بيان الاربعاء : د.رؤوف عباس أحد المؤرخين البارزين في مصر في الثلث الأخير من القرن العشرين, وهو من أوائل المؤرخين المعاصرين الذين كرسوا بحوثهم ودراساتهم لاتجاه الدراسات الاجتماعية في التأريخ المصرى المعاصر، فتاريخ الحركة العمالية المصرية في مصر (1899 ــ 1952) هو موضوع رسالة الماجستير التي قام بها, والنظام الاجتماعى في مصر في ظل الملكيات الزراعية الكبيرة هو موضوع رسالته للدكتوراه, وقد تخرج دكتور رؤوف عباس من قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة عين شمس في عام ,1963 وعين معيدا بقسم التاريخ بآداب القاهرة عام ,1967 ومنذ هذا التاريخ وهو يكافح للوصول الى مقررات دراسية لطلاب القسم تجعل منهم مؤرخين أكفاء في تناولهم للجوانب المختلفة في تاريخ مصر ورغم ان البيروقراطية كانت عدوة له دائما الا انها لم تثنه عن تطوير هذه المقررات الدراسية قدر ما استطاع, هذا فضلا عن اثرائه الدراسات التاريخية المصرية بما قدمه من دراسات وبحوث ومؤلفات وصلت الى أكثر من (14) مؤلفا متنوعة الاهتمامات التاريخية فمنها دراسات عن الحركة القومية المصرية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين, وتحقيق لمذكرات الزعيم الوطنى محمد فريد, وكتابات في تاريخ تطور الرأسمالية المصرية.. هذا وقد ترأس عباس قسم التاريخ في جامعة القاهرة منذ عام 82 ولمدة خمس سنوات, وهو حاليا يعمل استاذا متفرغا بالقسم ومشرفا على (سينمار) التاريخ العثمانى الذى قام بتأسيسه فضلا عن رئاسته الجمعية التاريخية المصرية. وقد حصل عباس على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لهذا العام. وفى مبنى التاريخ العريق بكلية الآداب جامعة القاهرة التقيناه. * بالرغم أن مصر تزخر بكثير من أساتذة التاريخ ذوي الخبرة والمؤرخين ذوي المكانة الا انه يلاحظ ان الكتب التاريخية المدرسية أو الموسوعات العامة يوجد بها الكثير من الاخطاء والمغالطات التاريخية التى تثير الدهشة ومن شأنها بطبيعة الحال تشويه الذاكرة القومية للأجيال التى تتلقى معلوماتها التاريخية من هذه المصادر. ترى ماسبب هذا الخلل الكبير في كتابة تاريخنا؟ ـ التاريخ يستخدم في التعليم كمادة للتربية الوطنية وكل أمة تضع في اعتبارها ماتريد ان تبثه في الأجيال القادمة ومن المفترض ان هذا التوجه ثابت, في حالة مصر تجد أن مناهج التاريخ تأثرت بإختلاف التوجهات السياسية ففى العصر الملكى كان التركيز على الفكرة المصرية والتاريخ التركى تاريخ أسرة محمد على, وفى عهد عبد الناصر يبرز الاتجاه القومى في كتابة تاريخ مصر وتخفت الأضواء عن تاريخ أسرة محمد علي. وفى عصر السادات أدخلت أيضا تغيرات على مقررات التاريخ المدرسية لتخدم توجهات النظام فأستمر اهمال الفترة الفرعونية ومما أرتبط بها من امتدادات مثل العصر القبطى لصالح الاهتمام بالتوجه الاسلامى الذى أصبح يحظى بالنصيب الأكبر من المقررات التاريخية المدرسية التى تميزت أيضا في هذه الفترة بعدم الحديث عن الكيان الصهيونى كعدو مع تسليط الأضواء على اهمية السلام مع اسرائيل مما أوجد أجيالا لديها تشوه في التوجه الوطنى وأصبح لدينا أجيال تربت على تأريخ ماقبل يوليو وأجيال تربت على تأريخ عصر السادات ومابعده هذا أوجد حالة من القلق تتعلق بتحديد الهوية وهذا ماخدم في النهاية التيار السياسى الاسلامى بإعتبار ان الدين هو الحقيقة الثابتة وسط المتغيرات. هناك ايضا ملاحظة هامة فيما يتعلق بكتابة المقررات التاريخية في المراحل التعليمية المختلفة فغالبا ما توكل إلى اناس يمكن ان نطلق عليهم (ترزية المقررات) فهؤلاء يبلغون بتعليمات محددة من وزارة التعليم ثم يضعون المقررات تبعا لهذه التعليمات وكثيرا ماتأخذ عمليات الصياغة في هذه المقررات طابع (القص واللصق) مما يجعل الكثير من المعلومات التاريخية الواردة فيها يحمل الشئ ونقيضه ناهيك عن المغالطات التاريخية المباشرة. نحن والتاريخ * إذا كان مفهوم المدرسة التاريخية يتعدى الاهتمام بدرس قضايا معينة في التاريخ الى امتلاك رؤية حرة وكلية محددة تمتلك وسائلها المنهجية في تحليل الوقائع التاريخية.. هل توجد مدرسة تاريخية مصرية تبعا لهذا المفهوم؟ ــ في المدرسة التاريخية المصرية أساتذة عمالقة في مختلف التخصصات فلا أحد يستطيع أن ينكر الجهد العظيم الذى بذله أحمد فخرى في التاريخ الفرعونى وكذلك أعمال سليم حسن التى تمثل موسوعة مصر القديمة أعظمها, وأيضا الاسهامات الجليلة لأعمال حسن إبراهيم حسن وتلاميذه في التاريخ الاسلامى, يجب الفصل بين مايسود الكتابة التاريخية في الكتب المدرسية وبين تناول التاريخ في الدراسات الأكاديمية كذلك هناك الجيل الذى أمثل أنا واحدا من أفراده والذى كانت له اضافته بماأبداه من اهتمام للبعد الاجتماعى في الدراسات التاريخية مع ذلك لا توجد لدينا مدرسة تاريخية بالمعنى العلمى تستخدم توجهاً فكرياً معيناً في كتابة التاريخ. فليس لدينا مدرسة مثل مدرسة الحوليات في فرنسا التى تنظر للتاريخ وفقا لرؤية عادية ومفهوم خاص بالمجتمع. وقد كتبت دراسة نشرت في مجلة كلية الآداب تدعو الى البحث الجدى عن رؤية منهجية تعبر عن واقع تاريخنا وليس من خلال مناهج البحث التاريخى الغربية, فلماذا الاصرار على أن تكون مصادر البحث التاريخى هى المصادر الرسمية فهناك مصادر أخرى غير رسمية لا تقل أهمية عن هذه المصادر الرسمية مصادر ينتجها المواطن العادى فالفلكور يعتبر مصدرا مهما لكونه يعبر عن وجدان الشعب, كذلك الرواية التاريخية من المصادر المهمة في البحث التاريخى لكونها تتعرض لحقب عاصرها المؤلف, تبعا لرؤيته هذه التى لا توجد في الوثائق الرسمية. هذه المادة المحلية لن يتصدى لها بامتياز سوى الباحث المصرى لان مهما بلغت درجة اتقان اللغة لدى الباحث الغربى ومعرفته بالثقافة المحلية فستظل أمامه مواقف غامضة لا يستطيع التعامل معها سوى الباحث المصرى. وتعود أسباب غياب مدرسة تاريخية مصرية ذات رؤية خاصة من وجهة نظرى الى ضعف التكوين المنهجى للباحثين في المجالات التاريخية فكتب منهاج البحث العلمى التى يدرسها الطلاب في أقسام التاريخ الأكاديمية كتب مترجمة وأغلبها ترجمة مجتزئة من كتب يعود تاريخها الى الحرب العالمية الثانية. فالمعرفة المنهجية التاريخية متوقفة ولا يوجد في الجامعات المصرية أدوات منهجية متطورة أو من يعمل على تطويرها. فالاحصاء مثلا اداة منهجية سارت اداة مطلوبة في الدراسات التاريخية ومع ذلك فالباحث التاريخى لدينا لا يعرفها جيدا. فدارس التاريخ لدينا الذى يفترض فيه انه يعد ليكون باحثا في التاريخ لا يزود بالمعرفة الكافية التى تسمح له بدرس التاريخ الشفوى أو الفلكلور لانه لا يملك الأدوات المنهجية التى تسمح له بذلك. فنحن عاجزون عن تطوير المناهج الغربية في الدراسات التاريخية التى تخصنا وفى نفس الوقت رافضون التعاطى مع تجارب الكتابة التاريخية في الشرق مثل الكتابات اليابانية والكتابات الصينية. * اذا لم يكن هناك مدرسة مصرية تاريخية ذات ملامح محددة في العصر الحديث هل يمكن القول ان كتابات المؤرخين الاسلاميين في مصر بدءا من عهد ابن عبدالحكم الى ابن اياس مثلت مدرسة تاريخية شديدة التميز في عصر مصر الاسلامية؟ ـ الحقيقة لا نستطيع ان نقول ان كتابات هؤلاء المؤرخين مثلث مدرسة تاريخية نظرا لان كتابات هؤلاء المؤرخين تعتبر معرفة ناقصة فلم تقوم على مناهج محددة فضلا على انها خلت من كتابات في المنهج بشكل فكرى وتأسيسى على الرغم من ان ابن خلدون كتب في المنهج, ولكن يمكن الاستفادة من هذه الأعمال الآن لو عكفنا على دراستها من مدخل منهجى يكرس لدراسة الأعمال التاريخية التراثية ويكون له رؤية محددة في النظر الى هذه الثقافة فضلا عن رؤية الغرب لها. * ان لم يكن هناك مدرسة تاريخية مصرية ذات رؤية منهجية محددة فهل هناك رؤية ذاتية تحكمكم في تناولكم للوقائع التاريخية؟ ـ الحقيقة اننى اعتبر واحدا من المهتمين بالتاريخ الاجتماعى وبالتالى ينصب اهتمامى على توسيع الدائرة التى تساعد على كتابة التاريخ الاجتماعى بمختلف فروعه وفى اطار ذلك اهتم ايضا بالتغيرات الاقتصادية وعلم اجتماع المعرفة وبالثقافة بمعناها العام التى تعنى رسم اطار للمجتمع كما اننى احاول ان اتخلص من تناولى للاحداث التاريخية من رؤية الغرب فمثلا ظل دارسو التاريخ ينظرونه الى العصر العثماني على انه عصر ظلام وركود وهذه الرؤية للعصر العثمانى رؤية التاريخ والباحثون فيه لدينا يصفون العصر العثمانى رؤية غربية الغرض منها ابراز الدور الحضاري للاستعمار الأوروبى للشرق على انقاض الخلافة العثمانية وعليه أوليت اهتماما كبيرا للعصر العثمانى وتناولته برؤية جديدة تبرز مافيه من جوانب حضارية جيدة وتشاركنى في هذا د.نيللى حنا بالجامعة الامريكية ونحن نعمل معا لتكوين وتربية كوادر تتعامل مع تاريخ العصر العثمانى وهى تمتلك الأدوات المنهجية المناسبة وهذا من خلال سينمار التاريخ العثمانى الذى عاد يجذب شباب الباحثين في التاريخ من مختلف الجامعات المصرية ونتناول فيه موضوعات تكشف عن صفة المجتمع المصرى في هذا العصر ونتطلع ان ندرس انطلاقا منه وثائق المحكمة الشرعية. جدير بالذكر اننا لدينا في مصر اعدادا هائلة من المخطوطات موزعة في أكبر مراكز وجامعات مختلفة لم نتعرف الا على 10% من حجمها الكلى وظل الباقى مجهولا بالكلية لم يصنف أو يعرف حتى محتواه. * ماذا عن دور الكتابات التاريخية المصرية والمؤرخين المصريين في تنمية الدراسات التاريخية في العالم العربى في العقود الأخيرة خاصة ان هناك من يقول ان هذا الدور كان له من الأثر السلبى أكثر من الايجابى حيث نقل سلبيات الكتابة التاريخية المصرية الى كتابة التاريخ في الدول العربية؟ ــ هذا الرأى محض افتراء طبعا.. فالدكتور أحمد عزت عبدالكريم أسس لسينمار تاريخ العرب منذ الستينيات في جامعة عين شمس هذا السينمار الذى كون خبرات في تاريخ العرب من المصريين وغير المصريين ومن هؤلاء جمال زكريا القاسم الذى تعد كتاباته في تاريخ الخليج تعبيرا عن وجهة النظر العربية في مقابل افتراءات الغرب حين يتصدى لتاريخ الخليج, ايضا تاريخ العراق قام على كتابته مصريون وعراقيون درسوا في الجامعات المصرية, ايضا تاريخ المغرب كان متروكا للغربيين في الكتابات الأولى وفيما بعد درس على أيدى المصريين والمغاربة الذين تقدموا