بيان الاربعاء : يبحث هذا المقال الذي كتبه د. ادموند غريب الاستاذ في الجامعة الامريكية بواشنطن والمختص في قضايا الاعلام والمعلومات تجربة العالم العربي مع تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة, وجاء المقال في عدد خاص لمجلة (ميدل ايست جورنال) ضمن دراسات ميدانية عن التكنولوجيا في العالم العربي. وقال غريب رغم أن ثورة المعلومات في العالم العربي مقتصرة على النخبة, إلا أنها قد شكلت الخطاب السياسي في المنطقة في غضون سنوات قليلة. فقد نجم عن هذه الثورة انتشار الصحف العربية القومية التي تطبع في عدة مدن في نفس الوقت, وكذلك ظهور قنوات تلفزيونية فضائية تخطى تأثيرهاالحدود الوطنية. اخترع عالم الرياضيات شارلز باباج (أ ب الكمبيوتر الحديث) في عام 1834 (ماكينة تحليل) تستطيع إجراء الحسابات وتخزين النتائج. وقام جوجليرمو ماركوني بعد عدة عقود باختراع المبرقة اللاسلكية (التلغراف). وانتشرت الثورة التي دشنها هذان المخترعان في مسارات مختلفة إلى ما قبل حوالي اربعة عقود مضت إلى أن تم دمجها في نظام الاتصالات اللاسلكية. وقد أدى هذا الدمج الفوري للاتصالات والمعالجة السريعة للبيانات إلى تغييرات في الاقتصاد العالمي والسياسات الوطنية والدولية والاستراتيجيات العسكرية والتكتيكات والحياة الشخصية أيضاً. خلقت ثورة تكنولوجيا المعلومات فرصاً وحقائق جديدة. كما سهلت الوصول إلى تبادل المعلومات والاراء بدون حواجز, مما ساهم في خلق مشروعات صناعية عالمية. ثورة نخبة لكن هذه الثورة هي أيضاً نخبوية, فهي موجهة للاغنياء والمتعلمين وهي متوفرة لهذه المجموعات فقط. وتتوجه الصناعات إلى متحدثي اللغة الإنجليزية الشباب, ودارسي علم الكمبيوتر وأولئك القادرين على شراء هذا الجهاز, وتحمل التكلفة العالية المترتبة على استخدامه. وعلى أية حال فإننا نشاهد تغيراً دراماتيكياً لأن التنافس يؤدي إلى خفض الأسعار, كما أن الأطفال يتعلمون استخدام هذه التكنولوجيا بسرعة كبيرة. ومع ذلك فإن الفقراء والأميين يظلون على الهامش كلما ازدادت الهوة بين الاغنياء والفقراء, وكما قال اسماعيل سراج الدين, نائب رئيس البنك الدولي, مؤخراً, بأن (عدم المساواة آخذة في التصاعد) حيث أن الأغنياء يسيطرون على 83 بالمئة من دخل العالم, بينما لا يحصل الفقراء إلا على 4.11 بالمئة, ويقول جورج جيج, مدير المكتب العلمي في شركة ميكروسوفت أنه لن يكون بمقدور نصف سكان العالم اجراء مكالمة هاتفية. ويتوقع أن يؤدي استمرار تدفق التكنولوجيا في العقد الجديد إلى استمرار الملابسات السياسية العميقة في الشرق الأوسط والعالم. فسوف تواجه الحكومات والمصالح التجارية خيارات وازمات نتيجة لزيادة الربط بين الأسواق العالمية وتضاؤل قدرة الدولة الوطنية على ضبط انسياب المعلومات داخل حدودها دون أن يؤثر ذلك على قدرتها على المنافسة الفاعلة في السوق العالمي. عبدالناصر والراديو وتدل شواهد التاريخ على أن التكنولوجيات قد أدت إلى تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة, إذ يعتقد بأن المطبعة قد أدت إلى نجاح حركة الاصلاح البروتستانتية.كما ان الرئيس المصري جمال عبدالناصر استغل مقدرته على استخدام الراديو لتدعيم قاعدته الشعبية في مصر والعالم العربي, وأوجد سوقاً رائجاً لأجهزة الترانزستور اليابانية في عموم المنطقة, وتوفر التكنولوجيات الحديثة إمكانيات اتصال لقاعدة شعبية أكبر, ويرى كثيرون ان هذا التوجه يساهم في زيادة الديمقراطية السياسية, وكذلك فإن الدول التي ستحاول عرقلة حركة التغيير سوف تواجه تحديات لا مثيل لها. وتشمل ثورة الاتصالات تكنولوجيات جديدة ومتحولة, والكثير منها استخدامات سياسية.فقد استخدمت الثورة الايرانية في السبعينيات (الكاسيت) بفعالية لنشر رسالتها, بينما استخدم متظاهرو ميدان تينمانمن الصيني ومعارضو الانقلاب الروسي عام 1991 جهاز الفاكس لتأمين الدعم لمواقفهم, كما ساعد استخدام الفيديو والصور التلفزيونية في بولندا ورومانيا في نجاح الحركات الثورية في البلدين.واستخدم الطلاب وحركات المعارضة البريد الالكتروني لاسقاط حكومة سوهارتو في أندونيسيا, كما يعتقد بأن البريد الالكتروني والفاكس قد ساعدا في تنظيم مظاهرات كردية عارمة في اثنين وعشرين مدينة أوروبية مختلفة للاحتجاج على اختطاف زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان في خلال ساعات قليلة من اعلان النبأ. وتعتمد (ثورية) التكنولوجيا الحديثة على كيفية استقبال الناس لها.فتكنولوجيا الأقمار الصناعية ساعدت في انتشار التلفزيون مثلما ساعدت الموجة القصيرة في انتشار الراديو, أما وسائل الإعلام العالمية فتساعد في تشكيل الرأي العام والتأثير على إتخاذ القرار السياسي والتجاري والعسكري بشكل لا مثيل له.فخلال الهجمات الأمريكية- البريطانية على العراق في عامي 1998 ــ ,1999 أستغل الرئيس العراقي صدام حسين فضائيتين عربيتين جديدتين نسبياً ــ الجزيرة في قطر وشبكة الأخبار العربية في لندن ــ لبث رسائل إلى العالم الخارجي, وقد اضطرت شبكات التلفزة الأمريكية واليابانية وخلافها إلى بث مشاهد من تقارير قناة الجزيرة من بغداد. وتعد ثورة المعلومات, وإن جزئياً, نتاج ظاهرة العولمة الاقتصادية وهي ايضاً واسعة لانتشارها, ونحن نلمس اليوم نتائج انفجار وسائل الاتصال الحديثة على شكل الانترنت, وخدماتها والبريد الصوتي والبريد الالكتروني والفاكس والفضائيات, والهواتف الخلوية والفيديو, كما أصبح بالامكان بث الأفلام والنصوص عبر الحدود من خلال خطوط الهاتف متخطية الزمن. وتبدو أهمية هذه التطورات واضحة للعيان إذ ما عدنا إلى الماضي القريب وتذكرنا صعوبة إجراء مكالمة دولية من منطقة الشرق الأوسط وإليها, إضافة إلى صعوبة بث أية بيانات إذا لم تكن بواحدة من الأحرف الأوروبية.أما الآن, فباستطاعة أي إنسان أن يرسل أي شيء إلى حد ما عبر البريد الالكتروني, بما في ذلك الوثائق وأفلام الفيديو. العرب والثورة الثالثة والعولمة أما أثر هذه الظاهرة على العرب, وهي الظاهرة التي يطلق عليها الثورة العظمى الثالثة في التاريخ العالمي بعد الثورتين الزراعية والصناعية, فلم يلق حتى الآن الاهتمام الذي يستحق.وقد شهد العالم العربي نقاشات كثيرة حادة حول تأثير العولمة وتكنولوجيا المعلومات الحديثة ونتائجها.وقد رأى البعض أن ثورة المعلومات تحمل معها مخاطر الهيمنة الغربية, كما أنها تهدد اللغة المحلية والثقافة والمعتقدات الدينية. ويعتقد آخرون بأن هذه الظاهرة قد جاءت لتبقى, وأنه ما لم يقم العرب باستيعاب التكنولوجيات الحديثة ليصبحوا فاعلين وليس مجرد مستهلكين, فمن الممكن انهم سوف يظلون على هامش التاريخ. وهذه التكنولوجيات الحديثة التي أصبحت ضرورة لضمان قدرة التجارة العالمية على المنافسة في الأسواق الدولية, هي وسائط مناسبة لنشر الأفكار السياسية والاجتماعية, فهي توفر امكانية الوصول إلى المعلومات وتلقيها بسرعة, ولكنها في الوقت ذاته يمكن ان تغير طبيعة عملية إتخاذ القرار في كل بلد, وأن تضعف النظام التسلطي وأن تقلل من سلطة الدولة وتقوي القاعدة الشعبية. وقد نظمت جامعة المعتمد بن عباد في أصيلة بالمغرب حلقة دراسية لبحث القضايا المتعلقة بالعولمة ووسائل الإعلام, والثقافة والأمن التي تواجه الشرق الأوسط, وشارك في الحلقة صحافيون كبار واكاديميون ومسئولون من العالم العربي واوروبا والولايات المتحدة.وإحدى النقاط التي أثارها هذا الكاتب في الصحيفة وآخرون في الحلقة الدراسية دارت حول أثر التحول الذي تحدثه ثورة المعلومات, وبخاصة أثر الاذاعات القومية العربية والقنوات الفضائية, على المنطقة وكيف تشكل رأيا عاماً قومياً من القاعدة إلى القمة وبالعكس, كما كان عليه الحال في الماضي, فقد غيرت وسائل الإعلام الحديثة طريقة تلقي كثير من العرب للأخبار والبرامج الترفيهية, كما ساعدت على تقليص قدرة الحكومات للسيطرة على تدفق المعلومات, كما هو حاصل الآن على الأقل. ولكن ما هي هذه الوسائل الإعلامية الجديدة وكيف تعمل؟ إن وسائل الإعلام الجماهيري العربية الحديثة التي تتخطى حدود الدولة تشمل القنوات الفضائية والصحف القومية والمجلات التي تطبع معظمها خارج الوطن العربي, ثم الانترنت, وقد أدت هذه إلى تغيير طريقة كثير من العرب, من أجيال مختلفة وفي دول متعددة, في التعرف على بعضهم والتواصل معهم.ومن السمات الرئيسية لها هي أنها ليست محصورة في مخاطبة جمهور محلي أو اقليمي فقط, ولكنها أصبحت تصل إلى جمهور اوسع في العالم العربي والجاليات العربية المهاجرة في أوروبا والأمريكتين وأستراليا. وربما تعمل وسائل الإعلام الحديثة على تشكيل رأي عام عربي جديد, غير مبني بالضرورة على الأيديولوجيات, والذي عبر عن نفسه في معارضة العقوبات والهجمات الأمريكية على العراق.ولذلك فإن هذه الوسائل الجديدة باتت تزود المواطنين العرب كل يوم بمزيد من المعلومات عن بني قومهم وعن دولهم وعن العالم, أما الميزة الأخرى لوسائل الإعلام الحديثة, وبخاصة القنوات الفضائية, فهي قدرتها على سهولة إختراق الحدود الجغرافية وحواجز الزمن. وفي رأي بعض النقاد فإن هذه الظاهرة ربما تفتح الباب أمام سيطرة أكبر للإعلام العربي نتيجة للتنافس الحاد على مداخيل الدولار والاعتماد المتزايد على عدد قليل من وكالات الأنباء الغربية مثل رويترز, الاسوشيتد برس الأمريكية, ووكالة الأنباء الفرنسية, وقد حذر بعض المفكرين والسياسيين العرب من أن الاعتماد على هذه المصادر يساعد في عملية العولمة وفي تجانس الأخبار والثقافة مع ازدياد الاعتماد على المقاييس الغربية في تحديد القيمة الإخبارية مثل السرعة والفورية والاثارة والنظر إلى الاخبار بمنظور السلعة, ويرى آخرون بأن هذه الوسائل تساهم في خلق ليبرالية أكبر كما توفر معلومات أكثر وتعددية في مصادر الأخبار. وكمثال على ذلك, قال مسئول يمني كبير قاد الحملة الانتخابية الأخيرة في بلاده, أنه شعر بالدهشة عندما سمع الفلاحين في الريف يتحدثون في مسائل مثل الخصخصة والعولمة, وعندما سألهم عن مصدر معلوماتهم, قالو أن ذلك يرجع إلى مشاهدتهم للقنوات التلفزيونية الفضائية وبخاصة (الجزيرة) و(أم. بي. سي). كما تستخدم هذه القنوات كنافذة دبلوماسية لمختلف اللاعبين الاقليميين والدوليين الذين يستغلون ظهورهم على هذه القنوات لتوجيه رسائل للحكومات الاقليمية والجمهور العربي, ويعترف الخبراء الاقليميون, والمسئولون الأمريكان إلى حد كبير, بفاعلية وسائل الإعلام, حيث يسعون إلى ترتيب مقابلات للتعبير عن وجهة نظرهم في القضايا الاقليمية والدولية, ففي دراسة ميدانية