بيان الاربعاء : تعتبر استفتاءات تقرير المصير بصورة عامة أحداثا بالغة الأهمية بسبب الآثار العميقة التي تترتب عليها على مستوى وحدة وسيادة أراضى الدول, لأنها غالبا ما تتسبب في تفكك هذه الدول .. وقد شهد العالم في السنوات القليلة الماضية استفتاءات في الاتحاد السوفييتي وأثيوبيا ويوغسلافيا وإندونيسيا نتج عنها تفكك وتحلل كامل للدول القديمة وظهور دول مستقلة جديدة .. ولقد فشل استفتاء كويبك بكندا في تحقيق الاستقلال بفارق ضئيل. فالاستفتاء على تقرير المصير لجنوب السودان يعتبر أجرأ خطوة وافقت عليها القوى السياسية السودانية بمختلف توجهاتها منذ الاستقلال .. ومع أن فكرة تقرير مصير جنوب السودان ليست بنت اليوم, إلا أنها كانت في الماضي توأد في مهدها وكانت تجد معارضة حتى من المواطنين الجنوبيين أنفسهم, ودلت كل التجارب على أن السياسيين الجنوبيين كانوا يستغلونها فقط كورقة ضغط لنيل بعض المطالب والخصوصية لإقليم جنوب السودان, ولكن مع وصول النظام الحالي لسدة الحكم في الخرطوم وتحول العمليات العسكرية إلى حرب (جهادية مقدسة), وغطت كل الإقليم الجنوبي, واصبح الضحايا بمئات الألوف, ومع العداء الواسع النطاق داخليا وإقليميا وعالميا لنظام الإنقاذ, تمّ تدعيم مسألة تقرير المصير للإقليم الجنوبي ولم تجد الحكومة في نهاية المطاف إلا أن ترضخ لهذه الضغوط وتقبل مبدأ الاستفتاء. وقد يرى نظام الرئيس عمر البشير وبعض أركان المعارضة الشمالية في التجمع الوطني المعارض أن تقرير المصير سيفضي في النهاية إلى تأكيد وحدة التراب السوداني, مستندين حسابيا على العدد الكبير من نازحي الإقليم الجنوبي لمدن شمال السودان وأيضا على الموقف المعلن للحركة الشعبية لتحرير السودان التي تؤكد تفضيلها للوحدة ورفضها الانفصال, ويبدو واضحا أن القوى السياسية السودانية وخاصة الشمالية ترفض فكرة الانفصال وقبلت مبدأ تقرير المصير تحت ضغوط عديدة, إلا أن التقديرات التي يراها المراقبون المستقلون تؤكد انفصال جنوب السودان, إذا ذهب السياسيون السودانيون إلى آخر الشوط دون إرضاء القوى العسكرية والسياسية الجنوبية. فتجارب استفتاءات تقرير المصير في السنوات القليلة الماضية دلّت على أن كل الاستفتاءات كانت لصالح الانفصال إذا استثنينا استفتاء كندا, مما يرجح الانفصال على الوحدة السودانية إذا قام الاستفتاء, وهذا لا يمنعنا من ملاحظة أن معظم الدول التي نالت استقلالها الشرعي عن طريق الاستفتاء مثل دول الاتحاد السوفييتي دعت للاستفتاء فقط كوسيلة لإضفاء الشرعية على استقلالها بعد أن انتزعته عنوة, حتى تقرير المصير الذي نالت على اثره دولة إريتريا اعتراف العالم, تمّ بعد أن سيطرت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا على كل الأرض, وما كان الاستفتاء إلا محاولة لإضفاء الشرعية لاستقلال الدولة, وأيضا لرفع الحرج عن النظام الجديد الذي قام في أثيوبيا والذي كان زعماؤه في ذلك الوقت حلفاء للنظام الإريتري الوليد. ومن المعروف أن الجنوبيين بدءوا استغلال ورقة تقرير المصير لاقليمهم قبل إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان, حيث تشدد السياسيون الجنوبيون في البداية ولكن السياسيين الشماليين أقنعوهم بالتصويت إلى جانب الاستقلال والوحدة مع وعدهم بإعطاء الإقليم الجنوبي شكلا'' من أشكال الحكم اللامركزية أو الفيدرالي بعد أن ينال السودان استقلاله . وقاد د.