برسائل أكاديمية عن هذا التاريخ الى الجامعات المصرية. ايضا القضية الفلسطينية فقد درست من قبل المصريين والفلسطينيين والسوريين ومثل هؤلاء عادل غنيم وهند البربرى التى لهاكتابات في تاريخ فلسطين الاجتماعى وكلاهما درس في مصر. ايضا نفس الشأن بالنسبة لتاريخ اليمن فقد قام بكتابته مؤرخون يمنيون درسوا في مصر.. فالدور المصرى له أثره الايجابى البارز على الكتابات والمؤرخين العرب وليس العكس, أما الضعف المنهجى في الكتابات التاريخية العربية فهو متماثل بين دول الأمة العربية كلها نظرا للظروف المتشابهة التى يكتب فيها التاريخ في هذه الدول أما القاء القصور الذى في هذه الكتابات على كاهل المصريين هو نوع من الغبن والجحود للجهود المصرية التى بذلت في كتابة تاريخ العرب. الانبهار بالغرب * كان لاسهامات الفيلسوف والمفكر الفرنسى ميشيل فوكو في نقد المعرفة التاريخية والتشكيك في عملية التاريخ صداها لدى كتاب التاريخ العرب على الأقل في نظرتهم الى التاريخ ومنهم وضاح شرارة الذى يقول (ان الفكر العربى التاريخى كان ومازال فكر دولة لا بمعنى تمثيل مصالحها وطبقاتها وخدمة أجهزتها بل بمعنى انه يعقل التاريخ (الأدوار والحدث والحبكة أو الدراما أى التحول) تحت وطأة انقسام حاد بين مجالين متناحرين هما المجتمع المدنى والدولة, والمفكرون التاريخيون (حتى الماركسيون منهم) في ضفة الدولة الرأسمالية شاءوا أم أبوا لأنها تسيطر على تقنيات الفعل والقول. تعليقكم؟ ـ لدينا مشكلة مزمنة تجاه الغرب فأى نظرية جديدة تظهر به نجد كثيرين ينبهرون بها ويروجون لها ويكيفون فكرهم والواقع على مقاس النظرية الجديدة. فالدولة لدينا في مصر أو المنطقة لها دور لا يمكن تجاهله والانفكاك منه فهى توجه لحركة المجتمع وفضلا عن ان طبيعة السلطة في الغرب فمؤسسات المجتمع المدنى في الغرب ليست جزر منعزلة مستقلة بل هناك علاقات من الترابط والتداخل بين هذه المؤسسات ومؤسسات السلطة وكل واحدة لا تعمل بمعزل عن الآخرى. النشاط الاقتصادى مثلا ليست بمفهوم الحرية المطلقة التى تعتمد على المصلحة الذاتية للفرد وانما تعمل من داخل اطار المصلحة العامة للمجتمع وسلطاته. أرى ان هناك من الكتاب العرب من يهتم (باللافتات) ويحاولون ان يكيفوا واقعنا الخاص مع كل نظرية جديدة تظهر في الغرب كنوع من الالتقاء مع الفكر العالمى وأنا أرى ان الفكر العالمى ليس بالضرورة هو فكر الغرب بل ان هناك تجارب في الهند يجب الاطلاع عليها والاستفادة منها. * لكم دراسة عن تاريخ جامعة القاهرة وكذلك عدة أوراق عن الأوضاع في الجامعة المصرية.. ومؤخرا جاء الى مصر المفكر الفرنسى جاك دريدا وأهم دعوة وجهها الى المثقفين المصريين هى العمل على الحفاظ على أن تكون الجامعة حرة ترى الى أى حد يمكن أخذ هذه الدعوى بجدية في ضوء تاريخكم الأكاديمى الطويل في الجامعات المصرية التى وصلت فيها الى منصب وكيل كلية الآداب والا تعتبرها سخرية مضافة لما وصلت إليه أحوال الجامعة في مصر؟ ــ دريدا يقول مايقول لأنه لا يعرف الجامعة في مصر فالجامعة لدينا بخلاف جامعات الخارج فنحن هنا في جامعة تحكمها سلطة أبوية بل سلطة عسكرية بحيث يمكنك ان تشبه الاستاذ باللواء والمدرس بالعقيد وهكذا فالجامعة لدينا ليست قلعة للفكر الحر بل قلعة لوأد الفكر الحر هى اضافة لرصيد الجمود والتخلف وليست اضافة لرصيد التقدم فالحرية في الجامعة وهم فالجامعات في مصر معتقلة ومكبلة بجهاز يدعى المجلس الأعلى للجامعات وهو جهاز ليس له أى فاعلية سوى املاء رغبات السلطة على الجامعة وتوجيه حركة الجامعات تبعا لما يراه صالحا من وجهة نظر أمنية. فهذا الجهاز هو الذى يتحكم في تولى أى منصب في الجامعة بدءا من رئيس الجامعة وانتهاء برئيس القسم فضلا عن انه المخول بإقرار وتعديل المناهج في الجامعات وكل هذا يتم تبعا لوجهة النظر الأمنية وليس تبعا للمصلحة الأكاديمية. فلا حرية ولا صلاح ولا تقدم في الجامعة الا بفك الارتباط بين الجامعات والحكومة وبعد ذلك يمكننا الكلام عن الجامعات كمؤسسة أكاديمية حرة تتولى اختيار قياداتهاوتأخذ برأى أعضائها. المؤامرة الامريكية * ادراج دور الغرب كعنصر مؤثر في تعطيل مشروع التنمية الوطنية المستقلة والشك في معلومات الميديا الغربية وليس أخذها على انها من المسلمات في تحليل اسباب تخلفنا باتت هذه الاتجاهات تلقى معارضة شديدة من قبل بعض المفكرين تبعا لضرورة التخلى عن نظرية المؤامرة حيث انهم يرون ان ذلك من قبل مداراة العجز الذاتى والهروب من المسئولية أكثر منه بحثا عن الأسباب الحقيقية للتخلف. نحن نطلب رأيكم في هذا الخلاف؟ ـ الدور الأمريكى معروف في تعطيل وافشال مشروعات التنمية الوطنية المستقلة وهذا لا يمنع ان تكون هناك أسبابا كثيرة وأساسية تعود علينا بالاساس وعلى مسئولينا وحدنا في تخلفنا. سوى ان الذين يرفضون رؤية دور الغرب في تعطيل مسيرتنا التنموية هم بالاساس لديهم احساس بالهزيمة ومنهزمين من الداخل ولديهم احساس بعقدة النقص تجاه الغرب وتجدهم في الحوارات الدائرة حول العولمة يعلون من قيمة الغرب ويدرجون لدور التبعية مع الغرب وينظرون الى أى محاولة لتدعيم هويتنا وخصوصيتنا تجاه الغرب كنوع من رفض التقدم ويرون أنه لابد الانفتاح على الغرب دون أى احترازات تبعا لوجود الانترنت والسماوات المفتوحة وأنا لست ضد الانفتاح على الفكر العالمى والاستفادة منه ولكن الا يكون هذا على حساب هويتنا فليست المسألة ان تقف مستلبا من حقوقك لكى تكون ليبراليا جيدا في تعاملك مع الآخر وهذا مالا يفعله الغرب نفسه وأحيل هؤلاء الى الخطابات التى وجهت أخيرا من قبل الجامعة الأمريكية الى المجلس الأعلى للثقافة وتحذره من ترجمة أى كتاب في المشروع الذى يقوم به المجلس لترجمة الفكر العالمى المعاصر من دون الرجوع الى دار النشر الاصلية لموافاتها بحقوقها في النشر وهذا ما يمكن ان يعطل هذا المشروع لان تطلب دور النشر مبالغ طائلة. هذا المثال اذكره للذين يريدون ان يسلبونا حقوقنا تحت دعاوى ان تنبهنا للغرب ودوره في تعطيل مسيرتنا التنموية نوعا من الوهم بالمؤامرة لتبرير عجزنا الذاتى. * لكم اكثر من دراسة عن تطور الرأسمالية المصرية السؤال هل الفساد الذى نشهده الآن في ممارسة الرأسمالية من تحويل أرباحها إلى الخارج أو التهرب من الضرائب أو من سداد مديونياتها الكبيرة للبنوك أو هروب عناصرها بعد نهبهم مليارات من أموال المصريين هل هذا الفساد مرتبط بأصول الرأسمالية المصرية منذ تكونها أم انه مرتبط بحالات فردية تبعا لتصريحات الحكومة مع كل حالة فساد أم لفساد مناخ الاستثمار بكامله في مصر وعلاقته القوية بالفساد الادارى بالدولة ايضا؟ ـ أعتقد ان مانراه من فساد في اداء الرأسمالية مرتبط بالأساس بالفساد الادارى, فالرأسمالية المصرية هى امتداد لرأسمالية طلعت حرب التى بنت قلعتها الممثلة في بنك مصر بهدف الاستقلال النقدى والاقتصادى كمقدمة للاستقلال السياسى ورغبة منها في اقامة اقتصاد وطنى أما السلبيات التى اصابت الرأسمالية المصرية فيما بعد فترجع الى الطريقة التى عملت بها هذه الرأسمالية في السبعينيات ابان فترة الانفتاح الاقتصادى وما تلاه من مشروعات خصخصة القطاع العام فمعظم المشروعات الموجودة حاليا التى تنشط فيها الرأسمالية المصرية مشروعات استهلاكية لا تسهم اسهاما حقيقيا في التنمية الاقتصادية المصرية فأغلبها مشروعات لانتاج السيراميك التى تستهلك بالداخل ولا تستطيع المنافسة به في الخارج فضلا على انها لم تنم سوق العمل انما هى مشروعات تقوم على الربح الكبير والسريع. بينما كان بنك مصر وراء خلق رأسمالية تتجه الى حركة تصنيع حقيقية, ولدينا تجربتنا في ادارة الاقتصاد في مصر في العصر الحديث الأولى كانت تعتمد الاقتصاد المدار وهى تجربة محمد علي التى كانت تبغى الوصول الى اقتصاد مستقل لكن التجربة حوصرت, واقام خلفاء محمد على اقتصاد التبعية مع الاحتلال الأجنبى ومنذ طلعت حرب حاولت الرأسمالية اقامة قاعدة مصرية مستقلة وحين جاءت ثورة يوليو عملت على تنمية هذا الاتجاه في اقامة رأسمالية وطنيه لذا اخذت الدولة على عاتقها تنمية الصناعات الثقيلة وفتح الباب امام الرأسمالية الوطنية بتأميم وفرض الحراسة على ممتلكات الأجانب في مصر ولكن للاسف لم يقبل الرأسماليون المصريون على السير تبعا لهذا النهج انما تمركزوا في القطاع الزراعى واضطرت الدولة ان تدير الاقتصاد الصناعى (57 ــ 61). وفيما بعد شاركت الرأسمالية مشاركة هزيلة حتى فتح الباب للشركات العالمية ابان الانفتاح الاقتصادى فصارت الشركات الرأسمالية المصرية شركات تابعة للرأسمالية العالمية أكثر من كونها شركات ذات تنمية وطنية مستقلة. وأكبر دليل على ذلك تحولنا من دولة أولى في زراعة القطن ودولة أولى في صناعة المنسوجات الى سوق استهلاكى لمنتجات الدول الأخرى من المنسوجات. سري للغاية * كشف كتاب (سرى للغاية) الصادر في السبعينيات والذى يحوى محاضر لجان تصفية الاقطاع التى قامت عام 1966 عن حجم النفوذ الكبير للاقطاع في الريف المصرى بل ان ملكية بعض العائلات الكبرى زادت في عهد الثورة وتضاعفت عما كانت عليه قبل الثورة والاصلاح الزراعى ناهيك عن تسلط هذه العائلات وتغلغلها في الاتحاد الاشتراكى التى كان مفترض فيه انه مؤسسة لحماية الجماهير لا لقهرها هذه المؤشرات الا تحتاج الى تفسير تاريخى خاصة انها تتناقض مع ما كان معلن من جانب الثورة وهو القيام على تصفية الاقطاع؟ ـ مشاريع الاصلاح الزراعى لم تبدأ مع الثورة بل كانت هناك مشاريع للاصلاح الزراعى وتحديد حد أقصى للملكية الزراعية في مصر قبل الثورة واذكر من هذه المشاريع مشروع سعدى خطاب من جماعة النهضة القومية ومشروع ابراهيم بيومى مدكور ومشروع ابراهيم شكرى وكلها كانت مشاريع منطلقة من محاولة استباق أى انفجار فلاحى في الريف المصرى لحجم القهر والذل الواقع على الفلاحين الذى قد يؤدى الى ثورة فلاحية يكون لها اثار لا يمكن الحد منها, ومن هنا كان كبار الملاك يترقبون من الثورة قانونا للاصلاح الزراعى والحد من الملكية فاستبقوا هذا القانون الذى حدد الحد الأقصى للأسرة 200 فدان وباعوا مازاد عن ذلك الى فلاحين يعملون لديهم أو حتى خادمات في بيوتهم بحيث تكون ملكية هؤلاء صورية وفى نفس الوقت يحافظون على أملاكهم من قانون الاصلاح الزراعى. وبالتالى وصلت الملكية الفعلية لبعض العائلات الى آلاف الأفدنة مثل عائلة (أبوحسين) بالمنوفية بل واخترقت هذه العائلات الجمعيات التعاونية الزراعية والاتحاد الاشتراكى وجعلت ابنائها فيها ممثلين لمصالح الأسرة لا لمصالح الفلاحين وكذلك حدث ذلك في مجلس الشعب. وساعد على هذا ان الثورة في حقيقتها لم تكن تستهدف حركة راديكالية في تغير طبيعة الملكية في الريف المصرى بقدر ما كانت ترفع شعار تضييق الفوارق بين الطبقات هذا لا يقضى على الصراع الطبقى بل يخفف من حدته. دار الوثائق القومية * تكلمتم بمرارة شديدة أكثر من مرة عن صعوبة الاطلاع على الوثائق القومية لصياغة تاريخ مصر وخصوصا وثائق ثورة يوليو. ترى ماالحل في وجهة نظركم لهذه المشكلة وخصوصا وأنكم من ضمن الهيئة المشرفة على العمل في دار الوثائق القومية؟ ـ الحل لهذه المشكلة هو تبعية دار الوثائق القومية لسلطات رئيس الجمهورية بحيث يوضع فيها كل المذكرات والأوراق السياسية التى تصدر عن الديوان الجمهورى ويرأسها رجل ذو خبرة وسيادة بحيث سلطاته تساوى سلطات وزير ليحل أى مشكلة تكون متعلقة بالاطلاع على هذه الوثائق وبالطبع هذا لا يمنع من تحديد المدد المناسبة التى يراها الديوان الجمهورى في حفظ وسرية هذه الوثائق لكننا نضمن بهذا عدم ضياع هذه الوثائق من ناحية والقدرة على الاطلاع عليها طالما انقضت مدة سريتها كما يحدث في أى مكان في العالم هذا لنتمكن من صياغة مراحل مهمة ودقيقة ومازالت مبهمة في تاريخنا الوطنى لكن مايحدث الآن من فوضى في دار الوثائق فهذه الدار اصبحت ادارة عادية في وزارة الثقافة يرأسها موظف عادى يمكن ان يأخذ أوامره من وزارة الثقافة والداخلية وليست له سلطات حقيقية في الزام الهيئات الحكومية بارسال صور من وثائقها القومية المهمة للدار أما بالنسبة لوثائق الفترة الملكية ووثائق ثورة يوليو فأرشيف الفترة الملكية في سراى القبة وهى وثائق منذ أيام الملك فؤاد وهى محرزة وممنوع الاطلاع عليها (لاحظ المدة التى مضت عليها) وهناك جزء من وثائق الفترة الملكية ووثائق ثورة يوليو في قصر عابدين ولكن لكى تطلع عليها لابد من المرور باجراءات أمنية طويلة فضلا على انها غير مفهرسة والمكان غير معد للبحث والاطلاع كما انه ليس من حق المطلع تصوير أى من هذه الأوراق. أقول هذا ومن المعروف في العالم كله ان أرشيف الدولة السرى يتحدد لوثائقه مدد معينة لسرية الوثائق التى فيه تبعا لأهمية كل وثيقة وماتراه الدولة بشأنها وبعد انقضاء هذه المدة التى يمكن ان تكون 30 سنة أو 50 سنة يكون من حق أى باحث الاطلاع على هذه الوثائق. وهذا ماحدث مع وثائق حرب 48 في فلسطين المحفوظة في دار الوثائق القومية ببريطانيا فقد بدأ الافراج عن هذه الوثائق بدءا من سنة 1978 وقد اطلعت بنفسى في هذه الدار على وثائق حلف الاطلنطى التى وجدت من بينها ملفات تخص مذكرات مقدمة من دول الحلف (أمريكا, بريطانيا, تركيا) في خطورة الحكم الناصرى في مصر على مصالح الحلف ومقترحات من نفس هذه الدول تحوى خطط منذ عام 1964 لتصفية هذه التجربة وأما الخطة التى أخذ بها فعلا في ضرب التجربة الناصرية في مصر فكانت موضوعة في ملف لن يسمح بالاطلاع على محتوياته الا بعد عام 2015. أحزاب سلطوية * لكم أكثر من دراسة قدمتم من خلالها نقدا للاحزاب والحركات الايديولوجية قبل الثورة.. ترى ما التغيرات التى طرأت. على هذه الأحزاب والحركات الايديولوجية بعد مرور أكثر من 50 سنة من وجهة نظركم؟. ـ الحقيقة ان نشأة