له, لم يكتف جون الترمان من معهد السلام الأمريكي بتحليل وسائل الإعلام العربية, بل وضع استنتاجات وتوصيات سياسية أمام صناع القرار الأمريكيين حول افضل السبل للتعامل مع التغيرات الجارية وكيفية مواجهة إعادة ظهور القومية العربية, التي يعتقد الترمان أنها تشكل تهديداً للمصالح الأمريكية, في الشرق الأوسط, وبخاصة أن مناهضة الأمركة أصبحت من أساسيات هذه الحركة, ودلل الترمان على دور وسائل الإعلام القومية (في إثارة الغضب ضد العقوبات الأمريكية على العراق). ومما جاء في هذه التوصيات: * اجتذاب الطبقة الناشئة من المتعلمين العرب, وممن سافروا كثيراً إلى الخارج. * محاولة كسب التأييد بين الطبقات الوسطى العربية. * زيادة فهم طبيعة الرأي العام العربي بهدف المساعدة في تشكيله. * تشجيع الدبلوماسية العامة من خلال تأمين اتصال المسئولين الأمريكيين بأجهزة الإعلام العربية بشكل كبير. * وضع الاستراتيجيات التي من شأنها الترويج للسياسة الأمريكية وتأكيد أهمية الصورة التلفزيونية. ومهما كانت أهمية هذه النقاط, إلا أن المشكلة الحقيقية التي تواجه السياسة الأمريكية تكمن في أن الرأي العام العربي أصبح ممتعضاً ويائساً من السياسات الأمريكية تجاه المنطقة, وبخاصة تلك المتعلقة بالعراق وليبيا والإسلام والقضية الفلسطينية. عمليات التجميل ولن تنجح أية عمليات تجميلية طالما ظل العرب يرون بأن هذه السياسات معادية للنهضة والمصالح العربية وبأنها تكيل بمكيالين, وفي الحقيقة فإن شعبية أجهزة الإعلام وبخاصة قناة (الجزيرة) ومحطة (أيه. أن. أن.) وتلفزيون (أبوظبي) هي انعكاس لامتعاض العرب من تغطية أجهزة الإعلام الغربية والحكومية لأخبار المنطقة وقضاياها. ونذكر هنا أن الفترة التي سبقت عصر الفضائيات تميزت بكون أجهزة الإعلام في العالم العربي كانت تنطق باسم الأنظمة الحاكمة, حيث كانت معظم نشرات الأخبار مخصصة لنشاطات القيادات. ونتيجة لهذا الوضع إتجه كثير من العرب إلى أجهزة الإعلام الخارجية مثل (الإذاعة البريطانية) و(مونت كارلو) و(صوت أمريكا), ومما لا شك فيه أن كثيراً من العرب يتعطشون لإعلام موضوعي وتحليلات وآراء متنوعة حول القضايا التي تواجه مجتمعاتهم, وإذا ما فشلت هذه الأجهزة في ذلك فسوف ينصرفون عنها. وتستمد هذه الأجهزة شعبيتها ليس فقط لأنها تقدم أخباراً أكثر مصداقية ومتحررة من الرقابة الحكومية إلى حد كبير, ولكن الأهم من ذلك لكونها تعكس وجهات نظر وآراء يؤمن بها كثيرون في المنطقة والتي لا تجد طريقها إلى أجهزة الإعلام الوطنية. وقد ثبت في عام 1998 وعام 1999 أن الحكومات التي قررت تحدي حليفها الأمريكي من خلال معارضتها للغارات على العراق بعد حضور القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدوحة قد ازدادت شعبيتها بين مواطنيها, ويرى بعض الصحافيين أن التغطية الإخبارية للأزمة العراقية قد أثارت الرأي العام إلى درجة كبيرة حتى أنها ربما أحدثت ضغطاً على بعض الحكومات العربية الصديقة للولايات المتحدة التي سمحت بخروج مظاهرات ضد التحالف الغربي, كما ضغطت عليها لتنأى بنفسها عن الحلف الأمريكي. وفي هذه الأيام تقوم النشرات التلفزيونية العالمية التي يجري التقاطها عبر الكيبل, أو الأقمار الصناعية, بتغيير طريقة تلقي المعلومات والتسلية في الشرق الأوسط.فقد ساهم نجا ح محطة (سي. إن. إن) الإخبارية في اجتذاب جمهور كبير من مشاهدي المنطقة, وبخاصة أثناء حرب الخليج, في إنشاء شبكات تلفزيونية عربية مثل محطة (أم. بي. سي). وكانت محطة أم.