الملف السياسي: المخابرات الاسرائيلية ــ الموساد نموذج فريد من نوعه في العالم, فهي المخابرات الوحيدة التي قامت قبل قيام الدولة بنصف قرن, وهي المخابرات الوحيدة التي بنت دولة من الشتات والوهم بالإرهاب، ومص الدماء, وولدت من داخلها عصابة من القتلة والسفاحين واللصوص ثبتوا ورسخوا فوق أعناق العرب وأشلاء الفلسطينيين. عصابة في شكل دولة اسمها اسرائيل ولقد وضعت اللبنات القذرة الأولى لهذا الجهاز في المؤتمر الصهيوني الأول في (بال) بسويسرا عام ,1897 وترعرعت أوراقه في جنيف, وتلونت بدماء ضحاياه في فلسطين, وعملت بصماتها القذرة في أرجاء الكون على ترسيخ كيان هذه الدولة بصور مختلفة من الارهاب والخيانة والخوف والتآمر. يعترف بذلك مناحم بيجين رئيس وزراء اسرائيل في الثمانينيات ورئيس عصابة أرجون في الأربعينيات التي شكلت إحدى خلايا الموساد, فيقول: (إن الارهاب لا السلام هو الذي قامت على دعائمه اسرائيل). وعندما نشبت أعمال العنف والاضطرابات بين الفلسطينيين واليهود في عام ,1936 والتي قتل فيها 80 يهوديا, كلفت عصابة الهاجاناة (عزرا دافين) بتنظيم الموساد على أسس علمية لمواجهة العدائيات المتوقعة من جانب الفلسطينيين والدول العربية الأخرى. فكان (دافين) أول من وضع أسس جمع وتحليل المعلومات والاستفادة منها, وأساليب التجسس والعمليات الخاصة وزرع العملاء. وكان من أبرز العمليات التي أشرف عليها اغتيال اللورد البريطاني (أوين) في عام 1944 والتي اتهم فيها إسحق شامير عندما كان يعمل في عصابة (شتيرن), كذلك تفجير السفينة البريطانية التي كانت تقل 202 يهوديا من المشردين واستضافتهم في جزيرة موريشوس, وذلك بهدف اثارة السخط على البريطانيين. أبرز العمليات في تاريخ الموساد خطف (إنجمان) لمعرفته بأسرار التعاون بين الموساد والجستابو النازي. ولقد استغلت الموساد آلة الدعاية الجبارة التي تمتلكها, واستطاعت خداع العالم بأن هولت وضخمت من أخبار محرقة اليهود في المانيا النازية في الأربعينيات, رغم ما أثبته العلماء من استحالة مادية لحرق 6 ملايين يهودي في الأفران خلال هذه الفترة كما يدعي زعماء اليهود اليوم. ولكن كان ولا يزال الهدف واضحا من ترويج تلك الأكذوبة الضخمة لابتزاز أموال المانيا والدول الأوروبية الأخرى, وتبرير هجرة اليهود الى فلسطين واقامة دولة لهم هناك, ولو كان ذلك على حساب أرواح اليهود أنفسهم كما أثبتت أحداث التاريخ. إلا أن ما لم يكشف عنه إلا أخيرا هو أن الموساد في المانيا النازية كانت تعمل بشكل شرعي حتى عام 1938 من خلال المنظمة الصهيونية ليهود المانيا, وكان هناك تعاون بين الموساد والجستابو (جهاز الأمن الألماني) استمر حتى عام ,1941 كان (أدولف إنجمان) خبير الشئون الصهيونية بألمانيا همزة الوصل بين الموساد والجستابو الذي احتل فيه انجمان بعد ذلك رئيس قسم اليهود, ثم المسئول عن معسكر (أوستفيتش Ostesfites) لتجميع اليهود في المانيا. وبعد هزيمة المانيا ومحاكمة كبار مجرمي الحرب النازي في نورمبرج في 14/11/1945 وحتى أكتوبر 1946 كان انجمان هاربا لأنه الوحيد الذي يحمل سر تعاون الموساد مع الجستابو فقد كانت لدية وثيقة خطيرة عن صفقة تم التوقيع عليها مع (رودلف كاستنر) رئيس الوكالة اليهودية في المهجر وتقضي الوثيقة ببنود الافراج عن أثرياء اليهود فقط مقابل مواد تموينية وأموال قدرت بمليوني دولار قدمت الى الجيوش الألمانية في روسيا. وقد نشرت جريدة (هوتام) اليهودية