بيان الاربعاء : هناك مكان واحد في العالم لا يشعر فيه بتقلبات السلام والصراع في الشرق الاوسط, انه البرج الزجاجي الذي يشكل مقرا للامم المتحدة في منهاتن في عمليات التصويت السنوية، في الجمعية العمومية للامم المتحدة التي تتعلق باسرائيل لا يلمس أي تغيير, وفي هذه السنة ايضا تقف اسرائيل معزولة في مواجهة (الاغلبية الاوتوماتيكية) المؤيدة في عمليات التصويت العربية, الولايات المتحدة وحدها رفعت يدها مصوتة إلى جانب اسرائيل, وفي بعض الاحيان كانت ترافقها الدولتان الصديقتان ميكرونيزيا وجزر المارشال. الوعود الكبيرة التي قدمتها حكومة باراك والتنازلات التي وافقت عليها في قمة كامب ديفيد وفي المفاوضات مع سوريا لم تترك أي انطباع أو تأثير على الاسرة الدولية. ناصر القدوة ممثل فلسطين في الامم المتحدة وجد في هذه السنة عملا سهلا بشكل استثنائي, الصور الجوية من انتفاضة الاقصى والعدد المتزايد للقتلى الفلسطينيين في مواجهة اسرائيل ضمنت لمنظمة التحرير الفلسطينية اغلبية ساحقة, رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات سجل تعزيزا جديدا للسلاح السياسي الاهم الذي يملكه (الشرعية الدولية) التي تساند مواقفه في المفاوضات مع اسرائيل.الجهود الكبيرة التي بذلتها حكومة باراك في السنة الماضية من اجل تحسين مكانة اسرائيل الدولية وعلاقاتها مع الامم المتحدة ليست ملموسة في نتائج التصويت على الواحد وعشرين قرارا التي تتعلق باسرائيل والتي جرت في هذا الشهر في الجمعية العمومية للامم المتحدة.باراك جند الامم المتحدة للمساعدة في الانسحاب احادي الجانب من لبنان ووافق على اشراك ممثلين عنها في المفاوضات مع الفلسطينيين وهو يتحدث بشكل متواصل مع امين عام الامم المتحدة كوفي عنان, وفي فترة حكم باراك حظيت اسرائيل بقبول سياسي مشروط من كتلة الدول الغربية في الامم المتحدة, كل هذا لن يؤثر بالمرة في لحظات الاختبار حين تحين لحظة التصويت ورفع الايدي.هذه النتائج الرديئة تثير تساؤلات صعبة حول نزعة المحافظة الاسرائيلية, في السنة الاخيرة احدث باراك انقلابا في سياسة اسرائيل الخارجية, فقد وافق لأول مرة على اقامة دولة فلسطينية مستقلة في غرفة المفاوضات, اذا كان الحال على هذا النحو فلماذا تصر اسرائيل على الوقوف معزولة وحيدة في مواجهة القرارات التي تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم أو مبدأ (الارض مقابل السلام)؟ موظف رفيع في وزارة الخارجية يقول ان انتفاضة الاقصى (اعادتنا سنوات إلى الوراء في الحلبة الدولية, وقد علقنا مرة اخرى في الوضع الذي اصبحت فيه الامم المتحدة ساحة معادية) على حد قول المسئول (التغير في موقف اسرائيل في عهد باراك كان دراماتيكا, الا اننا لم نحصل على اي اعتماد مقابله بسبب الانتفاضة, كل التنازلات التي كان من شأنها ان توفر هذا الرصيد لنا لو كان الوضع مستقرا انهارت بعد كامب ديفيد بشهر, هناك اجواء اعلامية وشعبية ضدنا في دول كثيرة وفي دائرة الشرق الاوسط على وجه الخصوص). وزير الخارجية السابق دايفيد ليفي ومدير عام الوزارة في عهده ايتان بن تسور حاولا الربط بين عمليات التصويت في الامم المتحدة وبين العملية السياسية وعبرا عن اعتقادهما بوجوب مطالبة الفلسطينيين بالكف عن شن المعركة ضد اسرائيل في المنظمات الدولية في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات المباشرة بين الطرفين, الا ان موقفهما هذا لم يقبل.على ما يبدو ليس هناك في تل ابيب من يتأثر بشكل خاص من قرارات الامم المتحدة التي تحولت منذ مدة إلى تقليد ثابت مثل المطر في فصل الشتاء, المستوى السياسي يعتقد ان اسرائيل ستحظى بالتعاطف الدولي وستختفي القرارات المعادية ما ان يتم التوصل للتسوية الدائمة مع الفلسطينيين. من المحتمل ان هذا ما سيحدث حقا ولكن التجربة التي تراكمت خلال السنوات الاخيرة ليست مشجعة, بعد اتفاق اوسلو نجحت اسرائيل في تسجيل قرار ايجابي واحد ايضا لصالحها, الا ان هذا القرار شطب من جدول الاعمال في عهد حكومة نتانياهو ولم يطرح مرة اخرى. عزلة اسرائيل عمليات التصويت التي جرت هذه السنة لا تختلف عن مثيلاتها في عام ,1999 اسرائيل بقيت معزولة تماما في قرارها حول القدس الذي يرفض ضم شرقي المدينة ويشجب كوستاريكا والسلفادور, الدولتان الوحيدتان اللتين توجد لهما سفارات في المدينة, حتى الولايات المتحدة وجدت صعوبة في تأييد اسرائيل في قضية القدس واكتفت بالامتناع عن التصويت. والسفير الامريكي رفع يده معارضا في عمليات التصويت الاخرى مثل نظيره الاسرائيلي يهودا لانكري, في عملية التصويت حول المستوطنات عارضت كما في السابق ميكرونيزيا وجزر المارشال. سوريا تحظى بعدد اقل بكثير من عرفات من المؤيدين في الامم المتحدة, في عملية التصويت على القرار الذي يطالب اسرائيل بالانسحاب من الجولان امتنعت عشرات الدول الهامة مثل عضوات الاتحاد الاوروبي والنرويج واليابان وكندا عن التصويت, الا ان الولايات المتحدة وحدها هي التي تجرأت وعارضت. نمط مشابه من التصويت سجل ايضا في قرارات استمرار عمل هيئات هامشية تابعة للامم المتحدة والتي تهدف إلى دعم الفلسطينيين مثل (لجنة التحقيق في التصرفات الاسرائيلية في المناطق), للتأييد الامريكي لاسرائيل ثمن ايضا, فعندما تتورط الدولة العظمى الاولى في العالم في وقع تكون فيه وحيدة معزولة يهب يهودا لانكري سفير اسرائيل في الامم المتحدة لمساعدتها, هذا الشىء حدث مثلا في القرار الذي يطالب برفع الحصار الامريكي عن كوبا الذي وقفت فيه اسرائيل وحدها إلى جانب واشنطن.جزر المارشال جاءت لتدعم اسرائيل وامريكا في التصويتات حول حظر سباق التسلح في الفضاء واستمرار سريان اتفاق منع وضع اجهزة دفاع مضادة للصواريخ, اسرائيل والولايات المتحدة وقفتا ايضا في عمليات التصويت للقضاء على الاستعمار الكولونيالي في مواجهة الاغلبية الساحقة من دول العالم الثالث, هذا الثمن (اي التصويت مع واشنطن) يعتبر بالنسبة لاسرائيل التي يرتبط اسمها في سجلات قرارات الامم المتحدة بكلمات الاحتلال والمستوطنات والقمع, يعتبر ثمنا بخسا مقابل صداقة امريكا الراسخة والقوية, وادناه جدول يوضح هذا التراجع: