بيان الاربعاء : منذ البداية اختارت تركيا مدخلين استراتيجيين على الصعيدين الاقليمي والمحلي اولا لتعزيز توجهها ولاثبات جدارتها, وهما مدخلا المياه والقدرة العسكرية وفق دراسات كثيرة ثم ربطت، كلا المدخلين بالتحالف مع اسرائيل وهكذا اعتبرت نفسها معنية برسم خارطة توزيع المياه وكان من الطبيعي ان يثير هذا المدخل حساسية الاقطار العربية لاسيما سوريا والعراق اللذين تضاءلت حصتهما من مياه نهر الفرات, ففي حين تدعي تركيا انها بحاجة لمياه هذا ا لنهر, تقوم بنفس الوقت بعرض مواردها الزائدة من المياه في سوق البيع في اطار المشروع الشرق اوسطي, في اطار شعارات المنافع المتبادلة, وفي اطار التعاون الاقليمي, عدا عن انها استخدمت هذه الاستراتيجية كوسيلة للمقايضة على اساس (النفط مقابل المياه) وهكذا حاولت ايجاد قيود ومشكلات جديدة للعرب, وسعت لتطويع العرب للنظام الاقليمي وللارادة الاسرائيلية من خلال هذا المدخل الاستراتيجي الهام. في المدخل الثاني, وفق نفس الدراسات, وهو مدخل القوة العسكرية, وجدت تركيا وهي العضو في الحلف الاطلسي, انها تمتلك الاهلية للقيام بدور امني ـ اقليمي, وانها يمكن ان تستثمر قدراتها العسكرية في مجال ما يسمى بالامن الاقليمي في الشرق الاوسط, من خلال اقامة تعاون عسكري امني, استراتيجي مع اسرائيل, وفي هذه الحالة اثارت ايضا مخاوف وحساسية الاقطار العربية التي ترى دولة اسلامية مجاورة تقيم علاقات عسكرية ــ استراتيجية مع عدوها (اسرائيل) لاسيما وان هذه الدولة مازالت تصر على تجاهل الحقوق والمصالح العربية, وتصر على احتلالها للاراضي الفلسطينية والعربية, كما تصر على مفهومها للامن الاقليمي الذي يقتصر على وضع امن اسرائيل اولا واساسا لكل شيء. لم يقتصر السلوك التركي على مجرد التحالف العسكري مع اسرائيل, فقد وصل الى حد استفزاز سوريا والى تنظيم اعتداءات مستمرة على شمالي العراق. كان هذا طبيعة التوجه الذي اختارته النخب التركية المسيطرة, وهي في خياراتها الاستراتيجية وبمداخلها لدور اقليمي, (المياه ــ الامن) عملت كل مابوسعها على تعزيز علاقاتها مع اسرائيل في مختلف المجالات: العسكرية والسياسية والاقتصادية من دون اي اعتبار للحساسيات العربية ومن دون الاهتمام بالمصالح المشتركة التركية ـ العربية. والموقع الجغرافي لكل من تركيا واسرائيل وسط اكثر من 40 دولة نامية, فتركيا وبما تتمتع به من حجم اقتصادي وعلاقات جيدة مع الدول العربية يمكن ان تخدم اسرائيل وتجعلها تستفيد من هذه الناحية وبذلك في امكانهما تكوين تعاون يعزز من العلاقات الاقتصادية والتجارية في الاقليم مثل: 1ــ منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الاسود, والاقليم يضم ايضا روسيا صاحبة 350 مليون دولار سوق تجارية, وترى الدراسات انه في غضون خمس سنوات ستقفز مستويات الدخل الوطني لدول الاقليم الى 2500 ــ 3000 مليون دولار, لذا فالاقليم مقبل على طلبات تجارية كبيرة من المواد الاستهلاكية اذ بامكان تركيا لعب دور كبير حيث ستصبح البوابة لاسرائيل لاستيراد الجلود, المنسوجات, المواد الغذائية, وفوق ذلك مطلوب من تركيا التوجيه بضم اسرائيل كعضو مراقب في منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الاسود. 2ــ جمهوريات وسط آسيا التركية: تتمتع تركيا بميزات كبيرة في علاقاتها التجارية والاقتصادية بتلك الجمهوريات, اذ تستطيع تركيا اقامة شركات استثمارية وتجارية مع اسرائيل بتلك الجمهوريات وستساهم اسرائيل بقدرتها المالية والتكنولوجية. 