في 10/8/ 1993 عن وجود وثيقة موقعة من اسحق شامير رئيس وزراء اسرائيل في أوائل التسعينيات تسلمتها سفارة المانيا في تركيا تفيد وتؤكد تعاون الموساد مع الجستابو في الوقت الذي كانت فيه الحرب على أشدها, وقد ألقت قوات الحلفات القبض على مندوب شامير في مكتب الجستابو في دمشق. وعندما اتفقت الموساد مع انجمان على نقل 1648 من أثرياء اليهود المعتقلين الى سويسرا مقابل عشرة آلاف شاحنة محملة بالأغذية, وتحرك القطار بالفعل بهم في يونيو 1944 تحت حراسة المانية, ومن سويسرا تولى الموساد نقلهم الى فلسطين, بقيت هذه الصفقة في طي الكتمان حتى تسربت الأخبار عنها, فاتهمت الموساد د. كاستنر بأنه وراء افشاء هذا السر, وتم اغتياله في تل أبيب, ثم بدأت الموساد في مطاردة انجمان هو الآخر بصفته الشاهد الوحيد الباقي في عملية تواطؤ الموساد مع الجستابو في شراء أغنياء اليهود دون غيرهم. وتم بالفعل خطفه من عاصمة الأرجنتين (بيونس أيرس) بواسطة مجموعة يرأسها (روفائيل ايتان) رئيس الأركان الاسرائيلي الأسبق, وقائد وحدة (لاركان) للعمليات الخاصة آنذاك, وكان ذلك في 11/5/1960 ونقل الى اسرائيل حيث تم اعدامه, وقبل اعدامه طلب أن يعتنق اليهودية, وعندما سئل عن السبب في ذلك أجاب: (أريد أن أهتف لنفسي أن كلبا يهوديا قد أعدم بالاضافة الى من سبقه من الكلاب)!!. سرقات نووية, وتصميمات الميراج, وزوارق الصواريخ, ومقاتلة (ميج-21) عراقية ومن أجل تشغيل مفاعل ديمونة النووي قبل أن تتمكن اسرائيل من انتاج اليورانيوم من فوسفات البحر الميت, كانت في مسيس الحاجة الى يورانيوم خام, وآخر مخصب. لذلك تمكنت الموساد من سرقة 200 رطل يورانيوم من شركة كمٍفخ في بنسلفانيا بالولايات المتحدة في عام 1968 وفي عام 1969 شن عملاء الموساد هجوما على شاحنات كانت تنقل يورانيوم في بريطانيا وفرنسا وتم تهريبه الى اسرائيل. كما اختفت في نفس العام سفينة المانية تحمل 200 طن خام يورانيوم ثم ظهرت بعد ذلك بأسابيع تحمل اسما جديدا وطاقما جديدا في ميناء حيفا. وفي 11/ 7/1985 اكتشف مفتشو الوكالة الأوروبية للطاقة النووية أن شحنة من 40 طن يورانيوم مباعة الى لوكسمبورج أعيد تصديرها الى اسرائيل بوسائل غير مشروعة, كذلك حصلت الموساد على أجهزة (بيكرنوزل) الخاصة بالأسلحة النووية من المانيا, و800-1200 جهاز توقيت تفجير نووي الكتروني (كرايتون) من وراء ظهر الولايات المتحدة. وعندما فرض الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول قيودا على تصدير السلاح وقطع الغيار الى اسرائيل بسبب عدوانها في عام ,1967 تمكنت الموساد من سرقة تصميمات المقاتلة الميراج من سويسرا في عام ,1967 مما ساعد اسرائيل على تصنيع المقاتلة (الكفير) وانتاج 195 طائرة منها, وتصدير بعضها للخارج. كما تمكنت الموساد كذلك من تهريب خمسة زوارق صواريخ (ريشيف) من أصل 12 زورقا فرض ديجول حظرا عليها, وكان ذلك في عشية عيد الميلاد 1969. ومن أجل الوقوف على أسرار المقاتلة (ميج21) نجحت الموساد في 16/8/1966 في شراء طيار عراقي (منير روفا) الذي تمكن من الهروب بطائرته الميح 21 الى اسرائيل, وكانت من أسباب نجاح المقاتلات الاسرائيلية في اسقاط المقاتلات ميج 21 أثناء حرب 1967 . اغتيال علماء النووية العرب, وخبراء الصواريخ الألمان, والقادة الفلسطينيين: ومن أجل احباط المشروعات النووية العربية قامت الموساد بعدة عمليات اغتيال للعلماء النوويين العرب منهم الدكتورة سميرة