الملف السياسي : ربما لم تستقبل سنة من السنوات بمثل ما استقبلت به سنة الالفين من آمال ومخاوف ومن جدل كذلك. فقد ثار جدل واسع حول ما اذا كانت هذه السنة مكملة للالفية الميلادية الثانية ام بداية لالفية جديدة! وقد كانت المخاوف على اشدها من (علة القرن) وما يمكن ان تسببه من مشاكل وكوارث تقنية في مختلف الميادين والقطاعات, بما في ذلك الاسلحة النووية ووسائل النقل الحديثة بكل انواعها البرية والبحرية وبصفة خاصة الجوية, وفي المقابل علق الكثيرون آمالهم وتطلعاتهم على (بداية الالفية الجديدة) وما يمكن ان تحمله للبشرية من انجازات علمية ومن امن مفقود واستقرار تمنوا ان يكون اقرب منالا من ذي قبل. وجاءت سنة 2000 وها هي تمضي دون ان تتحقق آمال الحالمين او تصدق مخاوف المتشائمين, وايضا قبل ان ينقضي الجدل او يحسم الخلاف حول هوية هذه السنة وانتمائها.. هل الى قرن مضى ام الى الفية جديدة؟! ورغم كل ذلك فقد شهدت السنة المنصرمة احداثا وتطورات عديدة عربيا واقليميا ودوليا, وتركت مؤشرات ودلائل على ان السنة الجديدة 2001 حبلى بالكثير من الاحداث والتطورات. ولسنا هنا بصدد سرد اخباري لوقائع واحداث العام الماضي ولا ندعي كشف الغطاء عن واقع عام جديد لم يكد يخرج من غرفة الولادة بعد. لكننا نحاول استقراء الوقائع والاحداث السابقة وتتبع بعض خيوطها المتشابكة, علنا نستطيع استشراف ما يمكن ان يتلوها من تداعيات وتطورات في العام الجديد المقبل الينا كما اقبل غيره, دون رغبة او استئذان. انتفاضة الحد الفاصل شهدت الساحة العربية خلال سنة 2000 المنصرمة احداثا وتطورات بالغة الاهمية, لعل ابرزها: ـ تحرير الجنوب اللبناني بعد هروب قوات الاحتلال الاسرائيلية امام ضربات المقاومة الوطنية. ـ رحيل الرئيس السوري حافظ الاسد. ـ اندلاع انتفاضة الاقصى في فلسطين المحتلة ومختلف العواصم والمدن العربية والاسلامية. ـ التئام القمة العربية الشاملة لاول مرة منذ عشر سنوات. ـ تآكل الحصار المفروض على الشعب العراقي الذي يعاقب على ذنب لم يقترفه. واذا كان رحيل الرئيس حافظ الاسد يعتبر على نطاق واسع خسارة عربية لنهج سياسي اتسم بالحنكة والنظرة الاستراتيجية وثبات الموقف, فإن الاحداث الاخرى تعد مكاسب سياسية واستراتيجية عربية طال انتظارها. وتظل انتفاضة الاقصى ـ دون شك ـ الحدث الابرز والاهم من بين هذه الاحداث على اهميتها جميعا وتأثيرها البالغ. فقد وضعت الانتفاضة حدا فاصلا بين زمنين مختلفين وتاريخين متباينين في المنطلقات والاختيارات وفي الاهداف والغايات وحركت والمياه السياسية الراكدة, والغت وهم تغييب الجماهير العربية والبعد الاسلامي في الصراع العربي الصهيوني واعادت خلط الاوراق السياسية في المنطقة كلها بل وفي العديد من مواقع ومحافل صنع القرار الدولي, فضلا عما احدثته من تخلخل واهتزاز في البنية السياسية والنفسية للمجتمع الاسرائيلي نفسه والذي كان من ابرز مظاهره الاطاحة برئيس الوزراء ايهود باراك الذي اعلن استقالته, وتصاعد الصراعات بين الاحزاب والكتل السياسية المختلفة. فمنذ سنوات عديدة بل عقود من الزمن لم يتحرك الشارع العربي والاسلامي ولم تتوحد توجهات جماهيره تجاه قضيته كما حدث مع