الأحزاب الثانية في مصر بعد الانقطاع الذى حدث في عهد عبدالناصر كانت نشأة سلطوية فقد كان الغرض منها توزيع التيارات الايديولوجية على ثلاثة أحزاب هى حزب الاحرار ممثلا للتيار اليمينى وحزب مصر ثم الحزب الوطنى ممثلا لتيار الوسط وحزب التجمع ممثلا لتيار اليسار وترأس الثلاثة أحزاب ضباط وحين تم احياء حزب الوفد الجديد اجتمع السادات مع ابراهيم شكرى وكلفه بتكوين واعلان حزب العمل الذى يعتبر امتدادا لحزب مصر الفتاة وقد شجع السادات بعض المقربين اليه للانضمام لحزب العمل مثل محمود أبووافية عديل السادات, وفى حركة مباغتة انتقل السادات من حزب مصر الى الحزب الوطنى وهرول الجميع وراءه, وهكذا فهذه الاحزاب سقطت من أعلى ولم تخرج من أسفل كما هو مفترض في الاحزاب الجماهيرية. ففى نشأة مصطنعة وليس لهذه الاحزاب أى وجود بين الجماهير, وكلها تستمد شرعيتها من الماضى فالحزب الوطنى يقول انه وريث ثورة يوليو كذلك حزب التجمع وحزب الوفد يقول انه امتداد للوفد القديم منذ النحاس متغافلا عن كل التغيرات التى حدثت, أما بالنسبة للحركات الايديولوجية ففيما عدا الاخوان المسلمين الذين استطاعوا ان يرسخوا قواعدهم الجماهيرية عن طريق تواجدهم المستمر في المساجد وعلى المنابر وربما العمل النقابى. واستطاعوا ان يكونوا تيارا قويا في الشارع المصرى مؤثرا وان كان غير معترف به رسميا. يبقى تيار مصر الفتاة هذا الذى ذاب من تبقى من قياداته في تنظيمات ثورة يوليو مثل فتحى رضوان, أما التيار الشيوعى فالحقيقة انه كان تيارا محدودا ومرفوضا منذ البداية بسبب موقفه من الدين فضلا عن انه تمزق من داخله لكثرة الخلافات بين فصائله هذا غير انه عجز دائما على تقديم ايداع خاص يتناسب مع الظرف المصرى مستفيدا من الطرح الماركسى العام. وهذا وان كان ازدهر قليلا في مناخ الستينيات تحت مظلة السلطة. * كانت رسالتكم للماجستير عن الحركة العمالية المصرية (1882 ــ 1952) حققت فيها لتاريخ هذه الحركة.. رغم النشاط النسبى الذى تميزت به الحركة العمالية المصرية الاانه منذ أكثر من 50 سنة يغلب على ادائها الفتور والدعة؟. ـ هذا طبعا راجع لسيطرة الدولة على النقابات العمالية فأصبحت تنظيمات سلطوية أكثر منها تنظيمات نقابية وصار تقليدا أن يكون رئيس النقابة العامة لعمال مصر هو نفسه وزير القوى العاملة أى انه خصم وحكم في نفس الوقت وصارت السلطة تبحث عن قيادات مسالمة تتولى قيادة العمل النقابي وهذا الشكل كان له تأثيره في فساد القطاع العام, وسيكون له أثره السيئ على المستقبل القادم للحركة العمالية في مصر فبعد قوانين الخصخصة ستعود العلاقة مباشرة بين العمال وأصحاب العمل وسيكون على الحركة العمالية تكوين كوادر نقابية تتولى الدفاع عن حقوق العمال لان الكوادر التى كانت تتولى قيادة نقابات العمال في ظل القطاع العام قيادات صورية تابعة للسلطة في أغلب الأحوال. * رصدكم لتاريخ الحركة العمالية والتيارات الايديولوجية في مصر يشير إلى انكم كنتم قريبين من هذه التيارات السياسية والسؤال الم تنتم في أى فترة من فترات حياتك الى أى من هذه التيارات أو الأحزاب؟ ـ أنا لم أنتم طوال حياتى لأى حزب أو تيار سياسى ولن أفعل هذا في المستقبل لأن الانتماء الى حزب في مصر يعنى أن تخسر حريتك فأنت في مصر باستطاعتك ان تفكر بحريتك طالما أنت وحدك لكن حالما أن تبدأ التفكير والكلام مع الآخر فأنت صرت تمثل خطرا لابد من التعامل معه.