بي.سي.القناة الفضائية الأولى التي تقدم برامج إخبارية وبرامج تسلية تتميز بمهنية كبيرة, وكانت الأولى التي كسرت المحرمات المفروضة على إجراء مقابلات مع شخصيات من إسرائيل.أما جريدة (الحياة) فكانت الأولى بين الصحف العربية التي أقدمت على ذلك. ويمكن للمرء أن يشير أيضاً إلى إعادة تنظيم أجهزة الإعلام الفرنسية في اواخر الثمانينيات وإلى الخطة الرامية إلى إيصال البرامج الفرنسية عبر شركة الاتصالات الفرنسية إلى دول شمال إفريقيا, ويعتقد البعض أن القنوات التلفزيونية الفرنسية قد ساهمت في المراحل الأولى لبناء المجتمع المدني والانفتاح السياسي في الجزائر عندما أخذ المواطنون الجزائريون يشتركون في خدمة الكيبلات لاستلام البرامج التلفزيونية الفضائية. لكن المسئولين السعوديين كانوا قد سبقوهم في إدراك أهمية القنوات الفضائية عندما استخدموا القمر الصناعي ـ عرب سات ــ الذي أطلق في عام 1985 لبث مناسك الحج لمشاهدي المنطقة.ولكن طاقة -عرب سات- لم تستغل بالكامل, وحدث في عام 1990 أن مصر التي استثنيت في السابق من مشروع (عرب سات) بسبب معاهدتها مع إسرائيل, استعادت عضويتها وبدأت تبث برامج تلفزيونية على مدار الساعة لايضاح وجهة نظرها لجنودها المتواجدين في الخليج أثناء الأزمة, لكن حرب الخليج والطريقة التي غطتها بها وسائل الإعلام الغربية والعربية كانت عاملاً رئيسياً في إنشاء القنوات الفضائية الجديدة ونجاحها وبخاصة قناة الجزيرة.وقد اثبتت بعض الأجهزة الإعلامية الغربية حضورها في الأزمة, وكان ينظر إلى تقاريرها بأنها أكثر تأثيراً ومصداقية من التقارير العراقية أو العربية الأخرى على طرفي الأزمة. وأدت تغطية محطة (سي. إن. إن) إلى تدعيم فكرة البث الإخباري على مدار أربع وعشرين ساعة, كما ساعدت في تثبيت دورها على المستوى العالمي, وبالنسبة لكثير من العرب, بما في ذلك رجال الإعلام, فقد عمقت الحرب الشعور بالاحباط تجاه التغطية الاخبارية التي كان يقوم بها مراسلون من عدد قليل من الدول الغربية التي كانت نفسها طرفاً في هذا الصراع, كما شعر كثيرون بالانكسار نتيجة للتبجح حول تفوق التكنولوجيا والسلاح الغربيين واللامبالاة تجاه الضحايا العراقيين المدنيين.كما أبدى كثيرون انزعاجهم من الموقف المصفق للصحافيين الغربيين أثناء الحرب, واستغل بعض المراسلين الوضع فأخذوا يدعون إلى تقوية الصحافة المحلية والقومية, ولذلك فإن احدى نتائج الحرب أنها كشفت الغموض الذي كان يكتنف الصحافة الغربية وأعطت بعض الصحافيين العرب مزيداً من الثقة بالنفس, وقد اكتشف هؤلاء الصحافيون ان الصحافيين الغربيين ليسوا محايدين أو موضوعيين وأنهم على استعداد لتقديم تنازلات للقوى الموجودة على الساحة, وحول هذا الأمر كتب جمال الدين كرماوي عموداً قوياً في صحيفة (الحرية) التونسية جاء فيه: (لقد مر وقت كنا نتجنب النظر في عيون المراسلين الغربيين, فقد اوجدوا فينا عقداً نفسية كثيرة, وجعلونا نشعر بأننا أقزام, واقنعونا بأننا غير أكفاء, ولكننا رأيناهم في الميدان ولم نصدق ما رأينا.لقد رأيناهم يحنثون بقسمهم ورأيناهم يستعرضون النفاق والعداء... ورأيناهم يشكلون الرأي العام بأيديهم مثل الطين.. ورأيناهم يتغزلون بالقنابل الذكية, ورأيناهم يبكون من أجل طير ملطخ بالنفط, بينما يصفون الأطراف المبتورة للضحايا العراقيين بأنها مجرد دعاية مؤيدة لصدام.لقد مر علينا زمن كنا نظنهم آتين من كوكب آخر حيث الأنظمة والشعوب والنباتات والأشجار تتنفس الديمقراطية.وكدنا نصدق ذلك, لكن الأحداث الأخيرة فتحت أعيننا). ولذلك فإن مثل هكذا مشاعر, إضافة إلى فقدان الثقة في وكالات الأنباء الحكومية والمخارج الإعلامية الأخرى, هي التي مهدت السبيل أمام ظهور (الجزيرة) وشعبيتها, وهو الأهم, إلى جانب أجهزة إعلام عربية قومية أخرى تعمل على أساس مقاييس الصحافة الغربية وتتمتع بحرية نسبية. ظهور القنوات الفضائية بدأت الأقمار الصناعية تلعب دوراً رئيسياً في الصحافة العربية لأول مرة عندما استخدمت لبث يوميات مثل (الشرق الأوسط) و(الحياة) اللتين تحرران في لندن, وتطبعان في مدن عربية مثل الدار البيضاء والرياض والقاهرة. وقد ظهرت قنوات فضائية قليلة في أوائل التسعينيات وافتتحت محطة (أم. بي. سي) الرائدة في البرامج الاخبارية قبل ظهور (الجزيرة) وتأسست (ام. بي. سي) في عام 1991 في لندن برأسمال مقداره ثلاثة ملايين جنيه استرليني من الشيخ صالح كامل والشيخ وليد بن ابراهيم الابراهيم الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع العائلة السعودية الحاكمة. وفي عام 1993 انسحب الشيخ صالح كامل من (أم. بي. سي), وأنشأ محطة راديو وتلفزيون العرب (أيه.آر.تي) التي تعمل من روما ومواقع اخرى, ويشارك فيها الأمير الوليد بن طلال, وهي بالأساس قناة ترفيهية, ولكنها تتناول بعض الموضوعات السياسية وتجري مقابلات كانت محرمة في السابق.وتعتبر أيه.آر.تي.من أكثر المحطات انتشاراً, فقد تميزت بالريادة في مجال التقديم المتخصص, وتعرض أفلاما على عدد من القنوات, وبرامج أطفال, إضافة إلى القناة الإسلامية (إقرأ), ولحق الأردن بالركب بإطلاق قناته الفضائية في عام ,1993 أما الفضائية المغربية (آر.بي.أم) فبدأت العمل في عام 1994. أما (أوربت) والقناة الفضائية السعودية الأخرى, فبدأت العمل بخدمة تلفزيونية مدفوعة الأجر من ايطاليا في عام , 1994 ثم دخلت بعد ذلك في مشروع إخباري وثائقي مشترك مع هيئة الاذاعة البريطانية ودشنت قناة أخبار بالعربية في عام ,1994 لكن قرار هيئة الاذاعة البريطانية ببث برنامج بانوراما الذي استضاف معارضين سعوديين انتقدوا النظام القضائي لبلدهم واتهموا حكومتهم بانتهاك حقوق الأنسان, أدى إلى إنسحاب (أوربت) من المشروع لكن المحطة نتيجة لترتيبات خاصة مع النجم التلفزيوني روبرت مردوخ تقدم لعملائها عدداً من القنوات من بينها سكاي نيوز.وهي محطة تسلية ومنوعات, لكن يعود إليها الفضل, وكذلك لمحطة (ال. بي. سي) اللبنانية في تقديم ندوات سياسية تتلقى اتصالات هاتفية مباشرة, وفي عام 1994 بدأت (أوربت) برنامجاً سياسياً ممتعاً يقدمه الصحفي المصري البارز عماد الدين أديب ويعرض على الهواء مباشرة لكن (اوربت) مثل بقية القنوات الفضائية عانت من مشكلات مالية, ويقال أنها تعتزم الانتقال إلى البحرين حيث بالامكان تخفيض النفقات والتمتع بجو ضريبي أفضل. أما محطة (ال. بي. سي) فبدأت بقناة أرضية في 23 أغسطس 1985 من قبل (القوات اللبنانية) أثناء الحرب الأهلية في فترة كانت تشهد اضطراباً سياسياً, وقد واجهت مصاعب عدة في بداية انطلاقها, منها صعوبة استمرارها في البث, حيث كانت مكاتبها في مدنية جونيه تتعرض للقصف.