انتفاضة الاقصى في فلسطين بل ان عواصم ومدنا كبرى ربما شهدت تظاهرات ومسيرات شعبية كبرى بهذا الحجم لاول مرة في تاريخها, وهو ما يعني ان قدسية الاقصى خط احمر بالنسبة لجميع العرب والمسلمين وان الحل النهائي للصراع العربي الصهيوني لا يمكن ان يتم دون اعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتحرير القدس والاراضي العربية المحتلة كاملة. كما اظهرت هذه الهبة الجماهيرية الكبرى مدى اليأس والاحباط الذي اصاب الشارع العربي والاسلامي من اخفاقات مسيرة التسوية المستمرة منذ مؤتمر مدريد عام 1991 وما تلاه من لقاءات واتفاقات في اوسلو وغيرها, لم تلتزم اسرائيل بأي منها ولم تحترمها على الاطلاق. وهكذا فإن انتفاضة الاقصى اعادت القضية الفلسطينية الى موقعها ومركزيتها في العمل السياسي العربي وعززت بعدها الاسلامي, بعد عقود من المحاولات المستمرة والمتكررة لتحجيم هذه القضية وعزلها عن محيطها العربي والاسلامي والعمل على منعها من التفاعل الحي مع الجماهير التي اثبتت انها عامل فعال لا يمكن اغفاله او تجاهله الى الابد. القمة العربية وقد كان من النتائج الايجابية الفورية لهذه الانتفاضة انها دفعت العرب الى القبول بالتئام قمة شاملة لم يستطيعوا عقدها, رغم الدعوات الخيرة والمطالبات المستمرة, طوال عشر سنوات كاملة! ولاشك ان هذا الانعقاد يعتبر انجازا في حد ذاته بعد كل هذه السنوات من العجز والتخاذل, غير انه ليس الانجاز الوحيد. فقد اقرت القمة دورية انعقادها سنويا, وهو قرار طال انتظاره وكثرت المطالبات به منذ عهد طويل. ورغم ما وجهه البعض من انتقادات لمقررات القمة بأنها لم تكن على مستوى الطموحات والتطلعات, إلا ان مسار الاحداث والتطورات اظهر ان قرارات القمة قابلة للفعل والتأثير اذا تم الالتزام بها وتنفيذها دون تلكؤ او تباطؤ, وهو ما ظهر بشكل اكثر وضوحا وتميزا في قرار مصر سحب سفيرها من تل ابيب ردا على استمرار الممارسات الصهيونية تجاه الشعب العربي الفلسطيني ومقدساته الاسلامية وانتفاضته المباركة, الامر الذي اعتبر أعظم تحد تواجهه العلاقات المصرية الاسرائيلية منذ اتفاقيات كامب ديفيد وصفة قوية لمحاولات اسرائيل التغلغل في النسيج العربي وفرض التطبيع السياسي والاقتصادي معها كأمر واقع, رغم رفض المجتمعات العربية وأولها الشعب المصري بكل قواه وفعالياته. وجاءت القمة الاسلامية في الدوحة لتؤكد على ما اقرته القمة العربية من دعم ومساندة لنضال الشعب الفلسطيني وتمسك بالمقدسات الاسلامية في فلسطين كلها, وخاصة المسجد الاقصى والقدس الشريف. وقد شهدت كلتا القمتين مواقف قوية وواضحة تجاه اسرائيل والقوى المساندة لها, في ما اعتبر بداية تحول جديد في السياسة العربية ليس من الضروري ان تظهر نتائجه بشكل آني ولكنه على الارجح سيكون له تأثير واضح في المديين المتوسط والبعيد, كما هو الحال ـ على سبيل المثال ـ بالنسبة للموقفين السعودي والمصري. ومع انعقاد القمة الدورية الاولى في العاصمة الاردنية عمان خلال شهر مارس المقبل 2001 فإن القادة العرب سيجدون الفرصة المناسبة لمراجعة مقررات قمة القاهرة الطارئة ومدى ما تحقق منها وما استجد من احداث وتطورات تتطلب اتخاذ قرارات