الملف السياسي : وأخيرا, وبلا معارك حامية ومتطاولة على المجال السياسي والقضائي والاعلامي اصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارا في شأن انتخابات الرئاسة اضطر معه المرشح الديمقراطي، آل جور للتنازل لغريمه الجمهوري بوش في الثاني عشر من ديسمبر الماضي بعد ان تأكد لآل جور ولمساعديه عدم جدوى المعركة القضائية. هذا, ويوجد احساس عام وسط الجمهور الامريكي بأن السياسة الامريكية المعاصرة لم تشهد مثل هذه الازمة الخانقة والتي لم تقتصر على الساحة الاعلامية والسياسية, وإنما امتدت لتلف المؤسسة القضائية بأكملها وتطعن في نزاهتها ثم تعمقت في الوجدان الشعبي لدرجة بعيدة حتى أن اتباع الحزب الجمهوري شديدي المحافظة تعلموا التظاهر في الشوارع تعبيرا عن حالة الغضب والاستياء التي لا تقل عن غضب الديمقراطيين الذين يضمون اقليات عرقية عديدة مهيأة للغضب والثورة بحكم وضعها الاجتماعي والسياسي. وزاد من حالة التوتر والانقسام ان فوز الحزب الجمهوري على ما عليه من مآخذ دستورية لم يكن حاسما ليس فقط على مستوى رئاسة الجمهورية وانما على مستوى مجلس التشريع, اذ تمكن الحزب الديمقراطي ان يقتسم معه المقاعد نصفا بنصف. ليس من المستغرب اذن بعد التأمل في هذا الوضع الاستقطابي الحاد ان تعالت اصوات كثيرة مطالبة بتكوين حكومة وحدة وطنية, تكون من اولى مهامها تضميد الجراح الغائرة التي خلفتها المعركة الانتخابية وذلك لكي توحد الشعب الامريكي مرة اخرى, وتعيد اليه شيئا من الثقة في قيادته السياسية ومؤسساته العدلية ــ بل ولتعيد اليه الثقة في النظام الديمقراطي ذاته, اذ ان كثيرا من المواطنين عادت تخامرهم الظنون في جدوى الانتخابات وفي نزاهتها. ولا يوجد بالطبع من الناحية الواقعية مجال لتكوين حكومة وحدة وطنية بمعنى مشاركة الحزبين فيها, ولكن برغم ذلك فقد صار مفروضا على الرئيس الجديد ان يعين في ادارته عددا من اعضاء الحزب الديمقراطي, وذلك لسببين: الاول: ان يتظاهر امام الرأي العام الامريكي بأنه يمثل قيادة قومية تعلو على الالتزام الحزبي الضيق, وتعمل من اجل افراد الشعب بغض النظر عن الولاءات الحزبية, وقد اشار الرئيس المنتخب بوش الى هذه المعاني بالفعل في اول خطاب له بعد تنازل المرشح الديمقراطي ــ والسبب الثاني هو انه ما لم يتقارب من بعض الشخصيات والسياسات الديمقراطية فإنه سيواجه تحديات حقيقية في مقاعد مجلس التشريع التي يتقاسمها معه الحزب الديمقراطي, وقد ابدى الرئيس بوش في اكثر من مناسبة استعداده للعمل مع الديمقراطيين ــ والاحتمال الراجح انه سوف يتفاوض معهم حول وزارات الزراعة والخزانة والطاقة. ولكن هناك من يقول ان كل هذا لا يجدي كثيرا, لأن من يتم استقطابه من الحزب المعارض واستدراجه للعمل ضمن فريق الحزب الجمهوري الحاكم, اما ان يكون اساسا من الشخصيات الهامشية غير ذات الاثر في مراكز القرار, وأما ان يكون شخصية مؤثرة ولكنه سرعان ما يفقد مكانته في الحزب وينظر اليه زملاؤه السابقون بقدر من عدم الثقة والاستياء ويشيرون في هذا الصدد الى حالة الجمهوري كوهين الذي عمل في ادارة كلينتون وزيرا للدفاع, فلم يكسب كلينتون عن طريقه تعاطفا يذكر من الحزب الجمهوري, كما ان كوهين فقد موقعه بصورة تامة في داخل الحزب الجمهوري, ويمكن ان يضاف الى هذا المثال حالة ما كنمارا الجمهوري في حكومة الرئيس كنيدي الديمقراطي. فالتقارب اذن عن طريق (التوظيف) لبعض الشخصيات قد لا يؤدي بالضرورة