واضطرت إلى نقل معداتها إلى بلدة أدمة في أحد الأيام وظلت تبث نشراتها الاخبارية من عربة متحركة فزاد عدد مشاهديها اللبنانيين. ومع نهاية الحرب تحولت (ال. بي. سي) إلى قناة فضائية, أما (ال. بي. سي) انترناشيونال التي بدأت العمل في عام 1997 فمملوكة جزئياً للشيخ صالح كامل وهي متخصصة في البرامج الترفيهية (الكوميديا, والتمثيليات والرياضة وموسيقى الأطفال) لكنها تذيع برامج سياسية واخبارية وثقافية متميزة, كما كانت سباقة في بث مسلسل مكسيكي مدبلج يحظى بشعبية كبيرة, كما تبث المحطة مئات الساعات من الكوميديا والدراما الأمريكية, وهي توظف حوالي 450 شخصاً من بينهم طاقم اخباري محترف. تهديد الأخبار وفي عام ,1996 واجهت المحطة تهديداً لبرامجها الإخبارية عندما أنذرتها الحكومة بأن برامجها تؤثر بشكل سلبي على علاقات لبنان مع الدول المجاورة.ورفضت المحطة الإنذار الحكومي ورفعت الأمر إلى القضاء واستمرت في بث برنامجها الإخباري.وفي عام 1996 قررت الحكومة مراقبة جميع البرامج الإخبارية, بما في ذلك البرامج السياسية المباشرة وغير المباشرة, وأنشأت مجلس رقابة, وكسبت (ال. بي. سي) القضية في المحكمة, ومع ذلك فإن البرامج الإخبارية ليست الأقوى ضمن خدمة المحطة رغم التغطية المحترفة والمفصلة للأحداث اللبنانية والاقليمية. أما المحطة الفضائية المصرية فهي الثانية أو الثالثة الأكثر شهرة بين الفضائيات, إذ تعرض أخباراً وبرامج تسلية وأفلاماً قديمة وتجتذب مشاهدين مصريين وعربا. بينما قد تكون محطة (ال. بي. سي) هي ملكة التسلية بين القنوات الفضائية, إلا ان قناة (الجزيرة) أول قناة عربية متخصصة بالأخبار وهي التي تحرك الأمواج في المنطقة في مجال الأخبار والحوادث. لقد أصبحت الجزيرة التي أنطلقت في أول نوفمبر 1996 هي أكثر المحطات مشاهدة في العالم العربي بسبب استقلاليتها, ورغبتها في كسر المحرمات التي فرضتها الحكومات.وهي تقدم برامج إخبارية وحوارات سياسية يتنافس فيها ضيوف من أطياف متباينة.كما تقدم برامج حية تستقبل فيها مكالمات هاتفية من المشاهدين على الهواء مباشرة, وتوظف (الجزيرة) كثيراً من طاقم قناة الأخبار العربية, التي انطلقت بمشاركة بين هيئة الاذاعة البريطانية و(واوربت) المملوكة سعودياً, التي انحلت بعد خلافات بين الشريكين حول قضايا مالية وبرامجية. وقد خصصت الحكومة القطرية 150 مليون دولار (ويعتقد البعض أن المبلغ يصل إلى 175 مليونا) كقرض لمدة خمس سنوات على أمل ان تحقق المحطة دخلاً يساعدها في الاستمرار في السنوات اللاحقة, إلا أنه لم يتبق من هذا المبلغ سوى 24 مليون دولار لهذا العام وسوف تطلب قرضاً آخر من الحكومة بمبلغ ستة ملايين دولار, وقال احد أعضاء مجلس الإدارة لنا ــ الكاتب ــ ان المحطة استطاعت أن تدفع جزءاً من تكاليفها, وغطى دخل الإعلانات وبيع البرامج الإخبارية والوثائقية والصور الخاصة وتأجير المعدات لمحطات أخرى 15 بالمئة من مصروفات المحطة هذا العام. وأبلغ الشيخ حمد بن ثامر ــ الكاتب ــ انه يأمل بأن تستطيع المحطة تغطية من 40 ــ 60 بالمئة من التكلفة لهذا العام, وهناك آمال بأن تنفذ خطة لخصخصة المحطة.وقد توقعت دراسة أولية أن قناة (الجزيرة) سوف تتمكن خلال خمس سنوات من تغطية تكلفتها, إلا ان معارضة بعض الحكومات العربية وضغوطها على المعلنين قد ترك أثراً واضحاً. عقد إعلاني فقد وقّعت (الجزيرة) عقداً إعلانياً مع وكالة (تهامة) للإعلان السعودية, ولكن خلال سنة من التوقيع قالت أنها تريد فسخ هذا العقد.ورفعت (الجزيرة) قضية على (تهامة) أمام محكمة قطرية مطالبة بتعويض عن الاضرار بمبلغ ثلاثة ملايين دولار.ثم وقعت عقداً آخر مع وكالة (انترناشيونال سبيس) أخذت على أثره مداخيل الإعلان في الارتفاع, ولكن هناك شك في ان تتمكن من تغطية التكلفة في المدى المنظور ولذلك فمن المحتمل أنها ستظل تعتمد على مساعدة الحكومة القطرية. ومع ذلك, فمن المستبعد أن يسمح الشيخ حمد بن خليفة باغلاق (الجزيرة) لأسباب مالية, فقد ساعدت هذه الفضائية في وضع قطر على خريطة العالم وزادت من تأثيرها على الساحة العربية والخليجية والأقليمية مع انها سببت صداعاً لحكومتها بسبب شكاوي الدول العربية الغاضبة, لكن الأمير يؤمن بأن انفتاح النظام وتحرره هو لمصلحته ولمصلحة عائلته وبلده. ومع ذلك يبدو أن الرئيس الليبي معمر القذافي من المعجبين بهذه الفضائية وقد اتصل بها في احدى المرات لابداء رأيه.وقد ذكرت صحيفة (القدس العربي) ان (الجزيرة) نظمت مؤتمراً على الانترنت لتقييم أدائها في السنوات الأربع الأخيرة في ضوء التوتر الناجم عن برامجها, لكن مسئوليها يؤكدون بأنها لن تتحول عن سياستها الحرة, وقال احد المشاركين في مؤتمر الانترنت أن (الاتجاه المعاكس) حظي بالاهتمام الأكبر, وطالب بعض المشاهدين خفض درجة الحرارة في بعض البرامج, بينما أعرب آخرون عن مخاوفهم بأن الضغوطات سوف تؤثر على هامش الحرية فيها, وطالب آخرون برفع المعايير التي يتم على أساسها اختيار الضيوف واقترحوا دعوة اشخاص يتمتعون بذات المستوى من الخبرة من اجل عرض وجهات نظر مختلفة. عين الشك ورغم ذلك فإن عدة حكومات عربية تنظر إلى (الجزيرة) بعين الشك, وقد اتهمها البعض بأنها ذات توجهات إسلامية, ومؤيدة للعراق والأمريكان واداة للتطبيع مع إسرائيل, كما أثاروا تساؤلات حول علاقتها بهيئة الاذاعة البريطانية لانها توظف 25 من طاقمها السابق, ومن الدول التي انتقدت (الجزيرة) أو احتجت لدى الحكومة القطرية لأكثر من مرة: مصر والمغرب والسعودية والكويت وتونس والعراق والأردن ودول أخرى.وحتى السفارة الأمريكية, قدمت احتجاجاً عندما دعا احد المشاركين إلى هجمات إنتقامية ضد الأهداف الأمريكية في أعقاب الغارات الأمريكية على العراق. ويقال بأن الضغط الأمريكي أدى إلى تأجيل مقابلة مع بن لادن, لكن أحد المسئولين في الفضائية نفى ذلك وعزا التأجيل إلى رداءة التسجيل ثم عرضت بعد ذلك بدون أية تغييرات تذكر.كما تأجل عرض مقابلة مقررة مع زعيم حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة مسعود رجوي في 19 يوليو ,1999 وقالت الحركة أن التأجيل جاء بناء على ضغط إيراني لكن (الجزيرة) قالت أن التأجيل يعود لرداءة الشريط, وان المقابلة ستعرض في وقت لاحق. وينتقد آخرون (الجزيرة) لكونها انتقائية في نقدها لحكومات عربية بعينها, ولأنها لا تتناول قضايا حساسة تتعلق بإيران ودول الخليج وقطر ذاتها, حتى أنها لا تستضيف معارضين من هذه الدول.وقلد أبلغني الشيخ حمد بقوله: (لا يوجد لدينا تحفظات ضد أحد, بما في ذلك الإسلاميون والمعارضون دَعهم يعبّرون عن رأيهم واترك للمشاهدين ليحكموا بأنفسهم. وعندما سألته عم إذا كانت هناك (خطوط حمراء) أمام (الجزيرة), قال ان السياسات والممارسات ليست فوق النقد, لكن مهاجمة الحكومات ورؤساء الدول والمعتقدات الدينية أمر غير مقبول, وكذلك الحال بالنسبة للمواد الماجنة.وهناك انتقاد آخر وهو أن (الجزيرة) تأخذ مقاييس وأولويات وكالات الأنباء الغربية في إعداد نشراتها الإخبارية دون أخذ الأولويات العربية بعين الاعتبار. وتعتبر (الجزيرة) نفسها قناة فضائية عالمية, لكن نجاحها يعود إلى خطها القومي, وقد أدت الاثارة في بعض برامجها مثل (الاتجاه المعاكس), وبخاصة جو الصراخ, إلى إغضاب كثير من المشاهدين.غير أن هذا البرنامج, وبرامج أخرى مشابهة, قد أصبحت حديث العالم العربي نظراً لمضمونها الاستفزازي وحريتها.