ومواقف جديدة, سواء فيما يتعلق بالقدس والقضية الفلسطينية او بشأن القضايا القومية الاخرى والعمل العربي المشترك. ولاشك ان هذه الاحداث والمتغيرات العربية قد تأثرت ايجابا بنتائج وانعكاسات حدث عربي بارز آخر قلب الكثير من المفاهيم وغير العديد من المعادلات التي حكمت المنطقة طوال السنوات الماضية, ألا وهو تحرير الجنوب اللبناني بعد (الهروب الاسرائيلي الكبير) تحت ضربات المقاومة الوطنية والصمود الشعبي, بعد اثنتين وعشرين سنة من العدوان والاحتلال. سابقة تاريخية منذ النكبة وقيام الدولة اليهودية في فلسطين المحتلة عام 1948 لم يحدث ان انسحب الاسرائيليون بالقوة من ارض عربية احتلوها, باستثناء بعض المناطق التي استرجعها الجيشان المصري والسوري في حرب رمضان ـ اكتوبر عام 1973 التي كانت حربا شاملة بين جيوش نظامية. اما في مايو عام 2000 فقد هرب الاسرائيليون وتم تحرير جنوب لبنان بفعل مقاومة شعبية لم تكن تمتلك الكثير من القوة العسكرية والعتاد الحربي, لكنها امتلكت وضوح الرؤية وتحديد الهدف وروح التضحية والفداء, وقوة الارادة, وصدق العزيمة على تحقيق النصر ومواجهة العدو, وهذه هي اهم الاسلحة واكثرها فعالية في اي معركة مصيرية على مر التاريخ. ومع انهيار دفاعات قوات الاحتلال في الجنوب اللبناني بدأت تتداعى من جديد اسطورة (الجيش الذي لا يقهر) ومقولة (الدولة صاحبة الذراع الطويلة) التي تستطيع ان تضرب في اي مكان, والتي استخدمتها الدعاية الصهيونية طويلا وسيلة للتخويف والارهاب. ومع تآكل هيبة المؤسسة العسكرية وتزايد الصراعات السياسية الداخلية, بدأت حكومة الجنرال المتقاعد ايهود باراك البحث عن مخرج يعيد لدولة (الشعب المختار) بعض هيبتها او على الاقل يوقف التداعي والتآكل الذي بدأ ينخر مؤسساتها واركانها الاساسية, فكانت قمة (كامب ديفيد الثانية) التي جمعت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي باراك في ضيافة الرئيس الامريكي بيل كلينتون حيث حاول باراك طوال اسبوعين كاملين وبمساعدة امريكية اجبار الرئيس الفلسطيني على قبول حلول قاصرة ومبتسرة ترفض تحرير القدس ولا تعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ارضهم ووطنهم. ويبدو ان تزايد المأزق الاسرائيلي ووصول التسوية, كما كانت تريدها اسرائيل وامريكا, الى طريق مسدود قد دفعا حكومة باراك الى المزيد من التخبط والحسابات الخاطئة فحاولت مغازلة حزب الليكود المعارض من خلال السماح لزعيمه الارهابي المتطرف ارييل شارون بزيارة المسجد الاقصى وتدنيس حرمته الشريفة, فكانت انتفاضة الاقصى التي فجرها الشعب الفلسطيني وعينه على ما انجزته المقاومة في الجنوب اللبناني من دحر العدوان والاحتلال. حصار الشعب العراقي بعد عشر سنوات كاملة من الحصار القاسي الذي فرض على الشعب العراقي, يبدو ان طوق المعاناة قد بدأ يتسع تدريجيا بعد حصار مر وباهظ من أرواح الأبرياء واحتياجاتهم الأساسية. ولم يكن التآكل الذي بات واضحا في جدار الحصار نتيجة لاعتبارات إنسانية فحسب, وإنما أيضا, وربما بالدرجة الأولى, لان المتضررين منه كثر ويبدو ان صبرهم بدأ ينفد في ظل اصرار الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على ابقائه أطول فترة ممكنة. وكانت روسيا الاتحادية الأسبق في كسر الحصار الجوي على العراق حيث نظمت رحلتين جويتين لم تلبث أن تلتهما رحلة فرنسية, لتتوالى بعد ذلك الرحلات الجوية إلى العراق ومنه بما فيها رحلات منتظمة لبعض شركات الطيران العربية والأجنبية, كما هو حال الخطوط الروسية والأردنية وربما المصرية قريبا, فضلا عن الرحلات الداخلية للخطوط الجوية العراقية. وتزامن هذا (الاجتياح المدني) للحظر الجوي مع تحسن ملحوظ في علاقات العراق مع الدول التي تضررت علاقاتها بها بسبب حرب الخليج الثانية خاصة مع دول الخليج العربية وايران, حيث أعادت دولتان من دول مجلس التعاون, هما الامارات والبحرين, فتح سفارتيهما في بغداد في حين كانت قطر قد استعادت وتيرة علاقاتها الطبيعية مع العراق منذ فترة, بينما لم تغلق سلطنة عمان سفارتها في بغداد أصلا. كما شهدت العلاقات العراقية الإيرانية تحسنا واضحا تمثل في تبادل الزيارات واللقاءات على مستويات عالية كان أهمها اجتماع الرئيس محمد خاتمي مع نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان خلال قمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التي عقدت في العاصمة الفنزويلية كاراكاس خلال شهر سبتمبر الماضي. وقد دعم هذا التقارب أيضا التطور الايجابي الكبير في العلاقات بين العراق من جهة وسوريا من جهة أخرى والتي تربطها علاقات متميزة واستراتيجية مع إيران. وقد أظهرت الدول العربية كلها مواقف متعاطفة مع الشعب العراقي ومساندة لرفع المعاناة عنه, وان تفاوتت مواقفها ورؤاها لطرق وأساليب رفع هذه المعاناة, وقد انعكس هذا التحول الايجابي في مواقف بعض الدول العربية تجاه العراق من خلال القمة العربية التي شارك فيها الجميع لأول مرة منذ عام ,1990 ودون تغيب أو اعتراض أي طرف عربي كما كان يحدث في السنوات السابقة. وهذه أيضا من نتائج انتفاضة الأقصى التي عقدت القمة العربية الطارئة لأجلها واتسمت باسمها (قمة انتفاضة الأقصى), مما يؤكد ان تحولا ايجابيا بدأ يأخذ طريقه بالفعل في شرايين ومسام السياسة العربية التي عانت طويلا من التسمم الخارجي والانقسامات الداخلية. آفاق مبشرة إن المتتبع لهذه الأحداث وغيرها من التطورات الايجابية على الساحة العربية خلال العام المنصرم, سيجد ولا شك ان هناك اتجاها تصاعديا نحو المزيد من التضامن العربي وتوحيد الصفوف في وجه التحديات الكبيرة التي تواجهها الأمة داخليا واقليميا وعلى المستوى الدولي. وإذا أخذنا بالعوامل الموضوعية والمؤشرات التي ظهرت حتى الآن, فإنه يمكن القول ان عام 2000 كان على الاجمال عاما عربيا ايجابيا, وان العام المقبل, على هذا الأساس, يعد بحصاد أفضل ونتائج أكثر ايجابية. وقد يكون من بين هذه النتائج المحتملة رفع الحصار كليا أو بنسبة كبيرة عن العراق وشعبه المظلوم, وكذلك اعلان الدولة الفلسطينية بعد أن تكون انتفاضة الأقصى قد أقنعت حكومة اسرائيل المقبلة (سواء كانت شارونية أو باراكية أو بأي وجه آخر من وجوه الارهاب الصهيوني) ان العدوان والغطرسة لا يجلبان الأمن ولا يمنحان الطمأنينة, وان الحقوق لابد أن تعود لأصحابها مهما طال اغتصابها. ففيما يخص الحصار ضد