موسى عام 1953 والدكتور سمير نجيب عام 1967 في الولايات المتحدة, والدكتور يحيي المشد في باريس 1981 ود. نبيل القليني, وكذلك شراء العلماء الفرنسيين العاملين في البرنامج النووي العراقي مما سهل قصفه جوا في عام 1981. ولتخريب مشروع الصواريخ المصري, قام الموساد بملاحقة العلماء الألمان العاملين في هذا المشروع داخل مصر وفي المانيا عام ,1962 بواسطة الاغتيالات وطرود البريد الملغومة, كان من نتائجها اغتيال د. هاينز كردج في ميونخ. أما قائمة الموساد في اغتيال الزعماء الفلسطينيين فهي طويلة وتشمل عزالدين القسام, وسعيد الحماص, وعصام سرطاوي, وناجي العلي, وصلاح خلق, ووائل زعيتر, ومحمود الهمشري, وخليل الوزير (أبو جهاد), ويحيي عماش, وهانئ العابد ومحاولة اغتيال خالد مشعل في عمان عام 1997. اعترافات ديفيد كيمحي يعتبر ديفيد كيمحي من رجال الموساد الأوائل, الذي وصل الى درجة مساعد وزير الخارجية, وكان يقود شعبة العمليات (القذرة) في الموساد.. وقد اتهم في وسائل الاعلام الاسرائيلية أثناء مفاوضات عملية السلام بالتحيز للجانب العربي. وفي رده على هذا الاتهام قال لـ (صحيفة هآرتس) في مارس 1997: (كيف أتهم بذلك وقد قمت بأكبر الخدمات من أجل الوطن من خلال تأجيج نيران الحرب الأهلية في لبنان منذ عام ,1975 وتجنيد العملاء في أوروبا, والاتفاق على عدد من صفقات الأسلحة المهمة, واشعال الخلافات في لبنان لتمزيق صفوفه, وتصفية اتفاقية السلام مع مصر من خلال اشعال الفتنة الطائفية فيها, وتغذية النزعات بينها وبين باقي الدول العربية).. وأضاف أنه أثار عددا من الحركات الرافضة في مصر للسلام مع اسرائيل. وكان التخطيط يستهدف عزل مصر عن الشرق العربي وعن المغرب العربي, ثم اشعال الجبهات الداخلية بواسطة التنظيمات الاسلامية في مصر والجزائر والأردن, وتوريد السلاح الى هذه التنظيمات بأساليب غير مباشرة, كذلك اشعال الحرب في الصحراء المغربية من خلال توريد السلاح للبوليزاريو, واثارة الخلافات العرقية والمذهبية في دول الخليج, كما ذكر كميحي كيف ساهم في تسليح وتدريب الأكراد في مواجهة الجيش العراقي. واغتيال جميع المسئولين الفلسطينيين عن حادث ميونخ عام 1972 الذي قتل فيه 11 رياضيا اسرائيليا. وكان على رأس هؤلاء الفلسطينيين علي حسن سلامة (الأمير الأحمر) في بيروت. عمليات الموساد الفاشلة ليست الموساد بالأسطورة التي يظنها الكثيرون, فكما نجحت في عدد من العمليات فقد فشلت أيضا في عمليات كثيرة منها: القبض على الكثير من عملائها.. منهم في مصر المجموعة التي حاولت اغتيال العلماء الألمان عام 1962 برئاسة الجاسوس (لونز) والمجموعة التي أجرت تفجيرات في مراكز البريد والسينما ومحطة السكة الحديد عام 1954 فيما عرف بفضيحة (لافون). كما ألقي القبض أيضا على الجاسوس الاسرائيلي (صبحي مصارته) وابنته فائقة, وعلى الجاسوس (فاروق) وزميلته (هبة) في فرنسا أثناء حرب الاستنزاف عام 1969 (فيلم الصعود الى الهاوية). بالاضافة للجاسوس (عزام عزام) وليس بآخرهم الجاسوس شريف الفيلالي. وفي سوريا تم القبض على الجاسوس (ايلي كوهين) الذي زرع في دمشق تحت اسم (كامل أمين ثابت) في عام 1964 ووصل الى مركز مرموق في حزب البعث. أما في الولايات المتحدة حيث تنشط الموساد في جمع المعلومات التكنولوجية الأمريكية, بجانب المعلومات السياسية الخاصة بخطط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط, فسجل التجسس الاسرائيلي