الى تقارب بين الحزبين. ومع كل هذا تجدر الاشارة الى ان اكبر معوقات الوفاق السياسي قد تنطلق من داخل الحزب الجمهوري نفسه, فهذا حزب غاب عن السلطة لمدة ثمانية اعوام كاملة وانفق الغالي والنفيس في سبيل استعادتها, فليس من الميسور على قطاعاته القيادية ــ خاصة القيادات اليمينية المتطرفة ــ ان تقبل فكرة التقارب من الحزب الديمقراطي, او التنازل اليه عن بعض السلطة ــ ويدل على ذلك ان بعضهم قد اخذ يصرح عشية فوزهم بأن الادارة الجمهورية تعني ان يديرها الجمهوريون. ولكن وكيفما كان الامر فإن الواقع السياسي المتوتر والاعتبارات العملية الملحة ستفرض على كل جانب ان يبدي قدرا من التنازلات, ولكن التنازلات عادة ما ترتبط بالانشقاقات والتمرد, فقد ينشق على الرئيس بوش بعض المتشددين من مؤيديه بسبب تنازلات في السياسات او المناصب الاساسية يبديها لاسترضاء الحزب الديمقراطي, كما قد يتمرد بعض الديمقراطيين على قيادتهم بسبب تنازلات تبديها بحكم الواقع وبمقتضى الضرورة. وبالطبع فإن مثل هذه الاحتكاكات والنزاعات التي تجري في داخل المؤسسة السياسية الامريكية سيكون لها انعكاس مباشر على السياسة الخارجية, ولكن يتعين على المراقب للأوضاع الدولية وهو يشاهد تكوين الادارة الجديدة ان يدقق النظر في الثالوث الذي يتحكم في صياغة وادارة السياسة الخارجية, وهو يتكون بالطبع من سكرتارية الشئون الخارجية والدفاع ومستشارية الامن القومي, وقد تلحق بهم التجارة الخارجية. لقد كانت اول خطوة اتخذها الرئيس الجديد في تشكيل ادارته هو اختيار الجنرال كولن باول (63 عاما) ليشغل منصب سكرتير الشئون الخارجية, وهذا اختيار يحمل اكثر من دلالة ــ فمن حيث الوضع الداخلي فإن الجنرال باول يعتبر بطلا قوميا لما حققه من انتصار عسكري في حرب الخليج, فصار لذلك يتمتع بقدر كبير من احترام الامريكيين بغض النظر عن الانتماءات الحزبية, اما من ناحية ثانية فإن الجنرال باول ينتمي الى الامريكيين السود وهذه المرة الاولى في التاريخ الامريكي يتولى فيها احد السود موقع سكرتير الشئون الخارجية. وبهذا الاختيار فان الرئيس بوش يمد حبال الاتصال مع الاقلية السوداء ويخطب ودها ــ خاصة وأن هذه المجموعة قد انحازت بصورة شبه جماعية الى الحزب الديمقراطي في الانتخابات الاخيرة. اما من الناحية الثالثة والاكثر اهمية في هذا المجال فهو تعزيز دور المؤسسة العسكرية في الشئون الخارجية, وذلك بتعيين احد الرموز العسكرية والذي ظل يعمل في قيادة الجيش لمدة خمسة وثلاثين عاما ليكون سكرتيرا للشئون الخارجية. ففي هذا تأكيد للجميع وبعبارة صريحة ان الدبلوماسية في العهد الجديد لن تترك للدبلوماسيين والمهنيين, وأنه لا مجال للتراجع او التردد في اقتحام البؤر الساخنة في العالم, وسيتعزز هذا الاتجاه اذا صار توم ريدج وزيرا للدفاع وهو من العسكريين القدامى الذين عملوا في حرب فيتنام وأصبح تأريخهم الحربي جزءا اساسيا في جاذبيتهم الشعبية والسياسية. اما اذا حاولنا قراءة الملامح الاقتصادية للادارة الجديدة, فسنلاحظ ان الرئيس الجديد قد ورث وضعا اقتصاديا ممتازا لم يكن له مثيل في تأريخ الاقتصاد الامريكي المعاصر. ولكن نلاحظ كذلك ان الرئيس بوش قد خاض الانتخابات وعلى رأس اجندته تخفيض الضرائب باعتبار انه يريد ان يحصن الاقتصاد الامريكي ضد الكساد. هذا, ويعترف الاقتصاديون بأن معدلات النمو الحالي للاقتصاد (4.2%) تدنت قليلا عما كانت عليه في العام الماضي, ولكن ليس