العراق يبدو فعلا انه بدأ يتلاشى عمليا, على الرغم من التحذيرات الشديدة التي وجهها وزير الخارجية الأمريكي المعين ورئيس الأركان السابق الجنرال كولن باول في أول تصريح رسمي له بعد اختياره لهذا المنصب, وان كان من غير المستبعد أن تؤدي عودة (آل بوش) للحكم في الولايات المتحدة إلى ابطاء وتيرة رفع الحصار وفتور حماس بعض الأطراف في هذا الاتجاه, ولو مؤقتا. أما عملية التسوية التي لا تكاد تخرج من اغماءة حتى تدخل في غيبوبة فيبدو ان السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية المستقيلة قد وجدتا مصلحة مشتركة في محاولة انعاشها. فباراك المهزوم شعبيا وسياسيا يبحث عن ورقة انتخابية جديدة قد تدعم حظوظه في العودة إلى رئاسة الحكومة, بينما تحاول السلطة الفلسطينية الابقاء على زمام المبادرة في يدها بعد أن بدا ان الانتفاضة الشعبية بدأت تخرج عن اطار (التحريك) الضيق إلى طريق (التحرير) الشائك والذي يتطلب تضحيات لا يبدو ان بعض الرسميين على استعداد لتقديمها وتحمل نتائجها حتى الآن. وبالاضافة إلى ذلك ربما يحاول الطرفان, الفلسطيني الرسمي والاسرائيلي الباراكي, اللعب على لهفة إدارة كلينتون المنصرفة لتحقيق أي (انجاز) على مستوى العملية السلمية قبل أن تنتهي ولايتها في العشرين من يناير الحالي (2001 ). ولكن احتمال تحقيق مثل هذا (الانجاز) يبدو ضئيلا جدا, فما لم يحققه كلينتون طوال ثماني سنوات من رئاسته لن يكون من السهل أن يحققه في أقل من أربعة أسابيع, وهو ما يجعل استمرار الانتفاضة مرجحا ولو مع فترات استراحة وهدوء مؤقت, كما انه يبقي احتمالات التصعيد الاسرائيلي قائمة, ليس على مستوى الانتفاضة وفي الأراضي الفلسطينية فحسب, بل ربما على مستوى المنطقة كلها وخاصة في جنوب لبنان وعلى الحدود السورية. غير ان احتمال التسخين إلى هذا الحد يبدو الآن بعيدا أو مؤجلا على الأقل. فإسرائيل (المتوجسة) من عودة (آل بوش) من المستبعد أن تستقبل إدارتهم الجديدة والمثخنة بجراح المعركة الانتخابية والفوز اللاهث, باشعال حرب جديدة في أكثر المناطق حساسية بالنسبة لمصالح أمريكا وإداراتها المختلفة. وليس المقصود بـ (توجس) إسرائيل من الإدارة الأمريكية الجديدة ان إدارة بوش الابن سترفع السلاح في وجه الاسرائيليين وتذوب شوقا إلى العرب! فالالتزام الأمريكي بحماية إسرائيل وأمنها التزام ثابت واستراتيجي منذ قيامها عام 1948 في عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان, وحتى بيل كلينتون الرئيس المنصرف, مرورا بكل الرؤساء الآخرين من جمهوريين وديمقراطيين. ولكن الإدارة الجديدة في عهد (بوش الابن) قد تكون أقدر على التعاطي مع هذا (الالتزام) بمرونة أكثر وربما باسلوب مغاير, إذا وضعنا في الاعتبار ما أظهره (بوش الأب) من صرامة نسبية في تعامله مع حكومة إسحاق شامير الليكودية بشأن عملية التسوية وضمانات القروض, وما تبع ذلك من دور مشبوه للوبي اليهودي الأمريكي في عدم اعادة انتخاب بوش لولاية ثانية, ثم الدور الواضح والصريح, هذه المرة, في دعم المرشح الديمقراطي آل جور المنافس الذي كاد أن يطيح بأحلام المرشح الرئاسي (بوش الابن). وهكذا فإن التسخين الشامل والفوري في منطقة الشرق الأوسط يبدو مستبعدا, والحلول الكاملة غير منتظرة, على الأقل في مدى الاثني عشر شهرا المقبلة. ومع ذلك فما لا شك فيه ان قواعد اللعبة السياسية التي بدأت مع ومن مؤتمر مدريد عام 1991 لم تعد صالحة للتعاطي مع الوضع المستجد بفعل انتفاضة الأقصى وتداعياتها, وبالتالي فإن المستقبل يظل مفتوحا على كل الاحتمالات والمفاجآت. عالم مضطرب على المستوى العالمي كانت سنة ,2000 بشكل عام, سنة صراعات واضطرابات جديدة أو مستجدة, من جزر فيجي في أقصى مجاهل الجنوب الشرقي للمحيط الهادئ إلى دافوس في سويسرا أشهر مراكز المال والأعمال في العالم. فقد تصاعدت الاضطرابات الدينية والانفصالية في كل من اندونيسيا والفلبين, واستمر التوتر السياسي في شبه القارة الهندية والحرب العبثية في جارتها أفغانستان, والمقاومة الشعبية في الشيشان والغليان العرقي والديني في منطقة البلقان, رغم السقوط المدوي للديكتاتور اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش. بينما لم تبرأ القارة المسكينة (افريقيا) من صراعاتها المزمنة غربا ووسطا, رغم التعافي النسبي في الشرق بعد وقف الحرب الاريترية الاثيوبية, وقيام حكومة شرعية وبرلمان منتخب في الصومال. أما في أمريكا الجنوبية فقد بدت الأمور أقل حدة رغم سقوط أو هروب رئيس بيرو فوجيموري تحت ضغط المطالب الشعبية والفضائح السياسية والمالية. فقد شهدت كل من المكسيك وفنزويلا انتخابات ديمقراطية وانتقالا سلميا للسلطة, وبدت دول القارة أكثر ميلا نحو التعاون وتجاوز الخلافات. وشهد جنوب شرق آسيا تطورا ايجابيا مهما على صعيدي العلاقات الاقليمية والدولية اثر القمة التي عقدت بين شطري كوريا وأنهت قطيعة استمرت بينهما طوال نصف قرن ومثلت ميدانا من ميادين الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية أيام الاتحاد السوفييتي المنهار, كما أنهت معاناة الآلاف من الأسر الكورية التي انفصلت أثناء الحرب أو بعدها ولم يستطع أفرادها مقابلة بعضهم طوال هذه الفترة. وربما كان هذا هو الانفراج الأهم الذي شكل استثناء على انتشار وتزايد الصراعات العالمية خلال العام المنصرم, اضافة إلى (قمة الألفية) التي كانت لقاء بروتوكوليا أكثر من كونها ذات تأثير فعلي لتغيير العالم نحو الأفضل. وقد كانت (العولمة) بجدارة, وخاصة جوانبها الاقتصادية, من أهم عوامل السخط والاحتجاجات خلال العام 2000 وفي عقر دارها, حيث شهدت الدورة الثلاثون لمؤتمر دافوس في سويسرا احتجاجات واسعة تندد بهيمنة الشركات الكبرى والدول الغربية على الاقتصاد العالمي ومقدرات شعوب العالم الثالث. والشيء نفسه واجه اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في العاصمة الأمريكية واشنطن, وغيرها من المؤتمرات واللقاءات الاقتصادية ذات الطابع الدولي, وآخرها كان الاحتجاجات التي واجهت القمة الأوروبية في مدينة نيس الفرنسية أوائل ديسمبر 2000. وقد ظهر السخط على العولمة بشكل أكثر وضوحا فيما أطلق عليه (قمة الجنوب) التي استضافتها العاصمة الكوبية هافانا في بداية عام 2000 وحضرها ممثلو 133 دولة, والتي دعت إلى وضع (أسس جديدة وعادلة) لنظام عالمي تشارك فيه كل الدول على حد سواء. ومثلما