الملف السياسي : عادة ما تنطلق التقييمات العامة لأداء النظام العربي من الإدراك العميق, والموضوعي في حقيقة الأمر, بأن لهذا النظام خصوصية يتفرد بها مقارنة بالتجارب المشابهة, أوروبية وأفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية.. ومما يقال في هذه المقارنة, أن النظام العربي ليس نظاما إقليميا بالمعنى الجغرافي وحسب, لكنه نظام إقليمي قومي. يترتب على هذا التعريف أننا بصدد نظام يفترض أن يعكس مضامين سياسية تستند إلى تجانس ثقافي تاريخي فريد, له عمق حضاري, ويتوخى أهدافا لا تتعلق فقط بالتنسيق النوعي السطحي, إنما يرنو إلى الوحدة السياسية الاقليمية وتصفية التجزئة المفتعلة وصولا إلى الدولة الموحدة ذات السيادة, غير المجروحة بأي احتلال أو نفوذ أجنبي ولهذا فإن المطلوب من نظام هذه حيثياته هو أوسع وأعمق بكثير مما تضطلع به نظائره على الصعيد العالمي. وعندما يتأمل عامة العرب, ناهيك عن خاصتهم, عجز النظام العربي عن اللحاق بإنجازات هذه النظائر رغم افتقارهم لخصائصه, فإنهم يستشعرون الأسى ويتبارون في تفنيد تجربته وبيان نقائصها وذلك بقدر يفوق بكثير الجوانب المضيئة فيها, وتتضاعف دهشة هؤلاء حين يستذكرون أن نظامهم العتيد هو الأقدم تاريخيا أيضا بين التجارب التعاونية الاقليمية. فقد تأطر هذا النظام في الجامعة العربية عام ,1945 حين كان الباقون مجرد مشروعات بظهر الغيب. غير أن أصحاب هذه التقييمات الأميل إلى السلبية إن شئنا الدقة نادرا ما يقيمون وزنا لحجم التحديات التي تعامدت خارجيا وداخليا ضد التجربة النظامية الاقليمية العربية, وذلك على نحو غير مسبوق بالنسبة للتجارب الأخرى. وفي تقديرنا, أن الحيثيات التي يفترض منها أن تمنح النظام العربي مذاقه المميز وتشحنه بعناصر القوة, هي ذاتها التي أدت إلى مضاعفة التحديات التي طرحت على طريقه, كما ونوعا. ثم إن الموقع الجغرافي أو الجيوستراتيجي الذي يتفرد به هذا النظام, الذي تتقاطع عنده مصالح قوى دولية بعضها طغياني الطابع ومعاد للعرب, عزز هذه التحديات. مقصدنا بهذه الملاحظة, لفت النظر إلى ضرورة الحكم على سيرورة النظام العربي إنطلاقا من المعطيات الموضوعية التي حفلت به, منذ مولده إلى الوقت الراهن. فعلى مدار السنوات المنصرمة من عمره, تحرك هذا النظام في كنف بيئة غير مواتية, ولم يمنح الفرصة الكافية لحفزه على التطور بوتيرة مريحة ومناسبة. لقد كانت التحديات التي واجهته أكبر بكثير من الفرص, وهو أمر لا نحسب أن نظاما إقليميا آخر وقع في إساره. إجمالا واجه النظام العربي منطق الدولة القطرية وتعلقها بسيادتها في ظل تفضيل من القوى المسيطرة أو المهيمنة دوليا لهذا المنطق والعمل على تجذيره. وواجه غضا التحدي الصهيوني ونشوء دولة إسرائيل الاستيطانية في فلسطين, ثم راح يعاني على مدار حياته من التداعيات الناجمة عن ذلك, وفي طليعتها حروب الاستنزاف المستمرة للطاقات والموارد العربية, والتضارب الداخلي حول سبل التصدي لهذه الدولة, أيضا واجه النظام ذات حين محاولات لشده من الأطراف, عبر اقحام لبعض أعضائه فيما عرف بسياسات الاحلاف والتكتلات الاقليمية في إطار الصراع العالمي بين المعسكرين. الرأسمالي والاشتراكي, فضلا عن الانقسامات الداخلية لاختلاف الميول تجاه أقطاب النظام الدولي. ولم تكن التحديات على الصعيد الداخلي بأقل وطأة.. ومنها, تباين الأطر الحاكمة في دول النظام, طبيعتها وتوجهاتها وتفضيلاتها.. وتباين مستويات الموارد المتاحة ودرجة التطور التقني والعلمي وحجم الارتباطات الخارجية, وكذا التدافعات الأيديولوجية والفكرية على الساحة العربية, وبعض هذه التباينات أفضى إلى استعار حروب أهلية ظاهرة ومستترة أرهقت النظام واستنفدت قواه في مسارب كثيرة. وبصفة عامة عاش النظام العربي تحت ضغوط خارجية وداخلية, لم تعرض بهذا التواكب والتزامن والالحاح, لغيره من النظم الاقليمية اللاحقة لنشأته, ورغم التحولات التي طرأت على طبيعة هذه الضغوط, فالتوافق العربي على تسوية الصراع سليما مع إسرائيل, لم يستتبعه, على سبيل المثال,إزاحة العامل الإسرائيلي كمعوق للتطور الاقليمي العربي. ويصدق الأمر ذاته على موقف النظام الدولي بعد أفول القطبية الثنائية. ولعلنا لا نبالغ في الزعم بأن المخاطر التي نجمت عن هذه التحولات باتت أكثر كثافة ووضوحا في اعتراضها على تطور حال النظام العربي نحو الأفضل. لا يجمل بنا مثلا التجاوز عن واحد من أهم أهداف هندسة تسوية الصراع الإسرائيلي العربي خلال السنوات العشر الأخيرة, وهو استئصال النظام العربي برمته ومحاولة إحلاله بنظام بديل يحمل عنوان (الشرق الأوسط) بصيغة أخرى, لم يعد المطروح على جدول أعمال التحالف الأمريكي الإسرائيلي, (الأوروبي بشكل أقل إفصاحا), مجرد إنهاك النظام العربي وشغله عن نزوعه الوحدوي القومي, واستنفاد طاقاته في معارك خارجية وأهلية.. وإنما إزالته كليا واستبداله بأخر خال من المضامين القومية الجامعة. والواقع أن استطلاع مستقبل هذا النظام ينبغي أن يتم في ضوء هذا المستجد المهم. فاذا أخذنا بهذه المنهجية, جاز الحكم على أداء النظام العربي بالإيجابية على مدار العقد الماضي, بل والاستبشار بالمعني قدما في هذا السبيل خلال الأجل المنظور ولماذا؟ لأن الضغوط المكثفة لتفكيك النظام وإفراغه من محتواه, تمهيدا لتقويضه لم تكلل بالنجاح, ولم يتأت ذلك في حقيقة الأمر بمحض الصدفة. وإنما بفعل وعي عربي, شعبي ورسمي, متنام بضرورة التصدي لهذه الضغوط. لقد أفسد هذا الوعي المداخل الالتفافية التي ابتكرها خصوم النظام.. ومن ذلك مسار المفاوضات متعددة الأطراف في صيغة مدريد للتسوية العربية الإسرائيلية, وكذا ما عرف بالمؤتمرات الاقتصادية للشرق الأوسط. ولعل القوى الشعبية العربية, لاسيما التيارات القومية على وهنها, مارست دورا مرموقا في شحذ الوعي والتحذير من هذه المداخل, لكن الموضوعية تقتضي الاعتراف بالصمود الرسمي الحكومي في وجه المساعي الرامية لتقويض النظام. ويشار في هذا الصدد للأدوار المميزة لمثلث القاهرة دمشق الرياض على هذا الصعيد. وبشيء من التفصيل, ربما يحق التوقف عند بعض الظواهر الإيجابية التي بدت كمعالم مبشرة لمستقبل النظام العربي, خلال العام ,2000 مثل المساهمة العربية في خلخلة عزلة العراق ومحاولة تقويض الحصار المضروب على بغداد, وذلك بالتعامل الاقتصادي والتواصل المباشر معها من ناحية, وباشراكها في القمة العربية التي انعقدت بالقاهرة في أكتوبر الماضي, وإذا كانت هذه المساهمة تدفع باتجاه تعزيز دور بغداد وصمود الشعب العراقي, فإنها في الوقت ذاته تشكل رديفا لاستعادة الدور العراقي المميز في النظام العربي الأشمل. ومن الظواهر المبشرة أيضا, انعقاد القمة العربية ذاتها وذلك تحت ضغط نداء الرأي العام الذي استفز واستنفذ بقوة في ضوء انتفاضة الأقصى الفلسطينية الملتهبة منذ نهاية سبتمبر, وهناك العودة التدريجية للدولة والسلم الأهلي على الساحة الصومالية بمساهمة عربية (اضطلعت بها اليمن وجيبوتي).. وهناك الصحوة لدور المقاومة بفعل كنس الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان تحت ضربات حزب الله. وهناك التهدئة التركية العربية, مع سوريا بالذات, فضلا عن التقارب الإيراني العربي وإن كان بوتيرة بطيئة. ومن شأن هذا التطور أن يخفف الأعباء المتخلفة عن الصدام أو التعارض مع قوتين إقليميتين يحسب لهما حساب إن تعاونا مع النظام العربي أو اتجها إلى العكس. وهناك إقرار عقد القمة العربية على نحو دوري. وهو تطور فارق بقوة فيما يتعلق بديمومة عمل النظام وإستمرارية,واحتمال تنقية أجوائه الداخلية وتفاعلاته أولا بأول. وهناك الاتفاق العربي الموثق الآن على ضرورة مواجهة التغلغل الإسرائيلي بلا ثمن في الرحاب العربية. مثل هذه المعطيات تعزز الجزء الملئ من كأس النظام, ويتعين أن ينظر إليها وفق الاعتقاد المتفائل بأنه يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة. ومن موقع هذا الاعتقاد, نتصور أن النظام العربي الذي راح في سبات أو شبه غيبوبة خلال العقد الماضي بخاصة, لا يمكن أن ينتقل بشكل انقلابي إلى الفاعلية بأقصى سرعة على نحو فجائي, ونتصور كذلك, أن التحديات التي طالما واجهها النظام منذ يومه الأول, بأنماط وتحت عباءات مختلفة, لن تنتهي بين عشية وضحايا. ولذلك, فإن الحاجة الملحة الآن هي إبتكار مداخل إبداعية تؤهل هذا النظام للتحرك والنفاذ في إطار الضغوط والتحديات, وذلك بالاستناد إلى عبرة خمسة عقود ونصف من العمل في كنف هذا الواقع المرير.. ويبدو أننا شهدنا في العام 2000 شيئا من العمل بهذه النصيحة وهو ما يحتمل وما نأمل استمراره في الأجل المنظور.