حافل, أبرزها اعتقال (جوناثان بولارد) وزوجته وكان موظفا في المخابرات البحرية الأمريكية, حيث قدم لاسرائيل آلاف الوثائق السرية. كذلك ايقاف (جون دويتش) رئيس المخابرات المركزية الأمريكية الذي تم ايقافه عن العمل والتحقيق معه, وما كشفت عنه الواشنطن بوست عام 1997 عن جاسوس اسرائيلي تحت اسم رمزي (ميجا) في الادارة الأمريكية, ثم كانت التحقيقات الأخيرة التي أجريت مع (مارتن أنديك) السفير الأمريكي في اسرائيل, والسفير (رونالد نيومان) المرشح كسفير في البحرين حول تسريب معلومات سرية الى اسرائيل من خلال حواسبها الالكترونية. ويعتبر (وادي السليكون) في كاليفورنيا من أبرز الأماكن التي تعج بعملاء الموساد بهدف سرقة الأسرار التكنولوجية والاقتصادية. كما نجحت المخابرات المصرية في تجنيد عدد من عملائها الذين تمكنوا من خداع الموساد, وكان الكشف عنهم بواسطة الجهات المصرية المسئولة بعد ذلك بمثابة ضربات موجعة للموساد.. منهم الفنان سمير الاسكندراني الذي حاولت الموساد تجنيده في ايطاليا عام ,1966 وأحمد الهوان (الذي عرف في المسلسل التلفزيوني بجمعة الشوان, وأدى دوره عادل امام), ورفعت الجمال (الذي عرف في المسلسل التي فزيوني برأفت الهجان).. وغيرهم. ولقد مر الموساد بسلسلة أخرى من السقطات, كان أبرزها اعتقال الموساد لأحد ضباطها السابقين ويدعي (يهود اجيل) لقيامه بامدادها بمعلومات كاذبة وجمع أموال بزعم اعطائها لمصادر معلوماته, واتضح بعد ذلك أنها مصادر وهمية, وكادت هذه المعلومات الملفقة أن تتسبب في اشعال حرب بين اسرائيل وسوريا, وفي ابريل 1991 القت الشرطة القبرصية القبض على أربعة من عملاء الموساد حاولوا دخول السفارة الايرانية في نيقوسيا ليلا وفي النرويج ألقي القبض على فريق من الموساد كان يسعى لاغتيال المسئول الفلسطيني علي حسن سلامة, وبدلا من ذلك قتل جرسون مغربي عن طريق الخطأ. ناهيك بالطبع عن فشل الموساد في اكتشاف التعاون الاستراتيجي بين مصر وسوريا والذي أدى الى قيامهما بشن حرب أكتوبر ,1973 وفاجأت الجميع في اسرائيل مما أدى الى زلزال داخل جميع مؤسساتها السياسية والأمنية, وهو ما اعترفت به لجنة (أجرانات) للتحقيق في أسباب هزيمة اسرائيل. احتياجات جديدة من المعلومات تبحث عنها الموساد: بالنظر لسهولة الحصول اليوم على المعلومات العسكرية عن الدول العربية بالنظر لما تتيحه أقمار التجسس وعملاء الموساد في الدول المصدرة للسلاح مثل الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما, فقد أصبحت الحاجة ماسة اليوم لمعرفة نوايا القيادات السياسية والعسكرية في الدول العربية أكثر من معرفة اعداد ونوعيات الأسلحة والمعدات وأماكنها. وهذه النوايا تعكسها خطط الاستخدام الاستراتيجي للجيوش العربية. وإن كانت الحاجة ما زالت ماسة للوقوف على مستوى الكفاءة القتالية لهذه الجيوش خاصة ما يتعلق بالروح المعنوية. هذا بالاضافة لمعلومات عن مستوى التجانس الاجتماعي في الدول العربية, وحقيقة الحالة الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية, والمشروعات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى (مثل مشروع توشكي في مصر) والتي من الممكن في حالة استكمالها أن تحقق تحولا نحو الأفضل في المستويات الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية, وما يعكسه ذلك من مزيد في قوة الدول العربية على الصعيدين السياسي والاستراتيجي. * خبير استراتيجي مصري