كانت العولمة السياسية والاقتصادية مثار جدل واحتجاجات واسعة على مستوى العالم, فقد كانت كذلك (العولمة المناخية) ان جاز التعبير. فقد شهدت (قمة الأرض) التي انعقدت في لاهاي خلال شهر نوفمبر.. انقسامات حادة حول تقليص الانبعاث الغازي الذي يسبب الانحباس الحراري ويمكن أن يؤدي إلى مجاعات وكوارث طبيعية عديدة, وقد فشل المؤتمر في التوصل إلى اتفاق بين أطرافه الرئيسيين الذين تقودهم الولايات المتحدة الأمريكية من جانب والاتحاد الأوروبي من الجانب الآخر. بين ضفتي الأطلسي لم يكن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية الوجه الوحيد للخلافات الأوروبية الأمريكية, رغم التحالف الاستراتيجي والمصالح العديدة المشتركة بين جانبي المحيط الأطلسي. فقد أظهرت أمريكا امتعاضا واضحا من السعي الأوروبي المستمر لاستقلالية القرار السياسي والعسكري وتشكيل قوات أوروبية خاصة للتدخل السريع خارج اطار حلف الناتو الذي يجمع الأمريكيين والأوروبيين تحت قيادة أمريكية. ورغم تحفظ أمريكا حول اعلان هذا الموقف رسميا, ومحاولات أوروبا تأكيد تمسكها بالحلف الأطلسي وخصوصية العلاقة مع الولايات المتحدة, إلا ان الكثير من المحللين والسياسيين الأمريكيين لا يخفون قلقهم من (التوجهات الاستقلالية) الأوروبية ويرون انها موجهة للانتقاص من مكانة أمريكا ودورها كزعيمة وحيدة للعالم حاليا. ولا شك ان هذه المخاوف لها ما يبررها على المدى البعيد وربما المتوسط. فالخلافات مستحكمة بين الجانبين حول قضايا التجارة العالمية والكثير من القضايا الأخرى الاقليمية والدولية, سواء داخل أوروبا نفسها كما هو الحال بالنسبة لتشكيل قوة عسكرية وسياسية أوروبية متميزة عن السياسة الأمريكية, أو بالنسبة لمستقبل منطقة البلقان والعلاقة مع دول الاتحاد السوفييتي السابق بما فيها روسيا ذاتها. وكذلك بالنسبة للمناطق المتاخمة لأوروبا مثل حوض البحر الأبيض المتوسط وحدود التعاون بين أطرافه, وهو ما ينطبق أيضا على العلاقة مع دول تعتبرها أمريكا (خارجة على القانون) أو (مثيرة للقلق), حيث لم تتقيد أوروبا بالمقاطعة الأمريكية لإيران, ويحاول العديد من دولها ايجاد مخارج لكسر الحظر المفروض على العراق رغم الاصرار الأمريكي على استمراره. هذا فضلا عن الخلافات والتنافس الثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا التي تواجه تهديدا أمريكيا صريحا في بعض الأحيان وخفيا في أحيان أخرى, لمكانتها السابقة ونفوذها في القارة الافريقية, وخاصة في جزئها الغربي وشمالها العربي. ولا شك ان هذا التنافس والخلافات العديدة لا تزال محكومة بوحدة الجذور وعمق العلاقات والمصالح المشتركة, ولكن ذلك لا يخفي حقيقة ان الشرخ قد حصل فعلا وانه مرشح للاتساع أكثر فأكثر, رغم ان حجمه يبدو ضئيلا الآن وربما غير منظور في بعض الأحيان. هرم السياسة الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 والولايات المتحدة الأمريكية تعمل على تأكيد قطبيتها الأحادية في زعامة النظام الدولي كبديل للقطبية الثنائية التي كانت قائمة قبل هذا التاريخ. غير ان هذه (الزعامة) بدت للكثيرين دكتاتورية دولية مفروضة أكثر من كونها تعبيرا عن القيم