3ــ السوق الشرق اوسطية (المنطقة التجارية الحرة): الاتفاقية الموقعة بين تركيا واسرائيل عبارة عن مقدمة لهدف, القصد منه توقيع اتفاقيات تجارة حرة بين دول المنطقة ووضع الاساس لمنطقة التجارة الحرة في الشرق الاوسط. 4ــ البرنامج الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا: هذا البرنامج الذي اعلن عن قيامه في الدار البيضاء عام 1994 والذي يضم دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا وبدعم من امريكا واوروبا ويضم ايضا في برنامجه كلا من تركيا واسرائيل. 5ــ الشرق الاوسط وثروات بحر قزوين: مع بداية القرن الحادي والعشرين فان الثروات الطبيعية لجمهوريات وسط آسيا واقليم بحر قزوين ستلعب دورا كبيرا في الاقتصاد العالمي. وهكذا نجد ان المنطقة تشهد نشاطا محموما لقيام حلف اقليمي سياسي ــ عسكري, تتكون نواته من تركيا واسرائيل وتنصب جهوده الاولى باتجاه جذب الاردن للانضمام الى النواة بعدها تأتي البقية المحتملة من بلدان المنطقة ليصير حلفا اقليميا يجمع اسرائيل ودولا اسلامية وعربية تحت مظلة ورعاية الامم المتحدة. والجديد في عودة سياسة الاحلاف الى المنطقة امران, الاول فيها الدور التركي والذي يبدو محوريا, والثاني حضور اسرائيل القوي والفاعل في هذ السياسة. واهمية الدور الامريكي الحالي تكمن في ان تركيا تأخذ في هذه المرة دور الولايات المتحدة الذي باشرته في الخمسينيات عندما نشطت سياسة الاحلاف في المنطقة في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية, والتي كان هدفها اولا مواجهة النفوذ السوفييتي في المنطقة, ثم الحصول على موقع قدم وتوسيع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الاوسط, كما يتيح للدول الاوروبية احتلال موقع النفوذ الرئيسي. لكن مشكلة تركيا اضافة لما تقدم داخلية قبل ان تكون دولية, وتتركز في التيارات الاسلامية السياسية والمؤسسة العسكرية, وهذان العنصران كانا على مسرح الاحداث طرفي مواجهة بين القوى العلمانية والعسكرية وبين تيار الاسلام السياسي. وقبل الدخول في تفاصيل هذه المواجهة ينبغي الاشارة الى ان هناك مجموعة من المواد الدستورية والاجراءات القانونية التي تمنع ادخال الاسلام السياسي في بنية الدولة رغم ان تركيا دولة اسلامية, وقد ادى ذلك الوضع الى فشل محاولة التيار الاسلامي المعتدل في تحقيق مصالحة بين العلمانية والسلام وذلك على رغم التزام هذا التيار بالدستور العلماني لدولة وممارسة النشاط السياسي وفق القواعد التي سنتها الحكومات التركية المتتالية. تصاعد التيار الاسلامي وضعفه هناك عوامل ساعدت في تصاعد حركات تيارات الاسلام السياسي مثلما كانت هناك عوامل اضعفته فيما بعد, ويمكن تقسيم العوامل التي صعدت التيارات السياسية الى نوعين ــ أ ــ عوامل خارجية ـ ب ــ عوامل داخلية. فاما العوامل الخارجية فيمكن حصرها في: 1ــ قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 حيث كان للثورة مردود مباشر على الاسلاميين في تركيا الذين ايدوهم واعلنوا دعمهم لها صراحة باعتبارها ضربة للاتجاه العلماني والغربي في العالم الاسلامي. 2ــ حرب الخليج الثانية: حيث اعتبرها البعض مؤامرة تهدف الى اضعاف المسلمين ونهب ثرواتهم. 