جون قرنق التمرد الأخير ولم يكن بين اجندة حركته انفصال جنوب السودان ولكن بعد انشقاق مجموعة الناصر عنه بقيادة د.رياك مشار ود.لام اكول في العام ,1991 وإعلانهم أن انفصال جنوب السودان هو هدفهم الأول, وساعدهم في تضخيم الأمر د.علي الحاج ممثل حكومة الخرطوم وقتها في المفاوضات في لقاء فرانكفورت العام ,1992 من أن حكومة الإنقاذ لاتمانع في إعطاء مبدأ تقرير المصير للإقليم الجنوبي, وكان هدف د.الحاج وقتها تقوية المنشقين وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الأم التي يقودها قرنق, وعرفت وقتها بجناح توريت, وتحولت لعبة د.الحاج إلى كابوس بعد مؤتمر واشنطن الشهير في العام 1993 والذي تبنى فيه قرنق للمرة الأولى مبدأ تقرير المصير وضغط على شركائه في التجمع الوطني المعارض لدعمه ووافقت القوى الشمالية على مضض, وضمنته مقررات اسمرة للقضايا المصيرية 1995 حتى أن رئيس التجمع محمد عثمان الميرغني وقع على المقررات بعد اكثر من عام. وتبعت حكومة الخرطوم تجمع المعارضة عندما قبلت بمبدأ تقرير المصير في اتفاقية الخرطوم للسلام 1997 بعد عامين من إطلاق صفة الخيانة على فصائل المعارضة لقبولها بمبدأ تقرير المصير للإقليم الجنوبي, كما ضمنته في الدستور الجديد للعام 1998 و تطابق تبرير الحكومة والمعارضة لقبول مبدأ تقرير المصير حيث أكدا أن وحدة الأراضي السودانية لا يمكن الحفاظ عليها بقوة السلاح أو بالإكراه وان الوحدة يجب التراضي حولها, ومن حق مواطني جنوب السودان بعد الأعوام الطويلة من الحرب وعدم الاستقرار ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم. قرنق مع الوحدة أم الانفصال منذ بداية نشاط الحركة الشعبية العسكرية لم تعلن صراحة عن رغبتها في فصل جنوب السودان وإنما كان خطابها العلني يؤكد أنها تحارب الحكومة المركزية من اجل سودان جديد وموحد, وقد أعاد بعض المراقبين موقف الحركة من وحدة السودان إلى الرعاية التي كانت تضفيها عليها أثيوبيا حتى العام 1991 وعدم رغبتها في فصل جنوب السودان, لحرمان حكومة الخرطوم من مبررات دعم انفصال إريتريا عنها. بعد سقوط الجنرال منجستو هيلا مريام وخروج قوات قرنق من أثيوبيا بدأت نغمة تقرير المصير وانفصال جنوب السودان تطفو على السطح إلى أن أصبحت واقعا لدى كل القوى السياسية في منتصف 1997. والسؤال الذي يؤرق معظم السياسيين الشماليين في الحكومة أو المعارضة هل قرنق مع الوحدة أم الانفصال؟ هل يؤمن بوحدة السودان أم الحديث عن الوحدة, تكتيك لكسب القوى السياسية الشمالية الداعمة له وتجنيب حركته غضب العالم العربي الذي ما زال يتشكك في نواياه؟. وإذا استعرضنا رؤية الحركة الشعبية لاستفتاء تقرير المصير والذي عبرت عنه في العام 1999 في ورقة رصينة أعدها مسئول الحركة في المملكة المتحدة وقدمها في مؤتمر قضايا الانتقال إلى الديمقراطية والسلام الذي عقد في العاصمة الأوغندية كمبالا لتكشفت لنا جوانب كثيرة عن موقف الحركة الحقيقي من الوحدة والانفصال. وقبل أن نخوض في هذه الرؤية يجب أن نستعرض عدد سكان الجنوب وأين هم الآن؟ فمن المؤكد أن الظروف الأمنية الصعبة التي يمر بها جنوب السودان تجعل من المتعذر إحصاؤهم ولكن بين أيدينا تقديرات الحكومة السودانية وعدد من منظمات العون الإنساني العاملة في جنوب السودان, وتشير هذه التقديرات أن عدد المواطنين الذين يعيشون الآن في جنوب السودان لا يتجاوز مليون ونصف المليون مواطن والذين نزحوا إلى شمال السودان هربا من الحروب والمجاعات بلغ نحو 2 مليون جنوبي, ولجأ إلى دول الجوار أثيوبيا وأوغندا وكينيا وأفريقيا الوسطى نحو نصف مليون مواطن واكثر من 50 ألف جنوبي في دول العالم الأخرى .. وهذه التقديرات قد تزيد أو تنقص ولكن ليس بأكثر من 20%. رؤية الحركة الشعبية ومن المؤكد أن حركة قرنق وضعت هذه التقديرات السكانية في حساباتها عندما أعلنت عن رؤيتها لمسألة الاستفتاء حول تقرير المصير ويمكن أن نلخص هذه الرؤية في عدد من النقاط هي: * إذا تمّ إجراء استفتاء لتقرير مصير جنوب السودان تحت ظل حكومة وطنية تدعو سياستها المعلنة للوحدة ( سواء كانت حكومة التجمع الوطني أو الحكومة الحالية) فان فرص إجراء استفتاء منصف وديمقراطي قد لا تكون مؤكدة ويعود ذلك إلى أن الحكومة قد تستخدم قوة الدولة لتحقيق خيارها المفضل, لذلك يجب أن تشرف منظمات دولية على الاستفتاء من البداية إلى النهاية. * تعريف السودانيين الجنوبيين بأنهم المواطنون الأصليون من أهل المنطقة والذين يقيمون في أحد الأقاليم الجنوبية الثلاثة بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل ضمن حدودها التي كانت عشية أول يناير 1956 ( يوم الاستقلال) وينتمي إلى إحدى المجموعات العرقية أو القبلية من السكان الأصليين من خلال أحد أبويه أو كليهما. * السودانيون الجنوبيون الذين يقيمون في مدن السودان الشمالية يجب أن يعودوا إلى مناطقهم لكي يستطيعوا الاقتراع في الوقت المحدد للاستفتاء ولا يسمح لهم بالاقتراع من مناطقهم في شمال السودان. * اللاجئون الجنوبيون يسمح لهم بالاقتراع خارج السودان وفي بلدان اللجوء أو في مقار البعثات الدبلوماسية السودانية. وتبني حركة قرنق مشروعها للاستفتاء على قفل الطريق, كما تؤكد رؤيتها, أمام الحكومة المركزية من إرسال أعداد كبيرة من الناخبين المؤيدين للوحدة من جميع أنحاء البلاد لجنوب السودان مستفيدين من حركة النقل التي يتيحها القانون كما لا تسمح رؤية الحركة للاستفتاء للجنوبيين الذين يعيشون في الأقاليم الشمالية بسبب الحرب أو الجوع أو العمل بالمشاركة من مناطقهم بحجة انهم قد يكونون تحت تأثير حكومة الخرطوم التي ستؤيد الوحدة مما كان توجهها .. في الوقت الذي يسمحون فيه للجنوبيين الذين يعيشون في دول الجوار أو حتى في بلاد المهجر البعيدة والقريبة بالمشاركة في الاستفتاء من مناطقهم.