الإنسانية وتوافق المجتمع الدولي. وفي حين اكتفت بعض الأطراف, مثل الاتحاد الأوروبي, بالتحفظ ازاء القطبية الأحادية الأمريكية, فإن أطرافا دولية أخرى أظهرت رفضا واضحا للانفراد الأمريكي بالزعامة الدولية كما هو حال روسيا والصين اللتين أعلنتا هذا الرفض صراحة في بيانات مشتركة بين قيادتي البلدين وفي مواقف منفصلة لكل منهما. وقد تزايد هذا الرفض بشكل أكثر وضوحا خلال العام المنصرم, فقد أظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ توليه الحكم بداية عام ,2000 ميلا واضحا نحو اتخاذ مواقف أكثر استقلالية وبعدا عن السياسة الأمريكية مقارنة بسلفه بوريس يلتسين, رغم التحديات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تواجهها روسيا في سعيها لاستعادة المكانة الدولية التي كان يتمتع بها الاتحاد السوفييتي السابق الذي استعادت روسيا نشيده الوطني واحتفظت بعلمه رمزا لجيشها الوطني. غير ان الموقف الصيني تجاه القطبية الأحادية يبدو أكثر جدية ومصداقية, في الوقت الراهن على الأقل. ويتضح ذلك, ليس فقط من المواقف والتصريحات الرسمية الصينية, وإنما أيضا من ردود الفعل الأمريكية التي عكسها تسريب بعض التقارير المخابراتية حول التسلح الصاروخي الصيني وتصريحات بعض المسئولين العسكريين الأمريكيين حول (التهديد المستقبلي) الذي تمثله الصين بالنسبة لمصالح أمريكا ونفوذها الدولي وأمنها الاستراتيجي. وجاءت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة لتضفي المزيد من الشكوك حول أهلية أمريكا لقيادة العالم والتحكم في سياساته ومصائره, حيث أظهرت هذه الانتخابات انقسام المجتمع الأمريكي على نفسه وترهل نظامه السياسي والديمقراطي وتلهف قادته وزعمائه على المناصب والامتيازات الشخصية والحزبية. وهكذا يبدو هرم السياسة الدولية مبتور القمة ويفتقر إلى التوازن والاستقرار الضروريين للسلام والأمن العالميين. ضبابية المستقبل في ضوء الظروف والمعطيات السابقة يبدو من الصعب توقع عالم أكثر أمنا واستقرارا خلال السنة الجديدة, وربما كان العكس هو الصحيح. فالصراعات العرقية والطائفية والنزاعات الثنائية والاقليمية تطل برأسها من كل اتجاه والتنافس بين القوى الدولية على أشده, وما دامت هذه القوى غير قادرة أو ليست راغبة في المواجهة المباشرة فيما بينها, فإن استمرار النزاعات والحروب بالوكالة يبدو أمرا واردا إلى حد كبير, خاصة وان النزعات القومية والدينية بدأت تضفي طابعها وتستعيد تأثيرها في الكثير من الصراعات عبر العالم وفي كل القارات. هذا فضلا عن الصراع المتصاعد بين فقراء العالم وأغنيائه بفعل انعكاسات العولمة وتأثيراتها السلبية على العديد من دول العالم وشعوبه, بما في ذلك فئات كثيرة من شعوب الدول المتقدمة صناعيا والمتصدرة لفرض رؤيتها ومفهومها للعولمة. غير ان هذه الصورة القاتمة والرؤية الضبابية لمستقبل العالم في العام الجديد, لا تلغي وجود منافذ ضوء عبر اكتشافات ومخترعات علمية جديدة تصب في مصلحة البشرية. كما ان اهتزاز الدور الأمريكي وتزايد الأصوات المطالبة بنظام دولي أكثر عدالة, قد تثمر أطرا جديدة لتوازن يمنح العالم قدرا أكبر من الأمن والاستقرار المأمول.