاستخبارات العسكرية (امان). ــ مصلحة الامن العام ــ الشين بيت. ــ دائرة البحوث السياسية في وزارة الخارجية. ــ مصلحة يهود الاغتراب. والموساد هي المؤسسة المركزية للاستخبارات والامن وهي احدى مؤسسات الاستخبارات الاسرائيلية والجهاز التنفيذي للمكتب المركزي للاستخبارات والامن. ويشير مؤلفو القاموس الى انها انشئت عام 1937. وربما قصد استقلاليتها عن الوكالة اليهودية. وعن الهجاناة والمعروف ان الموساد كجهاز استخباراتي كان مرتبطا منذ البداية بالهجاناة وبالوكالة اليهودية. وهو يؤكده الباحث والمتخصص عبدالوهاب المسيري في موسوعته القيمة اليهودية واليهود ونجد تأكيدا له في الموسوعة الفلسطينية المهمة جدا في هذا الجانب. وكلمة موساد هي اختصار لعبارة (موساد لعالياه بت) اي منظمة الهجرة غير الشرعية. وكانت احدى اجهزة الاستخبارات التابعة للهجاناة. ويلاحظ ايضا ان التسمية تدلل على تبعيتها عند التأسيس في العشرينيات للوكالة اليهودية. وان تتبع اليهود في الاقطار المختلفة لجذبهم او حتى اجبارهم كما حصل في العراق والمانيا وغيرهما للهجرة الى اسرائيل هي من الوظائف والمهام الرئيسية للموساد منذ العشرينيات.. وحتى بعد ان اصبحت مؤسسة استخباراتية مستقلة وتعددت وتنوعت مهامها فإن الهجرة غير الشرعية ظلت في صلب مهامها وعملية بساط الريح في اليمن في الاربعينيات وقضية الفلاشا في اثيوبيا في السبعينيات والتي شارك فيها جعفر النميري تعتبر من انجازات الموساد التاريخية. ولا ينبغي الخلط بين الموساد كجهاز مخابراتي وجهاز اسرائيلي آخر يحمل نفس الاسم تأسس عام 1953. ويتألف من مجموعة من الاداريين ومندوبي الميدان في قسم الاستعلام التابع لمنظمة الهجاناة وتطور ليتولى مهمة الجهاز الرئيسي لدوائر الاستخبارات وهو من اهم فروع اللجنة العليا لرؤساء الاستخبارات. ويحدد القاموس المنوه به المهام الرئيسية لهذا الجهاز في ادارة شبكات التجسس في كافة الاقطار الخارجية وزرع العملاء وتجنيد المندوبين في كافة الاقطار: ــ ادارة فرع المعلومات العلنية التي ترد في النشرات والصحف والدراسات الاكاديمية والاستراتيجية في جميع انحاء العالم. ــ وضع تقييم للموقف السياسي والاقتصادي للدول العربية مرفقا بمقترحات وتوصيات حول الخطوات الواجب اتباعها في ضوء المعلومات السرية المتوفرة. ويضم الموساد ثلاثة اقسام: 1ــ قسم المعلومات. 2ــ قسم العمليات. 3ــ قسم الحرب النفسية. مستفيدا من جهود القسمين السابقين من حيث المعلومات وتحليلها ودراستها وطريقة نشر الفكرة الصهيونية. كما ان العمليات تشمل التخريب الشامل الاقتصادي الاجتماعي, السياسي وحتى الاخلاقي والزراعي كما يحدث حاليا في مصر والمملكة المغربية. ويدخل الخطف كما حصل للمهدي بن بركة الزعيم المغربي والالماني اودلف انجمان الذي اختطف من الارجنتين عام 1961. وحوكم في اسرائيل واعدم. اما القتل والاغتيالات فحدث ولا حرج فالقائمة جد طويلة. ومنها اغتيال محمود الهمشري وغسان كنفاني ووائل زعيتر عام 1972. واغتيال كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار عام 1973. وقد قام بالاغتيال ايهود باراك بنفسه بعد ان تنكر في زي اوروبية شقراء. ومنها اغتيال القائد الفعلي للانتفاضة الاولى 1987 ابو جهاد الذي اغتيل في تونس عام 1989. وكان اغتياله مقدمة لاغتيال الانتفاضة بالاتفاقات البائسة. وهناك جهاز استخبارات عسكري هو (امان) اختصارا لكلمتين عبريتين هما (ارغون موديعين) اي مكتب الاستعلام وهو مرتبط بوزارة الدفاع. وتساعد هذا الجهاز اربعة اجهزة: استخبارات الجيش والبحرية وجهاز مكافحة التجسس ومخابرات سلاح الجو. وهو ثاني جهاز بعد الموساد. وينصرف جزء من نشاطه لدراسة جيوش الوطن العربي وطاقاته وقدراته العملية والتكنيكية والميدانية. ويشارك في وضع الخطط الحربية. وهناك قسم خاص بالصحفيين الاجانب والبعثات الدبلوماسية. اضافة الى دائرة البحوث السياسية في الخارجية الاسرائيلية. ولا شك ان هذه الدوائر ذات كفاءة عالية فهي تقوم باعداد تقرير اسبوعي يرفع الى اللجنة العليا لاجهزة الامن يقيم الوضع الدولي كما يعد دراسات متخصصة في مجالات مختلفة. ويشرف عليه مجموعة من كبار الدبلوماسيين وحقيقة فإن هذه الاجهزة الامنية على بشاعة جرائمها تتوجه في جل انشطتها الى الخارج او الى الآخر. الآخر العربي والفلسطيني بوجه اخص. ان الدراسات القيمة التي اعدها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. وموسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية للباحث الاكاديمي عبدالوهاب المسيري. وبحث الاستاذ هيثم الكيلاني المذهب العسكري الاسرائيلي والاشارات الطفيفة في الموسوعة الفلسطينية لا تقدم قراءة وافية للاجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية. واذا كانت الاجهزة الاسرائيلية المنسقة استراتيجيا مع المخابرات المركزية الامريكية والتي لها اتفاقات وروابط متينة مع الكثير من الاجهزة الاوروبية توظف كل قدراتها العملية والتكنولوجية لقراءة الكف العربي الاعزل فإن سر نجاح هذه الاجهزة المعادية انها تعمل كجسد واحد. وعلى قلب ادارة وارادة واحدة وحيدة. فبمقدار ما الاسرائيليون موحدون في مواجهة الآخر غير اليهودي فإن العرب اضافة الى توزعهم على 22 دولة اغلبها فقير فإن اجهزتهم الامنية والمخابراتية منها خصوصا غالبا ما يتوجه نشاطها للداخل ومن هنا استطاع باروخ الجاسوس الاسرائيلي الذي سقط سهوا وقضاء وقدرا! في يد المخابرات اليمنية في مطلع السبعينيات استطاع ان يطوف بالوطن العربي. وان يرصد العديد من انشطة جيوشها وامنها. واستطاع ايلي كوهين ان يصل الى مستويات رفيعة في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا البلد القومي الذي كان يخوض معركة مصيرية مع اسرائيل. ومما لا شك فيه ان للمخابرات المصرية دور قومي مهم في مواجهة الموساد وحتى فضيحة ايلي كوهين قد كشفتها المخابرات المصرية. والمخابرات المصرية هي ايضا من عرف اليمنيين من هو باروخ. وقد قايضت به المخابرات المصرية مع اسرائيل لاطلاق العشرات من المصريين كما ان جهاز المخابرات المصرية هو من فضح قضية نافون عام 1955 وهي الفضيحة التي ادت الى استقالة وزير الدفاع وقد استهدف النشاط الاسرائيلي حزب المصالح الامريكية والبريطانية في مصر للايقاع بين المصريين من جهة والبريطانيين والامريكان من جهة اخرى. ورغم ان المخابرات المصرية هي الطرف القومي شبه الوحيد الذي يتصدى للتجسس والتخريب الاسرائيلي بكفاءة فإن الامن الفلسطيني في مرحلة ما قبل الخروج من بيروت قد لعب دورا في مواجهة نشاط الاستخبارات الاسرائيلية. ولكن الاختراقات للاجهزة الامنية الفلسطينية. وبالاخص في تونس قد اساءت كثيرا الى الامن الفلسطيني. والواقع ان مصر بوزنها وثقلها وتجربتها ومكانة دولتها وشعبها هي الاقدر على تحدي النشاط الاسرائيلي الخطر. ومع ذلك فإن التحدي بين الامن القومي واسرائيل لا يتجلى في مكان كما يتجلى في مصر. وقد مكنت اتفاقات كامب ديفيد الامن الاسرائيلي من التغلغل داخل مصر وزرع الجواسيس. والعمل على التخريب على نطاق واسع في المجال الزراعي والاقتصادي والفساد الاخلاقي ونشر الايدز والاوبئة الزراعية الفتاكة وقضية فائقة المصراتي وعزام عزام هي ما ظهر على السطح ليس الا. ولا شك ان الكيان العربي كله هدف للنشاط الامني الاسرائيلي ولكن الوجود الفلسطيني والكيان المصري هدف له اولوية في المواجهة مع الامة العربية. وكانت الموساد حاضرة في كل المعارك ضد الامة العربية منذ ما قبل 1948 وحتى اليوم. فهي حاضرة في ضرب المفاعل النووي العراقي بالتعاون مع المخابرات المركزية الامريكية. كما انها قد اعاقت نشاط وعمل الخبراء الالمان وفرضت عليهم عبر اعمال ارهابية وضغوط امريكية والمانية لمغادرة مصر ومنع تطوير الصواريخ المصرية منتصف الستينيات. كما قام الموساد باغتيال العقول العربية العاملة في مجال الذرة امثال المشد. بقي ان ندرك كعرب ان المجتمع الاسرائيلي مجتمع عسكري ــ حزبي ــ وان القوة العسكرية فيه هي المقولة للرئاسة ويمتزج الامن بالقوة العسكرية. بل ان الدولة اليهودية وديمقراطيتها ومؤسساتها المدنية تخضع بالمطلق لجبروت الاجهزة الامنية والقوة العسكرية ولعل الهاجس الامني والطبيعة الاستعمارية الاستيطانية لمجتمع غريب في وسط معاد هو ما فرض الاستناد المطلق على القوة الامنية والعسكرية. ويؤكد الاستاذ هيكل في دراسته للوثائق الاسرائيلية على حضور جهاز الموساد في المبادأة بتوجيه الضربة لمصر وسوريا والاردن في 5 يونيو 1967. كما يؤكد وعبر الوثائق اياها على دور الموساد في الحفاظ على المفاعل النووي في ديمونة وتوفير الغطاء اللازم لبنائه. وصيانة اسراره.