هناك ما يشير الى كساد, فالكساد لا يعني مجرد انخفاض معدلات النمو, وانما يعني النمو السالب في الاقتصاد, وهذا غير مرئي في الوقت الحاضر على الاقل, مما يعني ان الحديث عن تخفيض الضرائب قد يكون بالفعل حديث املته ظروف الحملة الانتخابية في محاولة لكسب تعاطف الطبقة الموسرة من أرباب المال ــ كما صرح بذلك خصومه الديمقراطيين مرارا وتكرارا ابان الحملة الانتخابية, فإذا كان هذا صحيحا فانه من الممكن ان يعدل عن خفض الضرائب الى خفض سعر الفائدة, اذ ان ذلك سيؤدي بالفعل الى تشجيع الاستدانة والذي سيؤدي بدوره الى تحريك الاقتصاد. على ان الازدهار الاقتصادي الذي تحقق في عهد كلينتون لم يكن راجعا للتحكم في الضرائب او في اسعار الفائدة بقدر ما كان يرجع الى ابطال قوانين الرقابة على الصادرات الامريكية, اذ كانت النظرة السائدة في المؤسسة الامنية والعسكرية قبل حكومة كلينتون هي ضرورة المحافظة على التكنولوجيا الامريكية المتطورة بعيدا عن امبراطورية الشر وعن مثيلاتها في آسيا (كوريا الشمالية) وفي الشرق الاوسط (العراق وسوريا) وذلك برغم سقوط حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة. واقتضت تلك العقلية الامنية المتوجة ان تمنع الشركات الامريكية من تصدير اي جهاز للكمبيوتر يتجاوز (486 ــ IBM) الا بتصديق من وزارة التجارة ومراجعة من وزارة الدفاع. فكان على الرئيس كلينتون ان يتخلى عن هذا التوجس وأن يفك من قبضة صقور البنتاجون على السياسة الخارجية. وعلى سياسات التصدير, وخاصة في مجال صناعة الكمبيوتر التي تتداخل مع صناعة المعدات الحربية وقد هوجم باعتبار ان مثل تلك السياسة لن تستفيد منها الا دول معادية مثل سوريا والعراق وكوريا الشمالية, وكان رد ادارة كلينتون ان البنتاجون هو الذي يحتاج الى التكنولوجيا المتطورة وليست التكنولوجيا هي التي تحتاج اليه, وأنه لكي نحافظ على تطور وتقدم الصناعة فينبغي ان نترك لها باب التصدير مفتوحا الى اكبر مدى ممكن. ونتيجة لتلك السياسات الانفتاحية قفزت عائدات الصناعة من 97 بليون دولار في عام 1993 الى 181 بليونا في عام ,1999 وارتفعت بذلك العمالة من 266 ألفا الى 362 ألفا في الفترة ذاتها. فهل ستستمر الادارة الجديدة في اتجاه الانفتاح التجاري وتترك هامشا واسعا للشركات الامريكية ام ستعود الى سياسة التوجس والضبط والرقابة؟ ان تشكيل الادارة الجديدة ــ وان لم تتضح سياساتها بعد ــ يشير الى هيمنة العقلية العسكرية والامنية مما يعني ان معدلات التصدير في الصناعات المتطورة ستشهد انكماشا, كما ان تشكيل الادارة الجديدة يشير من ناحية ثانية الى انها ادارة تسعى نحو تعزيز القدرات العسكرية وضمان التفوق الامريكي المطلق في هذا المجال اكثر من سعيها لضمان التفوق الاقتصادي الذي كانت تعمل اليه ادارة كلينتون. ولكن, هل ستقود مثل هذه التوجهات الى مرحلة جديدة من سباق التسلح, وتقود بالتالي الى ازدياد التوتر في البؤر الساخنة في العالم, والى استقطاب جديد بين من تعتبرهم امريكا اصدقاء لها ومن تضعهم في خانة الاعداء؟ وكيف ستكون العلاقة مع روسيا ومع جمهورية الصين اذا تم التخلي عن سياسة الاحتواء عن طريق الانفتاح التجاري عليها؟ وكيف سيكون التعامل مع ملف العراق وايران والقضية الفلسطينية؟ هذه الاسئلة ونحوها تطرح نفسها حتى تتضح ملامح السياسة الجديدة وتكتمل صورة القائمين عليها, على ان ما ظهر منها حتى الآن لا يدعو محبي السلام العالمي الى التفاؤل.