3ــ اشتعال حرب البوسنة والهرسك: وما صاحبها من عمليات تطهير استهدفت المسلمين من البوسنيين ونظر بعض الاتراك الى المجازر الصربية على انها تستهدف الدور التركي بصفته الاسلامية في البلقان. 4ــ انهيار الاتحاد السوفييتي في اواخر 1989 وانتهاء الشيوعية من اوروبا عام 1991: حيث استطاعت الحركات والاحزاب الاسلامية وعلى رأسها الرفاه ان تملأ بشعارات العدالة والانقاذ والمساواة والفراغ الذي احدثه اليسار التركي وايضا استطاعت ان تستقطب دعم الفقراء في ضواحي المدن وغيرها من الفئات التي كانت تقترح دائما لاحزاب التغيير. واما العوامل الداخلية فتمثلت في بعض الاحداث والظواهر الداخلية التي كان لها انعكاس مباشر في تقوية الاسلام السياسي في تركيا واهمها: 1ـ ان زيادة الحركة الانفصالية الكردية في بعض الفترات ادى الى تعزيز الاتجاهات الاسلامية في تركيا. 2ــ اشتعال النزاع المذهبي السني العلوي منذ اواخر السبعينيات وحتى يوليو عام 1993 ثم مارس 1995 واخذه طابع الصدام الدموي داخل تركيا مما دفع الى مزيد من الشروخ وتعميق الشعور المذهبي والتأكيد على الذات عند كلا الطرفين. 3ــ قضاء دستور 12 سبتمبر 1982 على الحركات اليسارية التركية مما اكسب الاحزاب الاسلامية وعلى رأسها الرفاه اصواتا انتخابية كثيرة. مع هذه العوامل ظهرت مؤشرات على تراجع الاسلام السياسي واحتسبها المحللون على انها مؤشرات مستقبلية تزداد كلما اقتربت تركيا من الاتحاد الاوروبي واهمها: 1ـ عدم قدرة هذا التيار على تقديم النموذج الامثل القابل للتطبيق خاصة وان تجربته في الحكم ــ حزب الرفاه ــ قد تمخضت عن كثير من الآراء والمواقف المتناقضة التي تعبر عن اهتزاز الرؤية امام قادة هذا الحزب مما افقده المصداقية حتى بين مؤيديه. 2ــ ان الجيش وباقي القوى السياسية والاقتصادية والعلمانية لن تسمح باي حال من الاحوال بتهديد النظام العلماني في تركيا خاصة وان هذه القوى لديها الوسائل المدروسة لكيفية التصدي لمثل هذه التهديدات. 3ــ ان النظام العلماني بصدد اغلاق المنابع الفكرية والتربوية للتيار الاسلامي مما سيضمن عدم زيادة اعداد المنتمين اليه ومن ثم تقليص قوته على كافة الصعد. 4ــ ان نتائج الصراع بين العلمانيين والتيار الاسلامي في تركيا تعتبر وحتى الآن في صالح العلمانية التي تكتسب ارضا جديدة كل يوم وتزداد القناعة بها كنموذج سياسي واقتصادي يضمن لتركيا الاستقرار والسلام الاجتماعي على الاقل في المستقبل. ومن العوامل الرئيسية التي تعمل على اضعاف تيار الاسلام السياسي في تركيا المؤسسة العسكرية ذات الذراع الاقوى في الحياة السياسية التركية, وبالتالي لا يمكن اغفال دور الجيش التركي الذي يعد احد اهم المؤثرات على تطور الحركة الاسلامية ومستقبلها ورغم استبعاد امر القيام بالانقلابات العسكرية. الا ان رغبة هذه المؤسسة في القيام بمثل هذه الانقلابات لا تعدم مشروعيتها استنادا للمادة 35 من قانون المهمات الداخلية للقوات المسلحة والتي تنص على حق الجيش في التدخل في حال اذا رأى ان الجمهورية والديمقراطية معرضتان للخطر. والواقع ان الجيش العلماني في تركيا دخل في صراع مرير مع هذا التيار منذ اللحظة الاولى حيث اتخذ اسلوبا للحرب على الاسلام السياسي من خلال التضييق على الاسلاميين ومحاصرتهم بالقوانين التي ادرجت تحت عنوان المحافظة على المبادىء العلمانية للجمهورية, فكيف عمال الجيش العلماني؟ عسكر واسلاميون درج الجيش على حظر الاحزاب السياسية التي تتخذ الاسلام هوية لها, كما تم سجن قادة الحركة الاسلامية وحرمانهم من ممارسة النشاط السياسي. وتجدر الاشارة الى ان الجيش, وفق مصادر توثيقية, كان قد تدخل بصورة مباشرة ثلاث مرات منذ عام 1960 ضد تيار الاسلام السياسي على النحو التالي: 1ــ القيام باول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا الحديث في 27 مايو 1960 تحت ذريعة حماية العلمانية واعدم على اثره رئيس الوزراء التركي الاسبق (عدنان مندريس) الذي ساهم كثيرا في الاحياء الاسلامي في الخمسينيات عبر العديد من الاجراءات التي سمحت بتنامي التيار الاسلامي. 2ـ القيام بالانقلاب العسكري الثاني في 12 مارس 1971 ردا على الممارسات و (الاخطار) التي تحيق بالعلمانية من جراء تصاعد الحضور الاسلامي في الحياة السياسية. 3ـ القيام بالانقلاب الثالث في 12 ديسمبر عام 1980. تجلت مواجهة الجيش عندما تولى الحكم حزب الرفاه الاسلامي, واستمرارا لسياسته قام مجلس الامن القومي في 28 فبراير عام 1997 بتوجيه لائحة الى حكومة نجم الدين اربكان تضم عشرين مطلبا تمثل ابرزها في احياء المادة 163 من قانون العقوبات والتي تنص على تجريم اي نشاط سياسي بدافع ديني وكانت هذه المادة قد الغيت في عهد حكومة حزب الوطن الام في عام ,1991 ومن بين اهم المطالب الاخرى مايلي: 1ــ منع تشجيع ارتداء ازياء تتعارض مع تلك المنصوص عليها بالقانون في شكل في الاشكال وذلك في اشارة الى ارتداء الحجاب. 2ــ العمل مجددا على جعل السياسات التعليمية مشمولة بقانون (توحيد التعليم) ويجب زيادة مدة التعليم الالزامي الى ثماني سنوات وتحديد عدد المدارس التي تعد رجال دين وتحويل العدد الفائض منها الى مدارس مهنية. 3ــ اغلاق مدارس تعليم القرآن الكريم التي يديرها اصوليون وربط بقية المدارس بوزارة التعليم. 4ــ على الحكومة وقف عملية تعيين اصوليين في المؤسسات الحكومية. 5ــ المراقبة الدقيقة للمؤسسات المالية التابعة للجماعات الدينية ومنع تحويلها الى قوة اقتصادية. 6ــ مراقبة الاعلام المرئي والمسموع والمقروء الذي ينتهج خطا مناهضا للعلمانية والزام مبادىء الدستور. 7ــ منع تسليم مجالس بلدية تمويلا من منظمات دينية في اوروبا. اضافة الى ذلك اجبرت المؤسسة العسكرية اربكان على طرد ضباط من الجيش ينتمون الى الاصوليه كما نشرت دباباتها في احدى ضواحي انقرة عمدتها من الاسلاميين على سبيل المثال. ويرى محللون ان هذه المطالب هدفت في جوهرها الى محاربة التيار الاسلامي وتجفيف منابعه والقضاء على اية مظاهر له في المجتمع التركي, وفي تطور قامت المؤسسة العسكرية في تركيا بمجموعة من الاجراءات التي تهدف الى مواجهة الاسلام السياسي وكان ذلك عام 1998 وكانت ابرزها: 1ـ وضع المؤسسات التعليمية الدينية تحت اشراف وسيطرة هيئة الشئون الدينية. 2ــ حل كافة الجماعات والطوائف الدينية وحظر انشطتها وتخفيض اعداد المدارس الدينية الاهلية التي بلغت مئات الالوف والتي يعمل خريجوها ضد النظام العلماني. 3ــ عدم بناء مساجد جديدة بدون الحصول على موافقة السلطات الدينية المختلفة, وجاءت هذه الخطوة في سياق التقارير الامنية التي اشارت الى وجود 9216 مسجدا يتبع الطرق الدينية المتطرفة بالاضافة الى 3 آلاف مسجد آخر يتبع الجمعيات الخيرية وتستغل كمورد لتمويل الجماعات الاصولية الى اكثر من كونها اماكن للعبادة. 4ــ تشكيل لجنة خاصة تضم ممثلين من وزارة الدفاع, الداخلية, والخارجية, والتعليم, والامانة العامة لمجلس الأمن القومي, ووكالة الاستخبارات, والمجلس الاعلى للتعليم, بغرض تنظيم الدراسة في الخارج ومتابعة الدارسين والحد من التحاقهم ببعض الجماعات الاسلامية في الدول الاسلامية بالاضافة الى وضع خريجي تلك الجماعات تحت الرقابة الشديدة. 5ــ ابعاد كافة الافراد الذين تحوم حولهم الشبهات في انتماءاتهم الدينية من المؤسسات والهيئات الحكومية وقد شمل ذلك الموظفين العموميين والافراد المنتخبين من العمد والمحافظين, وفي هذا السياق تم ابعاد عمدة اسطانبول رجب الطيب اردوغان الذي كان مرشحا لرئاسة حزب الفضيلة. 6ــ حظر انشطة المنظمات الدينية التي يثبت مخالفتها للغرض الذي انشئت من اجله. ولم تكتف المؤسسة العسكرية بتلك الاجراءات بل انها عمدت الى حظر الاحزاب الاسلامية وسجن قادتها ومواجهة اعضائها الذين يتحدون النظام العلماني, وفي هذا السياق قام المدعي العام التركي برفع دعوى امام المحكمة الدستورية في شهر مايو 1997 ضد حزب الرفاه يتهمه فيها بجر البلاد الى حرب اهلية, وقد اصدرت المحكمة حكمها في 16 يناير 1998 بحل الحزب واسقاط عضوية زعيم الحزب نجم الدين اربكان الذي كان قد استقال من الحزب في يونيو 1997 بسبب ضغط الجيش في البرلمان ومنعه من ممارسة العمل السياسي لمدة 5 سنوات. وفي نفس السياق حظر حزب الفضيلة الاسلامي الذي يعد وريثا للرفاه من الناحية الفعلية, بهذه الخطوات اثر الجيش على الحركة السياسية فمنع سياسيين السبعينيات والثمانينيات, وارسلهم الى المنفى لكي لا يعكروا صفو الانتخابات المقبلة, وكان نتيجة ذلك فوز تورغوت اوزال الذي كان يمثل الاتجاهات الاربعة مستغلا الفراغ الذي احدثه غياب الاحزاب القديمة فدخل السياسة بحزب يناسب مختلف الاتجاهات. وتعد فترة اوزال نقطة تحول مهمة فقد اطلق لحزبه الوطن الام العنان في مجال الاقتصاد عبر مجموعة من القرارات الليبرالية, فبدأت حملة التصدير للخارج وتسارعت وتيرة الاستثمارات ودخول رؤوس الاموال الاجنبية الى البلاد, وهنا ظهرت الرغبة الشعبية في رفع الحظر عن السياسيين القدامى ونزل اوزال للساحة لكي يقول: لا لهذه الرغبة ويقود حملة لاجهاضها, لكن ديميريل استطاع بالاكثرية الضئيلة من الاصوات التي لم تزد على 50 الفا من حشر اوزال في الزاوية في الاستفتاء الذي جرى لهذا الغرض, بعدها انكمش حزب اوزال وتقزم ومع انتخابات 1986 الذي شهد عودة الزعماء الممنوعين وعادت للمواجهة تيارات العسكر والاسلاميين. وفي النهاية نجد ان تركيا عام 2000 شهدت انفتاحا غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية تجاه منطقة الشرق الاوسط وبخاصة في قضية فلسطين التي تشكل لها جوهر المشكلة في المنطقة خاصة بعد عودة العلاقات مع سوريا والعراق وليبيا بعد سنوات من التوتر. ويمكن القول ان تركيا التي تواجه ازدواجية ثلاثية بين علمانية جيشها واسلاميتها وشراكتها الاستراتيجية مع اليهود, لم تستطع حل هذه العقدة ــ اللازمة ــ وهذا ما يشكل سلوكها المتذبذب بين علاقاتها بالعرب والمسلمين وبين اسرائيل, واوروبا, وامريكا, انها لا تعدو ان تكون قاعدة عابرة في مخططات امريكا واوروبا وكما يعتقد الكثيرون انها لن تنال عضوية الاتحاد الاوروبي الذي يواجه هو نفسه صعود الحركات الاسلامية وظهور اليمين المتطرف بشدة, ولا يمكن والحالة هذه ان يضع في خاصرته شوكة اسل